إياد صالح : نور الذي يسبق "نوره" دايما نور الشمس

شتاء ٢٠٠٧

كان موعد التصوير الساعة ١١ صباحا، وكانت القاعدة أن عليك كمساعد مخرج التواجد بموقع التصوير قبل الموعد المحدد بساعة من أجل تحضير أي أمر قبل بدء التصوير، ومن أجل أن يبدء التصوير فعليا في الموعد المحدد، كنت ملتزم بتلك القاعدة، ولكن في ذلك اليوم وصلت لأستديو التصوير قبل الموعد بساعتين اي في التاسعة، لم يكن هناك أي شخص قد وصل الإستديو، ولكن لاحظت أن سيارة تشبه سيارة البطل تقف أمام البلاتوه، لست جيد في تذكر انواع او أرقام السيارات، فخمنت أن هناك من وجد المكان خالي أمام الاستديو فتوقف هناك، دخلت الي الممر الذي يحتوي غرف الممثلين والمكياج لم يكن هناك سوي العامل المسئول وكان مازل نائما علي كرسيه، قررت ان لا اوقظه من أجل ان يفتح لي غرفة الإخراج، واتركه يستمتع بتلك الساعة المتبقية علي بدء حضور الناس، فكرت أن اذهب لمقهي قريب، ثم بلا سبب قررت ان ادخل للاستديو نفسه لأشاهد الديكور، دخلت المكان، كانت مازالت رائحة الدهانات والعمل تملئ المكان، وبينما اتحرك داخل الغرف، وصلت الي ديكور بهو المنزل، لأجده يجلس علي كرسي في منتصف البهو، اذا كانت سيارته ولكن لماذا أتي مبكرا جدا، سلمت عليه، فسألني “جاي بدري” شرحت له أني استيقظت مبكرا ففضلت أن أتي قبل الزحام، لم استطع أن امنع نفسي من أسأله نفس السؤال خاصة أن من عادة النجم المصري بطل العمل أن يأتي متأخرا ليكون كل شئ جاهز فلا ينتظر كثيرا، سألته فأجاب “احيانا لازم اشوف المكان وهو فاضي، عشان أعرف همثل فيه ازاي ” كان الرد غريب ، وكان البطل هو ” نور الشريف ”

” تفكر ليه ..تفكر ليه .. أنت سايب التانيين يفكرولك ..متطلبش من كل واحد يوصل للكمال ”
المصير ١٩٩٧

عكس الصورة الشهيرة للمخرج وهو يقف في وسط اللوكيشن ليصرخ : أكشن، فكثيرا ما يكون المساعد الأول في صناعة المسلسلات هو من يطلب من الكاميرات أن تدور والصوت أن يسجل ويقول هو : أكشن … في ذلك اليوم كان المساعد الأول قد قرر أن يترك العمل بسبب خلاف مع الانتاج، وفي وسط السعي لإقناعه بالعودة للعمل، لم يكن أمام المخرج اختيار سوي أن اتولي أنا مهام المساعد الأول حتي عودته، لم يكن الأمر يمثل سعادة لي فهي مسئولية معقدة علي مساعد ثاني في بداية حياته، كنت في قمة التوتر فلا أريد أن أخطئ في أي شئ حتي وإن كان بسيطا، وفي محاولة مني للسيطرة علي اللوكيشن، كنت اتعمد أن أصدر الأوامر بصوت عالي وصارم- تصرف مراهق – لتأكيد السيطرة … كان المشهد لنور الشريف مع أحد ابنائه في المسلسل، وكان مشهد حزين، يتحدث فيه الأبن بحزن عن ماحدث له ، بصوت عالي هتفت : اااااكشن، بدأ المشهد ولكن لخطأ تقني كان يجب أن نعيد، هيا بنا: اااااكشن، تكرر الخطأ فتوقفنا، تحرك نور الشريف من مكانه واقترب مني في هدوء، وبصوت هامس قالي لي : ممكن تقول أكشن بصوت واطي شويه، بالطبع ارتبكت وفعلت كما طلب، دون أن أفهم لماذا طلب ذلك، وشعرت بأن هناك خطأ ما، بمجرد انتهاء المشهد وقبل أن يخرج من الاستديو ناداني توقعت أن يسأل عن المشهد التالي .. ولكن بنفس الهدوء : شوف فكر دايما في حالة المشهد وانت بتقول اكشن، لأن صوتك وادائك هيأثر علي الممثل وادائه، فمتزعقش فمشهد مطلوب من الممثل يكون هادي وحزين لأنك هتأثر عليه.

