علاقة حاتم حافظ بالحما والمُعلم خيري شلبي

أمنية الغنام

أن تمتلك موهبة الكتابة والقدرة على حكي الحكايات، ويكون مجال عملك كتابة السيناريو، وفي نفس الوقت تنتمي لعائلة الروائي خيري شلبي، أمر يجعلنا نتساءل عن طبيعة العَلاقة الأدبية ومدى التأثر الفني، كذلك التعرف على جانب إنساني أخر في حياة الأديب الراحل قد يكون غير معلوم لدى الكثيرين. لذا كان تواصل إعلام دوت أورج، مع السيناريست حاتم حافظ، ضمن ملف خاص عن “شيخ الحكائين”، للتعرف على ملامح ذكرياته داخل منزل حَمَاه خيري شلبي، في الذكرى السادسة لرحيله، وذلك من خلال التصريحات التالية:

1. لم أتعرف على “عم خيري” قبل ارتباطي بابنته “إيمان”، وكنت أعرفه ككاتب من خلال قصصه التي قرأتها في مجلات مثل “إبداع”. وباعتباري ابن القاهرة لم أنسجم مع كتاباته في البداية، لكن أول معرفتي الحقيقية به كانت عبر رواية “صالح هيصة” -وهي رواية تدور أحداثها في قلب المدينة، وبسبب شخصية صالح هيصة التي بكيت في مشهد موتها، أعدت اكتشافه ككاتب مرة أخرى.

2. عندما تقدمت لخِطبة إيمان، لم نتكلم في أي شيء عن سبب حضوري بل استغرقنا اللقاء كله في الحديث عن الأدب، وعن المسرح الذي كان يكن له حبا كبيرا. كان ودودا أكثر مما يتخيل أي شخص ولهذا مر اللقاء بحميمية. وفي نهاية اللقاء اضطرت ريم أخت إيمان الكبرى للتدخل. فطلبت يدها في عبارة، فأشار عم خيري بالموافقة بإشارة من يده ثم استكملنا الحديث عن الأدب كأن أمر الخِطبة شيئًا عابرًا.

3. كتب لي إهداء على روايته الجديدة بعد زواجي وأسماني في الإهداء “عم جاد الله الثاني”، فقد صرت مسامره لليالٍ عديدة وأَنبت عن إيمان في أداء دورها وقت حملها وولادتها، وكنت أحب مناداتي بهذا اللقب جدا.

4. لم يكن يترك عمله إلا في وجود الأحفاد. وكان يتكلم معهم طوال الوقت كما لو كان يناقش أشخاصا ناضجين. وكانت له طريقته في تدليلهم لدرجة أن ابني “يحيى” مازال يذكر جَده جيداً كما لو كان عاش معه سنوات بالرغم من وفاة عم خيري وهو لم يكمل شهورا قليلة من عُمره. وكانت المناسبات مهمة جدا بالنسبة له، كالأعياد مثلا فهو يحب “لمة العائلة” ويحب دوشة الأطفال.

5. كان ينصحني -وهو بالمناسبة لم يكن من الأشخاص الذين يوجهون نصائحهم للآخرين- أن أكتب فقط عن الأشياء التي أعرفها، وكان يرى أن جيلنا -جيل التسعينيا – يبدد وقته في البحث عن الشكل وعن الطرافة أكثر مما يفعل للبحث عن الأصالة. وقتها كنت منهمكا في كتابة رواية فقررت التوقف فورا. انتظرت بعدها عدة سنوات حتى كتبت روايتي الأولى “لأن الأشياء تحدث”، بعد الاستفادة من نصيحته.

6. “أنت حيث تضع نفسك” هي عبارة كان يُرددها كثيراً، فقد كان يؤمن أن الإنسان هو حصيلة اختياراته ولم يكن يلوم أحداً على اختيار خاطئ لكنه كان يفضل الأشخاص الذين يختارون الاختيارات الأصعب؛ وهنا تحضرني واقعة ما، حيث وجدنا -بعد موته- بين أوراقه عقد عمل مرسل إليه من دولة عربية ومسجل فيه رقم خيالي. كانت مؤسسة صحفية عربية كبرى قد أرسلت له العقد متضمنا المبلغ على سبيل الإغراء في وقت كان الجميع لا يصمد أمام مثل هذه الإغراءات، لكن عم خيري لم يسافر. ليس هذا فحسب، بل إنه لم يخطر أحدا بالعرض المرسل إليه!

