جابر العثرات يكتب: مُرورَ الكرام (٥) – الفضّ للخطابات

هذه هى التدوينة الأولى التى لن أتناول فيها الصياغة الصحفية للأخبار أو طريقة عرض المقالات لها؛ لأن موضوعى هذه المرة تتألف مادته من التصريحات التى يُفترض أن الأخبار تنقلها لنا دون تدخل. والتصريحات موضوع هذه التدوينة صدرت على خلفية الهجمات الإرهابية المتصاعدة إلى أن بلغت مؤخراً ذروتها فى #أحداث_باريس. وبالذات التصريحات التى أدلت بها شخصياتٌ تمثل مؤسساتٍ إسلاميةً معترفاً بها، وعلى رأسها شيخ الأزهر. لكن التدوينة لا تقتصر على التصريحات الصادرة بهذه المناسبة، بل تستدعى أيضاً تصريحاتٍ أقدم من سياقاتٍ مختلفة. كل هذا من أجل هدفٍ نهائى..

فأنا، عندما أطالع زخم التصريحات هذا وما واكبه من حملة تعليقاتٍ على مواقع التواصل، أجدها جميعاً عبارةً عن ردود فعلٍ خطابية. واستخدامى هنا لوصف ’خطابٍ‘ Discourse يأتى بالمفهوم الواسع له، بحيث يمكننى أن أضع تصريحاتٍ صادرةً عن مؤسساتٍ كالأزهر فى نفس الكفة مع هشتاجٍ متداولٍ على موقع إنترنت مثل تويتر، وذلك باعتبار أن كليهما ممارسةٌ خطابيةٌ فى جوهره. وهدفى من الجمع بين هذه الخطابات المختلفة هو أن أبيّن لكم كيف أن بعضها يناقض بعضه وأن أحدها يلغى الآخر. وهنا ثمة توجيهٌ لقارئ هذه التدوينة ينبغى أن يضعه فى حسبانه أولاً قبل أن يرمى نفسه فى بحرها؛ وهو أننى لا أتناول الإسلام فى حد ذاته ولا علاقته بالإرهاب، وإنما أناقش خطابات المؤسسات الإسلامية والاتساق فيما بين تلك الخطابات حين تحاول أن تُعبِّر عن مواقف المؤسسة تجاه هذه المسألة الدقيقة والحسّاسة: أى الإسلام والإرهاب. فإذا جئنا للخطابات نفسها، ستجدون أننى أتكلم فى هذه التدوينة عن خطاباتٍ كثيرة، ربما أربع أو خمس خطابات، لكن الأساسى منها يمكن حصره –على تعدده وتنوع أصحابه– فى خطابين اثنين: خطاب التبرئة، وخطاب التبرؤ. وهما خطابان مختلفان، مع أنه قد يبدو للوهلة الأولى أن لهما نفس المعنى:

خطابات التبرئة

تنطوى خطابات التبرئة على إعلانٍ لموقف؛ هو غالباً موقفٌ دفاعىٌّ لمتهمٍ أو لمحامٍ عنه. ويُترجَم هذا الموقف صراحةً من خلال كلماتٍ مُعبِّرة، مثل جملة “الإسلام برىء” التى نجدها تتكرر قاسماً مشتركاً بين كثيرٍ من أمثلة هذا الخطاب:

– السديس: الإسلام برىءٌ من كل التصرفات الإرهابية
– الطيب عن هجوم مالى الإرهابى: الإسلام برىءٌ من هذه الممارسات
– وكيل الأزهر: الإسلام برىءٌ من كل الأفعال التى يقوم بها تنظيم داعش
– النعيمى: الإسلام برىءٌ من جميع الأعمال الإرهابية التى تُنسب إليه
– أردوغان: الإسلام برىءٌ من تنظيم داعش

بالطبع أن تأتى التبرئة بهذه المباشرة اللفظية –كما فى التصريحات السابقة– ليس شرطاً لهذا الخطاب، إذ يكفى أن يظل المعنى العام يدور حول نفى صلة الإدانة بين الإسلام والإرهاب؛ لينتمى التصريح إلى هذه الطائفة من الخطابات ويكون مؤدياً لنفس الغرض:

– شيخ الأزهر يصدر بياناً ينأى فيه بالإسلام عن الهجمات الإرهابية
– شيخ الأزهر عن هجمات لبنان وفرنسا ومالى: الإرهاب لا دين له ولا هوية و”ظلمٌ بيِّنٌ” للإسلام
– شيخ الأزهر: الإرهاب مرضٌ فكرىٌّ ونفسىٌّ لا دين له
– شيخ الأزهر: يجب الفصل بين الإسلام ومرتكبى الجرائم الإرهابية
– الأزهر يدين التفجير الإرهابى شمال الكاميرون: الإسلام حرم الاعتداء
– مجلس حكماء المسلمين: لا لربط الإرهاب بالإسلام
– البرلمان المغربى: يحذر من ربط الإرهاب بتعاليم الإسلام

خطابات التبرؤ

أما خطابات التبرؤ فهى تلك الخطابات التى تبدو مهمومةً باسم “الإسلام” بالذات أو بصفة “إسلامىّ”، فتُعبِّر عن ذلك بإلحاحها على نفى انتساب المنظمات الإرهابية إلى اسمه، وبالتشديد على عدم إطلاق صفته على مرتكبى جرائم الإرهاب:

– أرفض وصف بعض القنوات الأوروبية لتنظيم “داعش” بأنه “إسلامى”
– أتحفظ كثيراً جداً على أن يُنسب تنظيمٌ بهذا المستوى من الإجرام واللامبالاة والفوضى المسعورة إلى الإسلام
– شيخ الأزهر: أعذر الغرب.. ولا ينبغى محاكمة الأديان بسبب من يخرج عن رسالتها
– وكيل الأزهر للتلفزيون السويسرى: الإعلام الغربى مطالبٌ بوقف وصف تنظيم داعش بـ”الإسلامى”

إن التبرؤ لغةً هو عكس التبنّى. وفى أعقاب كل عملية إرهابية نجد أنه، بينما تُمرِّر المنظمات الإرهابية خطاب التبنّى لتنسب تلك العملية إلى نفسها، ترفع مؤسسات مثل الأزهر وغيره خطاب التبرؤ فى المقابل لتنفى انتماء أولئك إلى الدين وتنزع عنهم صفته. من هنا يظهر لنا أن خطاب التبرؤ الإسلامىّ قد يبدو نقيض خطاب التبنّى الإرهابى ومشتركاً فى الهدف مع خطاب التبرئة؛ حيث يهدفان معاً إلى تبييض صفحة الدين الإسلامى، فأحد الخطابين يبرّئه من الجريمة الإرهابية، والخطاب الآخر يتبرّأ له من مرتكبيها أو من يقف وراءهم..

هذا التقسيم الظاهرى للأدوار بينهما يخفى فى الحقيقة تعارضاً كامناً بين فحوى الخطابين. وهنا آتى لموضوع هذه التدوينة. فمحاولة إثبات التناقض الخفى بين الخطابين لن تتأتّى من مقارنة أحدهما بالآخر، وإنما يمكن أن يتبدّى لنا التناقض باستدعاء خطابٍ آخر؛ هو خطاب اللا تكفير.

خطابات التكفير واللا تكفير

وحيث إن الأزهر كان حاضراً –كما رأينا– بنصيبٍ وافرٍ فى الخطابين السابقين، فلا حرج إن اقتصر هذا القسم من التدوينة على نماذج من تصريحاتٍ لرجال مؤسسته. فى الواقع، فإن الأزهر وبعض مؤسساته مثل المشيخة ومجمع البحوث الإسلامية وهيئة كبار العلماء هى التى ستبقى معنا حتى نهاية هذه التدوينة. والخطابات التى سترد هنا ستكون عبارةً عن بياناتٍ أو تصريحاتٍ لشيخ الأزهر أو لأصحاب مناصب أو مراكز رسميةٍ فى هذه المؤسسات. ولقد رأينا، فى خطابات التبرؤ، الأزهر وهو يقدم داعشاً للعالم بوصفهم “ليسوا إسلاميين” و”خارجين عن رسالة الإسلام” وأنهم “يجب فصلهم عنه.” ومع أنها كلها أساليب خطابيةٌ تحوم حول معنىً واحد، إلا أنه لا ينبغى أن نستقبلها على أنها خطاباتٌ تكفيرية؛ هذا لأن الأزهر نفسه كان قد سبق له أن رفض تكفير داعش بالتحديد:

– شيخ الأزهر: داعش من أهل القبلة ولا يمكن تكفيرهم
– شيخ الأزهر يرفض تكفير داعش: «لا يجوز تكفير مؤمن»

هذه التصريحات جاءت على خلفية عباراتٍ منسوبةٍ لمفتى نيجيريا أثناء كلمةٍ له ألقاها بمؤتمرٍ للأزهر استُقبِلَت على أنها فتوى تكفيرٍ لداعش. سارع الأزهر حينها إلى إصدار بيانٍ نفى فيه الفتوى المنسوبة للشيخ المذكور، موضحاً أن «كل علماء الأمة لا يستطيعون يقيناً الجزم بتكفير مؤمنٍ مهما بلغت آثامه وسيئاته […] فإن خروج العبد من الملة لا يكون إلا بجحد ما أدخله فيها؛ وهى الشهادة.»

غير أن هذه التصريحات تتركنا دون تفسيرٍ لتناقضاتٍ عديدةٍ واضحةٍ أثارت حينها جدلاً واسعاً! فغير أنها تبدو متناقضةً مع خطاب تبرؤ الأزهر أمام العالم من داعش، فإنها تتناقض أيضاً مع مواقف وخطاباتٍ أخرى محليةٍ تباين فيها رد فعل الأزهر عن رد فعله فى هذا الموقف. أقرب مثالٍ هو ما حدث عشية #مليونية_خلع_الحجاب، وذلك حينما خرجت فتوى تكفير منكر الحجاب عن شخصيةٍ إسلاميةٍ ذات ثقل، وأعنى بها الشيخ على جمعة الذى –إضافةً إلى كونه مفتياً أسبق للديار المصرية، معروفاً عنه مواقفه المثيرة للجدل مثل فتاواه حول إرضاع الكبير وبول النبىّ وختان الأنثى وزيارته المفاجئة للقدس– هو الآن عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، وضيفٌ دائمٌ على فضائيةٍ مصريةٍ معروفةٍ يُفرَد له برنامجٌ أسبوعىٌّ عليها– فهذه المرة لم يتصدَّ الأزهر ولا شيخه إلى فتوى التكفير التى نُشرت فى بيانٍ على الصفحة الخاصة للشيخ وتناقلتها الصحف والمواقع:

– على جمعة: للقاضى أن يحكم بكفر منكر الحجاب
– على جمعة: من ينكر فرضية الحجاب كافرٌ أو مرتدّ

وبينما استغرب أحد أساتذة الأزهر موقف المؤسسة من كلام الشيخ النيجيرى عن داعش: «أسرع الأزهر للدفاع عما ألمح إليه المفتى النيجيرى فى المؤتمر الدولى لمكافحة الإرهاب حول تكفير داعش، رغم أن المفتى ليس قاصراً [عن أن يتحدث] عن نفسه. لماذا يتدخل الأزهر ويتحدث بالنيابة؟ فهذه مسألة لم تُعرض على الأزهر!» نجد أنه –على العكس من موقفه هذا مع الشيخ النيجيرى– لم يسارع الأزهر هذه المرة إلى مراجعة خطاب التكفير الصادر عن الشيخ على جمعة أو إلى استنكار وقوعه فيه. وإذا كان رد وكيل الأزهر على النقطة التى أثارها الأستاذ الأزهرى بأنه «من واجب الأزهر بصفته منظماً للمؤتمر أن يُظهر رأى أحد مشاركيه كما أراده [هذا المشارك]» فإننا ضمنياً نستطيع أن نفسر الموقف المقابل للأزهر بأنه لم يرَ فى حالة تكفير منكر الحجاب بالذات أىَّ واجبٍ عليه تجاه فتوى من عضوٍ بارزٍ فى هيئة كبار علمائه. بل إنه، حينما بدأت أصوات تيارات دينية معينة فى التصاعد مطالبةً بموقفٍ معلنٍ أكثر حزماً من شيخ الأزهر ضد دعوات خلع الحجاب، خرج بيان الأزهر يتجاهل الفتوى المذكورة ويركز على فرضية الحجاب وإثم تاركه (دون التعرض لحكم من ينكره والذى كان موضوع فتوى التكفير!) أما التصريحات الإعلامية لشيخ الأزهر فى هذا الشأن فقد جمعت بين «الدعوة إلى خلع الحجاب والجنس قبل الزواج» معاً فى نفس السياق، معتبرةً أن تلك الدعوات «لا تخالف الإسلام فقط، بل تخالف تعاليم كل الأديان السماوية.» وهو بالمصادفة تعبيرٌ ’إكليشيهىّ‘ فى خطابات التبرئة من الإرهاب أيضاً.