” تحفظلي بيتين شعر تبقي شاعر، تحفظلي آيتين تبقي عالم، تعرف ايه عن الطب ، عن حركة الكون، عن الرياضيات، عن الكيمياء، عن الفلسفة، تعرف ايه عن الحب عن الحق عن العدل “
المصير ١٩٩٧

في احد المرات، بينما كان عمال الإضاءة يعملون علي إضاءة أحد المشاهد، كان أمامي فرصة أن اتحدث مع الاستاذ عن بعض الأمور الفنية كان من بينها حديث حول المخرجين، يوسف شاهين، عاطف الطيب. سمير سيف ، وفي وسط الحديث سألني ، تفتكر إيه اهم حاجة في المخرج ؟ كانت اجابتي بسرعة المراهق، الصورة ..رد بهدوء ” لا… أهم حاجة في المخرج القرار …مافيش شخص يستحق أن يكون مخرج لو مش صاحب قرار ، القرارت هيا اللي بتحدد هو مين، وهيعمل إيه، وازاي ”

ميرفت : لوبعت التاكسي … تطلقني
حسن : يا خسارة يا ميرفت …حتي لو مبعتش التاكسي…أنت طالق
” سواق الاتوبيس ١٩٨٢”

شتاء ٢٠٠٨

كنت أقف في شارع لبنان، تقريبا انتظر صديق او انتظر تاكسي، وفجأة وجدت نور الشريف ينزل من سيارته ومتجه لمكتبه الذي أعرف انه في هذا الشارع، ذهبت لمصافحته، كنت قد أعتذرت عن العمل في الجزء الثاني من مسلسل الدالي، من أجل أن أعمل مع مخرج صديق كان سيقدم اول تجربة اخراج مسلسل له في هذا العام وفضلت أن أعمل معه ، بعد السلام وقليل من الكلام عن الاخبار والصحة، قال لي ” أنا عرفت أنك مش معانا في الجزء التاني ” شعرت بأحراج شديد ولم أكن اتوقع أن يكون مهتم بأمر يخص مجرد مساعد مخرج ، قلت له ” اه للأسف مضيت مسلسل تاني ” … رد بمزاح ” إيه مش عايز تشتغل مع نور الشريف؟ ” بالطبع انطلقت في سيل من التوضيحات والشرح عن علاقتي بالمخرج الأخر وأنه ساعدني في بداية حياتي العملية وأني أريد أن أكون معه … الخ ” ابتسم الأستاذ وتمني لي التوفيق ، ثم قال بطريقة مسرحية ” أنت موهوب بس بتزهق بسرعة ..خد بالك من نفسك ” وتحرك بهدوء نحو مكتبه.
ظللت لفترة طويلة اسأل نفسي كيف يستطيع نجم بهذا الحجم أن يهتم بمساعد مخرج بل ويكون عنه فكرة ، ينتج عنها نصيحة ، فلقد عملت مع كثيرين، كنت عندما التقي بهم بعد سنوات ، يتذكر بالكاد في أي عمل التقينا ، إذا تذكر أصلا أننا عملنا معا.
شتاء 2014