7. أكثر الإهداءات التي كان يعتز بها ويحتفظ بها كانت بالطبع إهداءات نجيب محفوظ له، فـ “محفوظ” بالنسبة له أكثر الأشخاص إلهاما، وكان مثله شديد الدأب حتى نهاية حياته. أما الصورة التي كان يحتفظ بها في صدارة مكتبه فكانت صورة ليحيى حقي الذي كان يعتبره أستاذه المباشر، حتى إن الأخير أهدى له عصاه الشهيرة، وكان عم خيري يحتفظ بالعصا قرب سريره ويفتخر بها وبمحبة صاحبها.

8. قبل ثورة يناير كان الجميع منهمكًا في الجدل السياسي، خاصةً بعد إضراب 6 أبريل. كان عم خيري يرى الثورة في الأفق لكنه كان يخشاها وكان -بحسه الشعبي وقربه من الطبقات الشعبية- كان كشخص عجوز محافظ، لكنه لم يكن كذلك على الإطلاق. نحن الذين لم نكن نستوعب الدنيا كما ينبغي. السنوات التي أعقبت الثورة جعلتنا نصدق نبوءاته. ومع هذا، حين تنحى مبارك، كان شديد الابتهاج وكان يشعر أن المصريين خطوا خطوة كبيرة تجاه المستقبل، وآخر ما كتبه في مفكرته -قبل أيام من وفاته- كانت مديحا في بنات الثورة اللاتي كان يسميهن “أمهات الثورة”.

9. كان يُنقح رواياته عدة مرات قبل النشر، لكن بعد طباعتها لم يكن يقرؤها مجددا أبدا، كل الكتب التي كتبها بعد زواجي من إيمان قرأتُها مخطوطة بشكل حصري، وحبنا المشترك للأدب جعله يطلب مني كتابة مقدمة لأحد كتبه، كما أهداني أحد كتبه وكتب في الإهداء: إلى ابني الثالث حاتم حافظ.

10. استيقظت في أحد الأيام لأجد ورقة مكتوب عليها “الأخ حاتم.. هذه رواية تستحق أن تقرأها”. كانت رواية “المتشائم”. بعدها فهمت أن خيري شلبي لا يتعامل مع الكُتاب الجدد كأستاذ وإنما كصديق. هذا كان درسا لي أتلقاه للمرة الثانية في حياتي (المرة الأولى تلقيته من أستاذي دكتور فوزي فهمي)، ولهذا فأنا أدين لهما بطريقتي في التعامل مع طلابي كأصدقاء.

11. قبل وفاته كان قد شَرَع في كتابة رواية جديدة لكنه -كما لو كان يعرف موعد موته- قرر فجأة التوقف عنها، لدرجة أنه قام بتدبيس الأوراق التي كتبها معا. وقتها شعرت بالخوف الشديد فقد وصلتني رسالته وفهمت أنه سوف يغادر قريبا. كان عم خيري “واصل” بالمعنى الشعبي وكان قريبًا من الله القرب الوجداني الذي يؤهله لمعرفة اقتراب ساعته.

12. بدأ عم خيري حياته كشاعر لكنه -كما حكى كثيرا- قرر مغادرة الشعر بسبب الأبنودي، الذي كان يراه نائبًا عن الشعراء كلهم في كتابة الشعر. وكان الأبنودي أيضا يبادله هذا التقدير وكثيرا ما كان يتصل به ليسمعه قصيدة جديدة قبل نشرها. ومن الطرائف أنه قرأ قصيدة جديدة عليه فكان عم خيري يكمل أبياتها كما لو كان قد قرأها من قبل، حتى قال له الأبنودي “يا أخي ما تكتبها إنت بقى!”. كان لي شرف حضور هذه المكالمة، ولو أن شخصا حكي لي الموقف ما كنت سأتخيل أنه جرى على هذا النحو الغريب.

13. عادة ما كان يؤجل اختيار عنوان روايته إلى بعد مراجعة العمل. وكان يختار أكثر العناوين مركزية في العمل، وفي الوقت نفسه أكثرها جذبا للانتباه. المرة الوحيدة التي تعثر في اختيار عنوان كان لمجموعته “ما ليس يضمنه أحد”، وقمت باختياره من بين قصص المجموعة. كان العنوان غريبا على مزاجه، لكنه وافق وصدرت المجموعة بهذا العنوان. هو أيضا اختار لي اسم “بسكويت وعسل أسود” كعنوان لقصتي.

14. أكثر الروايات التي تم تحويلها لعمل درامي وتمثل خيري شلبي وتعكس روحه هي بالطبع “الوتد” أما رواية “وكالة عطية” في ظني تم إفسادها دراميا ، بينما جاء نجاح الوتد نجاحا كبيرا ربما لأن المخرج تواضع أمام العمل، ووفّر له ممثلين جيدين وطاقة تمثيلية عظيمة كالسيدة هدى سلطان.