أزمة إعلامية في قطر عقب إغلاق صحيفة العرب المحلية

محمد إسماعيل الحلواني

كان قرار وقف نشر صحيفة “العرب” القطرية وتسريح عدد كبير من موظفيها، بسبب صعوبات مالية في بلد معروف بتخصيص ميزانية مليارية للعديد من المواقع الإخبارية ووسائل الإعلام الناطقة بالعربية واللغات الأجنبية في لندن وغيرها من العواصم الغربية، مفاجئًا لقراء الصحيفة المحلية، و أثار حجب أول صحيفة قطرية محلية، تأسست عام 1972، القلق والارتباك على المشهد الإعلامي الداخلي.

 

نرشح لك: بسبب أزمة مالية.. غلق صحيفة العرب القطرية

 

وقالت إدارة الصحيفة إن النسخة المطبوعة للصحيفة ستتوقف وستخضع لعملية إعادة الهيكلة، وهو بيان شعر المراقبون أنه من المرجح أن يهدف إلى منح الموظفين أملا زائفا في استئناف العمل العادي في نهاية المطاف، ولكن هذا أمر مستبعد.

وبعد الإعلان عن القرار، انضم جابر الحرمي، الرئيس التنفيذي لدار العرب، إلى “دار الشرق” التي تصدر صحيفة محلية بنفس الاسم، ما يؤكد، وفقًا لصحيفة آراب ويكلي اللندنية، على ما يبدو أن مصير صحيفة العرب القطرية قد حسم بغير رجعة.

واستلم موظفو صحيفة “العرب” رسائل رسمية تفيد بأن عقودهم سيتم إلغاؤها اعتبارًا من مطلع يوليو الجاري وطلب منهم التواصل مع الإدارة لتلقي خطابات إنهاء العقد.

وتساءل المراقبون عن سبب تخلي قطر، التي تكرس ميزانية ضخمة لوسائل الإعلام الدولية لتعزيز أجندتها، عن صحيفة العرب باعتبارها جزء من جهاز الإعلام الوطني.

وأشاروا أيضا إلى أن الدوحة لم تفعل الكثير لدعم وسائل الإعلام المحلية في خضم أزمة فيروس كورونا، واعتبروا إغلاق الصحيفة المحلية رسالة من النظام القطري مفادها أن قطاع الإعلام المحلي ليس له أولوية.

في حين أن وسائل الإعلام المحلية هي جزء مهم من التطورات السياسية والاجتماعية، فإن صناعة الإعلام في قطر لم تنجح إلى حد كبير مع الجمهور بسبب تعبيرها المستمر عن دعم سياسة الحكومة القطرية واعتماد تقاريرها على معلومات غير موثوقة.

وبينما تستهدف قناة الجزيرة القطرية الجماهير العربية من خلال إعداد تقارير سلبية واستضافة الصحفيين الذين ينتقدون بلادهم، فإن الدولة لا تسمح لوسائل إعلامها المحلية بالإشارة إلى المشاكل المحلية أو مناقشة أداء المسؤولين ولا يجرؤ أحد على الدعوة للمساءلة، مما تسبب في فقدان الصحف القطرية المحلية للمصداقية وإسقاطها من حسابات الصالح العام.

ويشير تخلي قطر عن صحيفة العرب المطبوعة إلى هبوط حاد في التوزيع والتسويق وانخفاض موازٍ لإيرادات الإعلان المحلي بسبب وباء كورونا الذي ضاعف من أزمات البلاد.

وتعرضت الدوحة لضربة قوية في يونيو 2017 عندما فرضت أربع دول عربية هي مصر، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والبحرين، إجراءات عزل شديدة بسبب دعم الدوحة للإرهاب وعلاقاتها مع إيران.

بالإضافة إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدوحة، قام الرباعي العربي بتعليق الرحلات الجوية من وإلى الدوحة، ومنعت الطائرات القطرية من التحليق عبر أجواء دول الرباعي وفرضت ضد قطر سلسلة من العقوبات الاقتصادية.

وبينما تدير وسائل الإعلام القطرية تغطية متحيزة واسعة النطاق للصدع الخليجي، فهي الآن أول من سدد فاتورة تلك الأزمة.

فيما يعتقد النظام القطري أن نفوذ وسائل الإعلام المحلية محدود للغاية ويتطلع إلى إعطاء الأولوية لأجنداته الخارجية، مما يعني ضخ المزيد من الأموال في وسائل الإعلام الدولية ووضع استراتيجيات جديدة وفعالة.

التمويل وما وراء التمويل

يشار إلى أن تكلفة إنتاج صحيفة وطباعتها وتوزيعها تقل على الأرجح عن 20٪ من إجمالي تكاليف أي موقع إخباري، خاصة في بلد صغير مثل قطر، وهذا يعني أن المشكلة مع صحيفة “العرب” القطرية ليست التمويل فقط، وأن الدوحة قررت فعليًا التخلي عن الإعلام المحلي لصالح وسائل الإعلام التي تركز على الأجانب، حيث يكون وجود المواطنين القطريين بين الموظفين قليلًا جدًا.

فيما تعتزم قطر استخدام عملياتها الإعلامية الأجنبية لتخريب دول أعضاء مجلس التعاون الخليجي وتعزيز النفوذ التركي والإيراني في المنطقة.

ويقول مراقبون إعلاميون قطريون إن قدرة “الجزيرة” على دفع أجندات أجنبية أضعفت فرص الإعلام المحلي، من حيث التمويل والتوظيف، وينظر تنظيم الإخوان والكيانات المتحالفة معه إلى الإعلام القطري على أنه مفيد فقط إذا استطاع تعزيز مصالحهم بشكل فعال.

وذكر تقرير آراب ويكلي، أن تحويل العرب القطرية من الطباعة إلى الإنترنت فقط لا يحل أزمة الصحيفة، ولا الأزمة الشاملة لوسائل الإعلام القطرية.

وستستمر القضية طالما استمر المسؤولون في النظر إلى الصناعة على أنها أداة لدفع الأجندات الحكومية الخارجية إلى الأمام بدلاً من كونها وسيلة للتعبير عن الرأي العام المحلي والمخاوف والدفاع عن التماسك والنسيج الاجتماعي لدول الخليج العربي.