في مهرجان دبي , كان العرض الأول لفيلم ” بتوقيت القاهرة “، لا يمكن أن تقاوم فكرة حضور الفيلم ومشاهدته في أول عرض له , خاصة أن كنت تعرف ان ” نور الشريف ” سيتواجد في قاعة العرض , والتي كانت امتلأت بالجمهور لدرجة أنه كان مصيري أنا وصديقي المخرج أمجد أبو العلاء الجلوس علي الأرض في نهاية القاعة , وبمجرد صعود ” نور الشريف ” الي المسرح بعد ان قدمه رئيس المهرجان ، بدأت حالة من التصفيق الغريب ، في العادة يبدأ التصفيق عاليا ثم يهدأ تدريجيا حتي ينتهي ، قد يطول في حالة أهمية النجم ولكن دائما ما يكون تدريجيا , لكن في ذلك اليوم بدأ التصفيق عاليا، وعندما بدأ في الهدوء عاد ليرتفع مرة أخري , ثم هدأ ثم عاد ليرتفع مرة أخري، وكأن الجمهور كان يشعر في نهاية التصفيق أنه لا يكفي, فيعود ليبدأ من جديد، كنت أشعر أني أصفق لكل ما قدم نور الشريف وليس فقط بتوقيت القاهرة ، وعندما نظرت لأمجد شعرت أننا لا نود أن نقول لأنفسنا أننا نخاف ان تكون هذه المرة هي المرة الأخيرة

“أنا عايز حد أمين مؤتمن يسمع اللي هقوله
أنا عمري ما كان لي ارض في البلد دي
وعمري ما كان لي أهل يسألوا عن أحوالي
كان لي أصحاب ..
بس هي ..أحلى حاجة كنت بشوفها
هي اللي كانت الشمس ما بتشرق
إلا لما تفتح شبكها وتطل
دايما كان نورها يسبق نور الشمس”

دم الغزال – ٢٠٠٥

الـ 5 مشاهد السابقة ومشاهد أخري كثيرة هي مجرد ذكريات شخصية كنت أكتفي بأن أحكيها للأصدقاء علي المقهى و اتذكرها دائما كلما شاهدت نور الشريف يتحدث في برنامج أو جريدة او يظهر في صورة علي الانترنت،أشارك الكثيرين في إيمانهم أن نور الشريف ممثل عظيم وقدم الكثير والكثير من الأفلام علي مدي نصف قرن، كما أشاركهم في الاختلاف علي أدائه في أحد الأفلام أو المسلسلات

ولكني دائما أري في “نور الشريف” ماهو أبعد من الممثل أو النجم أوالمخرج أوالمنتج
نور الشريف تجربة انسانية مصرية فريدة لشخص أحب الفن وأمن به، وقرر أن يكرس حياته من أجل ذلك, نور الشريف أحب السينما حب حقيقي أخلص لها بكل ما يملك
لذلك فلا اتعجب أن تكتب المواقع الأخباريه أخبار عن مرضه في نفس الوقت التي تكتب أخبار عن اختياره لمسلسل لرمضان القادم ، أو أن تنتشر شائعة عن موته، فينفيها المخرج حسني صالح بأن يتحدث عن أن نور الشريف أهداه اليوم كتاب ليقرأه

نور الشريف الفنان يشبه نجيب محفوظ الأديب، فالثاني ليس مجرد أديب بل هو أحد قطع ” البازل” التي تكمل صورة مصر، وكذلك نور الشريف، فأنت ان أردت أن تحكي حكاية مصر والسينما فلا يمكنك الا أن تتوقف عند نور الشريف أكثر من مرة، وفي اكثر من لحظة

نور الشريف لن يموت، لأن ” نور ” نور الشريف كان دايما سابق نور الشمس .

اقـرأ أيضـاً:

وفاة الفنان نور الشريف

مشوار نور الشريف في 30 صورة  

.

تابعونا علي تويتر من هنا

تابعونا علي الفيس بوك من هنا