وأنا لا أجرؤ هنا على الدخول أو التفرّع فى مسائل أو أحكامٍ فقهيةٍ قد يكون هناك من هو أعلم منى بها. أنا فقط أكتفى بدور القارئ العادى للخطاب فى مناسباته المختلفة. وأحاول أن أبنى على تلك القراءة فهماً متسقاً، وذلك بقدر ما يساعدنى هذا الخطاب واتساقه مع نفسه. فالظاهر لى هنا أن موقف الأزهر من خطابات التكفير ليس موحَّداً، حيث أجده حازماً واضحاً فى نفى الخطاب فى حالة ’احتمالية تكفير‘ داعش، بينما فى حالة ’التكفير الصريح‘ لمنكر الحجاب يلتزم الأزهر الصمت، ثم إنه بعد أن يصمت يتخذ موقفاً مسايراً لاتجاه المتعصبين لفتوى التكفير بأن يجمع فى جملةٍ واحدةٍ بين “خلع الحجاب والجنس قبل الزواج.” (فى الحقيقة فإن الدعوة نفسها للجنس قبل الزواج لم تُكفَّر بينما كُفِّر إنكار الحجاب، وذلك فى مفارقةٍ أخرى) وأنا شخصياً أجد صعوبةً بالغةً فى تشخيص بوادر موقفٍ متوازنٍ من الأزهر تجاه خطابات التكفير المختلفة فى المثالين السابقين.

خطابات التبرير

إزاء هذا الموقف للأزهر الذى يبدو لنا غير متوازن، خرجت طائفةٌ من التصريحات التى تهدف إلى أن تبرر خطاب اللا تكفير الذى انتهجه الأزهر تجاه داعش. وقد اعتمدت خطابات التبرير هذه على فرضيتين أساسيتين؛ أولاهما هى نفى الأزهر خطاب التكفير عن نفسه جملةً وتفصيلاً:

«لو حكمنا بكفرهم لصرنا مثلهم ووقعنا فى فتنة التكفير، وهو ما لا يمكن لمنهج الأزهر الوسطى المعتدل أن يقبله بحال» – مشيخة الأزهر
«الأزهر على مدار تاريخه لم يكفر أحداً نهائياً» – وكيل الأزهر
«قضية الكفر لا يملكها جماعةٌ أو الأزهر أو تنظيمٌ؛ فهى قضيةٌ شرعيةٌ لا يملكها أحد» – أمين مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر

أما الفرضية الأخرى التى تطرحها خطابات التبرير هى أن الحكم بالكفر لا يأتى إلا من خلال قاضٍ. ويُذكَر هنا أن الشيخ على جمعة قد صاغ فتواه سالفة الذكر على هذا الأساس:

«هذا نكر على أمرٍ معلومٍ من الدين […] وهو عند علماء المسلمين كافرٌ […] ولكن كفره لا يأتى إلا عند القاضى» – الشيخ على جمعة
«التكفير مسألة تتعلق باعتقادٍ يجب أن يصدره القاضى بعد التحقيق والتدقيق لمعرفة قصد القائل بقوله أو فعله» – وكيل الأزهر

