هناك فرق كبير بين أن تكون موهوبًا كفنان، وأن تكون مقبولًا كنقيب. وقد يملك الإنسان واحدة منهما دون الأخرى وقد يجمعهما معًا، وقد ينجح في مجال من مجالات الفن ولا ينجح بالقدر نفسه في مجال آخر. وهذه في النهاية ليست مشكلة. المشكلة تبدأ عندما نتصور أن النجاح في مجال يمكن أن يمنح صاحبه تلقائيًا الحق في النجاح في كل المجالات.
مصطفى كامل، في رأيي نموذج واضح لهذه الفكرة.
والإنصاف يقتضي أن نعترف أولًا بأن الرجل لم يكن بلا موهبة بالعكس، كان شاطرًا في زمنه وله حضور حقيقي في صناعة الأغنية المصرية، خصوصًا في الكتابة والتلحين وبدأ مشواره الفني في أواخر الثمانينيات، وكتب ولحن لعدد من أعظم المطربين، ونجح في أن يصنع لنفسه اسمًا في مرحلة مهمة من مراحل الأغنية المصرية.
وهذه ليست موهبة صغيرة ولا تاريخًا يمكن اختصاره في تجربة الغناء.
لكن مصطفى كامل لم يكتفِ بذلك وانتقل إلى الغناء وهنا تبدأ بالنسبة لي الحكاية التي تستحق التأمل.
أنا لا أرى مشكلة في أن يجرب الشاعر الغناء أو أن يحلم الملحن بأن يصبح مطربًا. الفن لا يضع لافتة تقول لكل شخص "خليك في مكانك". ومن حق أي إنسان أن يجرب ويغامر ويكتشف نفسه.
لكن هناك فارقًا بين أن تجرب وبين أن تحاول إقناع الناس بأن التجربة نجحت.
وهنا أختلف.
بصراحة أجد مصطفى كامل الشاعر والملحن أكثر إقناعًا بكثير من مصطفى كامل المطرب، وأرى أن رصيده الحقيقي موجود في الأغنية التي كتبها أو لحنها، وليس بالضرورة في الصوت الذي قدم به نفسه للجمهور.
وهذا ليس تجريحًا.
الصوت موهبة لا تخضع للمجاملة. قد يكون الإنسان شاعرًا جيدًا لكن صوته لا يترك الأثر نفسه. وقد يكون ملحنًا ممتازًا ولا يملك أدوات المطرب، وقد يكون مطربًا عظيمًا ولا يستطيع كتابة أغنية واحدة.
الفن لا يشترط أن تكون كامل الأدوات.
بل ربما تكون قيمة الفنان الحقيقية في أن يعرف الأداة التي يجيد استخدامها.
المشكلة أن الشهرة أحيانًا تجعل الإنسان ينسى هذه الحقيقة وكلما نجح في شيء تصور أن النجاح يمكن أن ينتقل معه إلى كل شيء آخر. ومع الوقت، يصبح من الصعب عليه أن يسمع الجملة التي يحتاج كل فنان إلى سماعها في لحظة ما: هنا أنت موفق وهنا لست بالقدر نفسه.
والأصعب أن المنصب قد يزيد هذا الوهم.
مصطفى كامل أصبح نقيبًا للموسيقيين وتولى المنصب بجدية وأصبح بحكم موقعه واحدًا من أكثر الشخصيات حضورًا في المشهد الموسيقي. لكن النقابة والعمل الميداني شيء والفن شيء آخر.
يمكن للمنصب أن يمنحك مسؤولية، وأن يعطيك تأثيرًا وأن يجعلك صاحب قرار، لكنه لا يستطيع أن يمنحك صوتًا أجمل ولا أن يجعل الجمهور يحب ما لا يحبه.
القبول لا يصدر بقرار.
الجمهور لا يملك دفتر تعليمات ولا يعرف أنك نقيب ولا يهتم كثيرًا بتاريخك عندما يسمعك تغني.
الجمهور يسمع ويستمتع فقط ثم يقرر.
وهذه ربما واحدة من أجمل قواعد الفن وأكثرها قسوة في الوقت نفسه.
يمكنك أن تحصل على المنصب بالانتخاب لكن لا يمكنك أن تحصل على القبول بالتصويت، ويمكنك أن تحمل لقب فني كبير لكن اللقب لا يغير أذن وذهن المستمع.
ولهذا ربما كان أجمل ما يمكن أن يفعله الفنان لنفسه أن يعرف أين تكمن قوته الحقيقية، وأن يحترمها بدلًا من أن يبحث دائمًا عن مساحة جديدة يثبت فيها نفسه.
مصطفى كامل لديه تاريخ ولديه تجربة ولديه موهبة حقيقية في الكتابة والتلحين وله حضور نقابي واضح.
كل ذلك يستحق أن يُحسب له.
لكن ليس مطلوبًا من الشاعر أن يكون مطربًا ولا من الملحن أن يكون مغنيًا، ولا من النقيب أن يثبت شيئًا أمام الميكروفون.
وأحيانًا يكون أكثر ما يثبت احترام الفنان لموهبته أن يعرف ببساطة أي باب يفتح له وأي باب يتركه مغلقًا.
الفن والقبول لا يعرفان المناصب والجمهور وحده يملك التقييم والكلمة الأخيرة.