الحضري.. كيف تصبح سوبر مان في 22 عامًا؟

محمد حسن الصيفي
 

أعلن الحارس الدولي عصام الحضري بالأمس اعتزاله اللعب الدولي بعد أكثر من 22 عامًا من حراسة مرمى الفراعنة.

 

الحضري الرجل الأكثر اجتهادًا وحظًا في كل الأجيال التي ركضت خلف الكرة في الملاعب المصرية، وبالتأكيد الأكثر حظًا بين كل الأجيال التي لعب معها في صفوف المنتخب، فعلى مدار 22 عامًا تبدل وتغير واعتزل على يديه عديد النجوم، وعاصر لاعبين كبار تبدلت ملامحهم وزادت أوزانهم، ولاعبين صغار اعتزلوا مبكرًا واختفت أسماؤهم، وكان هو حلقة الوصل بين الجميع وصاحب الأرقام القياسية والمسيرة النارية.

 

الحضري الذي جاء من دمياط 1996 ليصبح لاعبًا في صفوف الأهلي، ومن فريق مغمور إلى قلعة البطولات متحديًا حارسًا كبيرًا بحجم أحمد شوبير، تنقسم مسيرته إلى مرحلتين.


1.
مرحلة اللعب للأهلي، وهي مرحلة الصناعة والتطور والنجاح الكبير، الانضمام للمنتخب والتألق، و التصديات الإعجازية والبطولات الإفريقية ومواجهة ريال مدريد ولقب “السد العالي” وهدف كايزر تشيفز التاريخي وهتاف “ارقص يا حضري” وطقس الصعود فوق العارضة عقب كل بطولة، وهي المرحلة التي امتدت من 1996 إلى 2008 وانتهت بخروج الحضري من الباب الخلفي من ملعب التتش إلى موطن الساعات الأنيقة والشوكولاتة والبرد القارس.

 

2. مرحلة ما بعد الأهلي، وهي التي بدأت بفريق سيون ثم تنقل خلالها بين الإسماعيلي والزمالك والإتحاد السكندري والمريخ السوداني ووادي دجلة والتعاون السعودي وأخيرًا العودة للدراويش، مرحلة تحول فيها الحضري من شمس ساطعة طوال العام، إلى اسم معتم يسطع في تلك الليالي القمرية مع منتخب مصر أو أي فريق من التي تناوب على الوقوف أمام مرماها في إحدى اللقطات التي تُعيدك إلى الرجل الذي يحرس مرمى المنتخب على طريقة الجندي الذي يحرس الحدود بعين لا تعرف طعم النوم بينما أنت مطمئن غارق في الأحلام وهي المرحلة التي امتدت من 2008 ومستمرة حتى الآن.

 

 

والحضري على مدار ربع قرن من البطولات المحلية والقارية والإشادات العالمية لا يمكن أن تجد صفة ملازمة له طوال هذه المدة سوى “الإرادة” الفولاذية.

 

 

الحضري الذي “أفل” نجمه إلى حد بعيد بعد خروجه من الأهلي وأغلقت عليه “حنفية” البطولات لم يقع في الفشل، وتواجده في أندية أقل من اسمه وامكانياته لم تكسره ولم تهبط به إلى الحضيض، لم يصاب بالصدمة الحضارية التي أصابت الكثير مع النجوم الذين تاهوا بعد مغادرة قلعة الشياطين واعتزلوا بعدها بوقتٍ قليل.

 

الحضري الذي لم ينجح في حصد غلة على المستوى الجماعي مثلما حصد مع الأهلي، نجح بمفرده في الحفاظ على نفسه ولياقته ومستواه، وكأنه تحول بشكل تلقائي من لاعب في لعبة جماعية إلى لاعب في لعبة فردية.
 
لذلك لم يفشل، العكس تمامًا ما حدث، فقد استمر وانطلق من معرفته لنفسه أنه صاحب معدن نفيث، بل بدا شبحًا مُخيفًا لكل طامح وطامع في حراسة عرين المنتخب، فبعد تواجده في قائمة المنتخب لكأس الأمم الإفريقية 2017 بالجابون كحارس ثالث، وبعد إصابة أحمد الشناوي وشريف إكرامي قاد المنتخب بمفرده في مركز حراسة المرمى إلى النهائى على أفضل ما يكون وكأنه قادم من كوكب المريخ، وكأنه استنساخ من الحضري الذي عرفناه قبل خمسة عشر عامًا، حضري ينتزع آهات وقفزات المشجعين، حضري جديد أمام مالي وغانا وأوغندا والمغرب، حضري في بوركينا فاسو جعل الجمهور بين باكي من التأثر على رجل يقود بلاده إلى المجد في الخامسة والأربعين، وبين منتشي لدرجة الجنون وفي المنتصف وقف الحضري رجلا في كل مناسبة احتاجت إليه مصر فيها، بل ناطح أحيانًا واعترض وصاح لأنه لم يلعب أو تأخر ترتيبه بين زملاءه من الحراس

وقف الحضري بعد خروجه من الأهلي ولم ينهار، خرج للاحتراف في سن متأخرة وفي أجواء البرد الشديد في سويسرا ولم تتزحزح قدماه، لعب في السودان في درجة الحرارة المرتفعة والأجواء المختلفة بكل ثبات، وإن كان اخطأ في خروجه من الأهلي وندم على هذا التصرف في أكثر من مناسبة بشكل صريح إلا إنه لم يعتبر أن الحياة انتهت، بل قاوم، قاوم الندم والحسرة، قاوم غضب الجماهير الحمراء المخيف باعتذارات وود ورغبة في العودة وتصديات دافئة مع المنتخب تشعرك أن حراسة المرمى مسألة سهلة وأن هذا الرجل صاحب الستة وأربعين عامًا يفعلها كما تقود أنت عربة الملاهي.

 

الحضري تتفق أو تختلف معه، تؤيده أو تعارضه لكن يظل أحد تجليات الإرادة، بل ربما في كثير من الأحيان يطل برأسه ويديه وكأنه الإرادة نفسها أرادت أن تتثمل في جسد أحد البشر الطامحين !