فالتبرير الذى تسوقه لنا هذه الخطابات يمكن أن نراه ليس مبنياً على أن الكفر (والإيمان) قضيةٌ أخروية، وإنما هو حكمٌ أرضىٌّ يمكن البتّ فيه من خلال قاضٍ بشرىّ مثل أىِّ قضيةٍ دنيويةٍ أخرى. وعليه، يُفهَم نفى الأزهر عن نفسه خطاب التكفير أنه ليس من حيث المبدأ، وإنما باعتباره مخالفةً إجرائيةً لا تصح! وناهيك عن الإغراء الشديد لمقارنة الإجراء القانونى الماثل فى هذا الكلام بمحاكم التفتيش فى أوروبا القروسطية، فالحال أن الفرضيتين اللتين ينبنى عليهما خطاب التبرير متناقضتان: إذ أنه فى نفس الوقت، الذى فيه تنفى إحداهما أن «يملك أىُّ أحدٍ قضية الكفر» حتى لو كان الأزهر ذاته، تُملِّك الفرضية الأخرى هذه القضية لقاضٍ بشرٍ تتوسم فيه أنه يستطيع «التحقيق والتدقيق فى اعتقاد القائل أو الفاعل.» ومن الغرابة أن تصاغ التبريرات على هذا المنوال، وكأن الأمور بهذا قد ضُبطت ووُضعت فى نصابها الطبيعى! لكنها غرابةٌ سأتجاهلها الآن، فأنا لم أستدعِ خطابات التبرير التى تساق لنا إلا لتبيان تهافت افتراضاتها. وكما استحضرتُها فإنى سأصرفها، فعلى ما يبدو لن نخلص إن نحن أمسكنا الخطابات خطاباً خطاباً والتناقضات التى بينها تناقضاً تناقضاً. ولنكتفِ بالإقرار بأن خطابات التبرير لم تفلح فى رد التناقضات الماثلة بين الخطابات الأخرى وبعضها البعض. وبدلاً من أن تقودنا إلى الاطمئنان المريح لتوازنٍ ما فى مواقف الأزهر، فتحت عيوننا على المزيد من التناقضات التى لا نعرف بعد كيف نحلها..

تناقضات غير محلولة

إن القول بأن الأزهر لا ينتهج خطاباً تكفيرياً لا يصمد أمام تفاوت خطابات الأزهر نفسها فى موقف الشيخ النيجيرى وموقف الشيخ على جمعة. فالخطاب Discourse، كما يتمثّل فى الكلمات والتصريح بها، يتمثّل أيضاً فى اللجوء إلى الصمت فى أحايين معينة، وفى غض الطرف عن أمورٍ والتركيز فى الكلام على أمورٍ أخرى، وفى العطف بين الأشياء مقابل الفصل بينها. وهى كلها تقنياتٌ خطابيةٌ وظّفها الأزهر ورجاله فى تصريحاتهم وفتاواهم التى استشهدنا بها سالفاً. ثم إن إلقاء مسئولية التكفير على القاضى لا ينفيها عن الأزهر؛ لكونه الجهة المرجعية التى يستند إليها القاضى فى حكم التكفير. وثمة أمثلةٌ لاشتراك الأزهر أكثر من مرةٍ فى خطابٍ تكفيرىّ، كان أبرزها اتهام مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر للشاعر حلمى سالم بالإلحاد والزندقة فى ٢٠٠٧، اعتماداً على مقاطع شعريةٍ من قصيدته “شرفة ليلى مراد”، والحكم بارتداد نصر حامد أبو زيد وتفريقه عن زوجته من خلال محكمةٍ بعد أن طالبته لجنةٌ من عشرين أزهرياً بإعلان التوبة فى ۱٩٩٥ بسبب رسالةٍ جامعية. وذانك مجرد مثالين لاثنين أعلنا أنهما “مؤمنين، ومن أهل القبلة، ولم يجحدا الشهادة” ومع ذلك لم يحظيا بنفس الاعتبارات التى حظى بها داعش فى تبرئة ساحته الإيمانية! ثم إن قرار القاضى يختص بتكفير المتهم، لكن ليس القرار فى حد ذاته هو الذى تتمثل فيه تكفيرية الخطاب. فى رأيى أن الخطاب يكون تكفيرياً من اللحظة التى يظهر فيها أنه يقبل بإمكانية بحثه هذه التهمة، حتى لو لم ينتهِ إلى إقرارها على ’المتهم بالكفر‘؛ لأن مجرد البحث فى هذه التهمة يعنى أن هناك حقاً فى التكفير قد أعطاه أحدهم لنفسه. فالتقرير الذى ترفعه الهيئة أو اللجنة الأزهرية يمثل هو نفسه خطاباً تكفيرياً، وتغاضى الأزهر عن أن رجلاً تعليمه تعليمٌ أزهرىٌّ هو من رفع قضيةً كهذه من الأصل أو أفتى بكفر شخص؛ هذا الفعل منه بالتغاضى هو فى حد ذاته إجراءٌ سلبىٌّ يندرج تحت خطابات التكفير.

