فاطمة خير تكتب: فاقد الإعلام لا يعطيه

بيع وشراء، انتقالات، تصريحات عن تطوير.. هذه هي الأخبار المتداولة عن “الإعلام” المصري، الإعلام الذي كان يوماً رائداً على المستوى العربي، متصفاً بالمصداقية على المستوى المحلي، فخور كل من يعمل فيه باعتباره ينتمي لقطاع مهني شديد التميز ويضمن له مكانة في أعلى السلم الاجتماعي.

كان يا ما كان، كان يجب أن تسبق الأوصاف السابقة، التي لم تعد موجودة للأسف، أو على الأقل لم يبق منها إلا القليل، وإن كان لهذا الإعلام وجود، فباعتبار الكم لا الكيف، وما أقصده هنا هو الإعلام التليفزيوني المصري.

لم تعد أخبار مشكلات قطاع الإعلام والعاملين فيه، سراً يدور في أروقة المحطات الفضائية سواء الخاصة أو التي تملكها الدولة، أصبحت سيرة القطاع والعاملين فيه “على كل لسان”، وربما كانت المشاكل التي تمر بها صناعة الإعلام تبدو متعلقةً للوهلة الأولى بالظروف الاستثنائية التي تمر بها مصر منذ ست سنوات؛ هذا صحيح في جانب كبير منه، فالنمو غير الطبيعي الذي شهده القطاع جعل “عظامه هشة”، وأصبح شبيهاً بالخضار الذي تنتجه الصوبات الزراعية: لا طعم ولا ريحة.

أجور مرتفعة، ساعات عمل لا نهائية، برامج أكثر من أن تحصى.. وكله ع الفاضي: فالأجور المرتفعة لم توازيها عقود عمل محترمة، وساعات العمل أنهكت أعمار العاملين وسلبتهم الصحة والعافية، والبرامج الكثيرة كالعدد في الليمون!.

لا أريد أن أصدم القارئ، ولكن الإعلام ليس قطاعاً هيناً، هو صانع الرأي العام، وهو ضمانة من ضمانات الأمن القومي لأي بلد، الإعلام الذي يدعي مناقشة المشكلات وتقديم الحلول، هو نفسه عاجز عن حماية العاملين فيه، وعن صناعة رؤية لما يريد أن يقدمه، عاجز عن خلق استثمار حقيقي في قطاع من أعلى القطاعات القادرة على تحقيق استثمار قوي في العالم، لكنه يأتي عند مصر.. ويعجز!.

اذكر لي عزيزي القارئ اسم ثلاثة برامج تعلقت بها في السنوات القليلة الماضية؟، برنامج تابعته عن شغف؟ برنامج شعرت أنه إضافة حقيقية لفهمك ومعلوماتك ودرايتك بالشأن العام المحلي والعالمي؟، أين هي البرامج الثقافية؟ البرامج الفنية؟ الفنية الحقيقية وليست تلك التي تعتمد على استضافة نجم سينما أو غناء والحديث معه وحسب حديث كلما طال كلما زادت الفواصل الإعلانية وخرج الجميع منتصراً: المنتج والفنان وشركة الإعلان.. وحده المشاهد يخرج خاسراً عمراً قضاه أمام شاشة ضحكت عليه وأخرجت له لسانها، وتاريخ لن يجد ما يحكم علينا به سوى.. التفاهة.

زاد عدد كليات الإعلام، بل وأصبحت من الوجهات المرغوبة للطلبة وآبائهم، على اعتبار أن العمل في هذا القطاع “يأكل الشهد”، لكن متى سيكتشف الجميع هذه الخديعة الكبرى؟، ففي الحقيقة أن فرص العمل ستتقلص بتقلص المستعدين للإنفاق، ولن أقول للاستثمار ،لأنه حتى الآن ما من ربح مادي حقيقي، لأنه ما من استثمار بالمعنى الحقيقي، وهو ما ترك أثره بشدة على مسارات التطور في القطاع، الأكبر سناً بطبيعة الحال ينسحبون بحكم السن، والأصغر سناً مطحونون في دوامة، لا يراهم صناعها أصلاً سوى كعمال التراحيل غير مدركين أن هذه الصناعة تقوم أساساً على الإبداع الفردي، أما الذين يبدأون طريقهم فيها، فهم لن يجدوا ما يتعلمونه أو من يعلمهم نتيجةً لطريقة سير الأمور، التي تبتعد تماماً عن المهنية.

ولا تعتقدوا أنه هكذا تسير الأمور في العالم، فبمجرد انتقالك لشاشات أجنبية، ستكتشف أن هذه الصناعة تطورت بشكلٍ مذهل، وممتع، وعميق، صناعة تتطلع إلى المستقبل؛ بل تصنعه، وحدنا نحن من ندور في دوائر عبثية مفرغة، تاركين خلفنا المهنية والتطور والاستمتاع بمهنة من لا يحبها لا يستطيع أن يمنحها شيئاً.

إن كان ليس لدى صناع الإعلام المصري ما يعطونه لجمهورهم المصري والعربي، هل تعتقدون أن شيئاً سيجبر هذا المشاهد على احترامهم.. أو حتى متابعتهم؟!.

هي مسألة وقت.. لا أكثر.

نرشح لك

[ads1]