لا بد أن نقبل بوجود خطابين متناقضين للأزهر؛ أحدهما تكفيرىّ والآخر غير تكفيرىّ. وأن هذين الخطابين يُنتَجان بشكلٍ تبادلىٍّ وانتقائىٍّ وفقاً لآلياتٍ معينةٍ داخل المؤسسة غير واضحةٍ لنا. لقد رأى أحد الباحثين فى الإسلام السياسى، فى خضم تأييده أو تبريره لخطاب عدم التكفير، أنه يُحسب لشيخ الأزهر أنه «لم يُسيِّس قضية تكفير داعش» وأنه «عالجها دينياً لا سياسياً.» وأنا أسأل ما الذى جاء بسيرة السياسة هنا؟! لقد طرحها ذلك الباحث هكذا ثم تركنا بعدها لتساؤلاتنا عمّا إذا كانت “المعالجة السياسية” واردة أصلاً فى مثل هذه القضايا، وعما إذا كان كلامه هذا مبنياً على أن قضايا دينيةً أخرى قد سُيِّسَت أو تُسيّس! وهى تساؤلاتٌ يحق للمرء أن يشطح بفكره فيها حينما يطالع التصريحات التى لم تبرد بعد لشيخ الأزهر من عينة تشبيهه للمقاطعين للانتخابات بـ«منزلة الذين يعقّون آباءهم وأمهاتهم

نقض الخطابات لبعضها البعض

والحال أن التسليم بتبنى الأزهر للخطابين التكفيرى وغير التكفيرى معاً هو السبيل لإظهار دائرة التناقض بين الخطابات. ولكى نفهم هذا أقول إن المشكلة ليست فى خطاب اللا تكفير نفسه بالطبع، فهو فى حد ذاته خطابٌ إيجابىٌّ ينطلق من مبدأ إنسانىٍّ وإيمانى. وإنما المشكلة تبدأ تلوح لنا عندما نجد أن الخطابين، التكفيرىّ وغير التكفيرىّ، يُنتَجان معاً من مؤسسة واحدة. فإنتاج المؤسسة للخطابين لا يجعلهما متناقضين، بل متكاملين فى خدمة ’سياسةٍ‘ ما للمؤسسة. ويظهر لنا عندئذ أن خطاب اللا تكفير لا يعود يعكس المبدأ الإنسانى الإيمانى؛ لأن هذا المبدأ قد انتفى بمجرد وجود الخطاب الآخر التكفيرىّ معه، وإنما سيصبح اللا تكفير هنا خطاباً انتقائياً نفعياً لا خطاباً مبدئياً. هذه الانتقائية فى حالة مؤسسة الأزهر تهدم خطاب التبرؤ لديها – لماذا؟ لأن خطاب التكفير ينطوى على بُعدٍ إجرائىّ، إذ يستتبع إجراءً عقابياً يشبه النفى؛ فالتكفير هو نفىٌّ رمزىٌّ لمن يُكفَّر إلى خارج دائرة ’جماعة المؤمنين‘، وهذا –على سلم الخطابات– يعنى أن خطاب التكفير أقوى من خطاب التبرؤ. وعندما يصدر خطاب التبرؤ عن جهةٍ لا ترى نفسها تملك حق التكفير، فهذا يعنى أنها بالفعل قد قدمت آخر ما فى وسعها وترجمته إلى خطاب. أما إن كان لتلك الجهة تاريخاً مع الخطابات التكفيرية، مثل الأزهر، فإن ذلك يجعل خطاب التبرؤ الصادر عنها لا يزيد عن كونه خطاباً عاطفياً أو سياسياً. ولهذا كان يجب علىّ أولاً أن أفنّد خطابات التبرير التى رفعها الأزهر، وأن أثير الجدل حول ترويج فكرة عدم إنتاجه خطاباتٍ تكفيرية. فبدون هذا، لم يكن ممكناً أن أصل لتوضيح التناقض الأساسى بين الخطابات..

ونحن الآن لدينا ثلاث ملاحظات لقارئ الخطابات أن يلاحظها:
أولاً أن يرى خطاب التكفير موظَّفاً ومشهَراً ضد أفعالٍ من قبيل دعوةٍ تتعلق بمظهرٍ شخصىٍّ أو قصيدةٍ شعريةٍ ثم يجده يُعطَّل ويُحجَب مع جرائم الإرهاب؛
وثانياً أن يتضح أيضاً لهذا القارئ الدور الخطابىّ للأزهر فى سوابق وقضايا قامت على أساسٍ من خطابٍ للتكفير؛
وثالثاً فقدان خطاب التبرؤ، الذى يرفعه الأزهر ضد الإرهابيين، فاعليته نتيجةً لواقع وجود خطابٍ أزهرىٍّ تكفيرىّ.

إن خطابات التكفير واللا تكفير تحيل إلى العقيدة (الإسلام) وخطاب التبرئة يحيل إلى الأفعال (الأعمال الإرهابية) وخطاب التبرؤ إلى الانتماء (الإرهابيين المسلمين) وعندما تتجمع هذه الملاحظات الثلاثة بين يدى قارئ الخطابات، فإن نفى علاقة الإرهاب بالعقيدة؛ وهو النفى الذى يتمحور حوله خطاب التبرئة، يصبح نفياً جدلياً وليس مسلَّماً به. أما خطاب التبرئة نفسه فيتحول عندئذ فى عين قارئه إلى مجرد إجراءٍ لإبراء الذمة أو رفع العتب أو عدم تحمّل المسئولية. وبدلاً من أن يُستقبَل خطاب التبرئة استقبال الحقائق، فإنه يصير بمثابة الطلب المقدم فى المعاملات الحكومية لإخلاء الطرف، والذى يتطلب إخضاع الموظف لجرد عهدته.

وحيث إن الأزهر كان له السبق فى توظيف مجاز عقوق الوالدين لتشبيه موقفٍ سياسىٍّ بسلوكٍ اجتماعىٍّ لا أخلاقىٍّ منبوذٍ وممقوتٍ دينياً، فدعونى أشبه خطاب التبرؤ فى هذه الحالة بمشهدٍ سينمائىٍّ تقليدىٍّ يقف فيه الأب وسط الناس متبرِّئاً من ابنه التلفان الفلتان معدوم الرباية، ويبرِّئ ذمته من أفاعيل ذلك الابن الجانح. ففى ذلك المشهد، يبقى تبرؤ الأب من الابن اسمياً فقط، دون تأثيرٍ فعلىٍّ على مجرى الأحداث، لأن قواعد الدراما المحبوكة تعرف مقدار قوة رابطة الدم والأبوة. وهى القواعد الدرامية نفسها التى تقتضى من الأب تقديم هذا الخطاب للمجتمع النابذ لهذا الابن والمستهدَف بجرائمه، وذلك لإبقاء الأب على مكانٍ له فيه، وتضحيةً رمزيةً أو أدبيةً من الأب المُعيَّر بابنه يحفظ بها ماء وجهه ويحافظ على البقية الباقية من شرف العائلة واسمها.

والحال أن التبرؤ بوصفه ممارسةً متعلقةً بالاسم هو أكثر من مجرد تشبيه؛ فالخطابات هذه ما تنفك تدور فى فلك الاسمية. ولنترك توضيح هذا لتدوينة قادمة.

للتواصل مع الكاتب عبر تويتر

اقـرأ أيـضـًا:

جابر العثرات يكتب: مُرورَ الكرام (٤) – المؤامرة واللاهوت

جابر العثرات يكتب: مُرورَ الكرام (٣) – الصياغة ’المرجوشية‘

جابر العثرات يكتب: مرورَ الكرام (٢) – الدولة مجازاً

جابر العثرات يكتب: مُرورَ الكرام (1) ..أدب الحوادث

جابر العثرات يكتب: أنْ تكونَ قارئـاً محنّكاً

 .

تابعونا علي تويتر من هنا

تابعونا علي الفيس بوك من هنا