غريزة البقاء لا تفرق بين رجل وامرأة وغني وفقير أو بين متعلم وجاهل، وفي أوقات المحن يظهر الوجه الحقيقي للبشر.
وفي محاولة لتسليط الضوء على الصراع الطبقي والنفسي، تناول الكاتب محمود تيمور ذلك في نصه المسرحي "المخبأ رقم 13"، والذي كتبه في فترة الأربعينيات، وتندرج هذه الحقبة ضمن أدب الحرب العالمية الثانية، والتي تدور أحداثه حول مجموعة من مختلف طبقات المجتمع المصري تجتمع في مخبأ للاحتماء من غارة جوية، ليجدوا أنفسهم محبوسين داخله بعد تهدم المبنى فوقهم.
ومع تزايد النزاعات المسلحة والحروب في العالم، وأبرزها في الوقت الحالي ما بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، خاصة بعد مذكرة التفاهم التي تمهد لهدنة هشة، يُحسب لفرقة مسرح الشباب بقيادة المخرج تامر كرم اختيارها لعرض "ساعة حظ" إخراج حسام التوني، المستوحى من رواية "المخبأ رقم 13".
ويأتي العرض ضمن مشروع "أول ضوء" الذي يتبناه مسرح الشباب لاكتشاف ودعم التجارب المسرحية، ويُعرض على مسرح ملك بمنطقة رمسيس.
بداية خاطفة لم تستمر
يدخل الممثلون فجأة بين الجمهور المنتظر أن يُسمح له بالدخول لقاعة عرض المسرح، وكأن هذه المساحة الضيقة التي يقف فيها الجمهور، هي شارع يسير فيه شخصيات العرض، لنتعرف عليهم قبل أن نراهم على خشبة المسرح، ليصبح الجمهور جزءًا من العرض من البداية، والتي أراها خاطفة وتُوِّجت بالأزياء التي صممتها أميرة صابر، والتي أجادت في اختيار بالتة ألوان وأقمشة وأكسسوارات تتناسب مع الحقبة الزمنية التي تدور فيها أحداث العرض، لتعرفنا على الشخصيات قبل أن نتعرف عليهم أكثر داخل أحداث العمل.
أجاد الممثلون في أن يخطفوا الجمهور في دقائق معدودة في هذه المقدمة، ثم تأتي الغارة، ليقف شاويشٌ على باب قاعة عرض ويُدخِل الجمهور إليها أو إلى المخبأ، ليصبح الجمهور جُزءًا مؤكدًا من العرض، وكنت أتمنى أن يكون السلام الجمهوري قبل بداية دخول الممثلين، لأن العرض من وجهة نظري بدأ منذ أن جعل الجمهور جزءًا من الحكاية قبل دخوله للمسرح.

هذه البداية الخاطفة كانت مؤشرًا جيدًا لأن نرى عرضًا ببناء درامي جيد، خاصة أن العرض بدأ داخل قاعة العرض بأغنية "يا حفيظ يا حفيظ"
يا حفيظ يا حفيظ الموت جالك لملم في بضاعتك وعيالك السما مليانة خيوط من نور مدافع بترش في طلقات الموت بيصفر حوالينا والناس بتقول يا نهار أغبر اهرب انزل أكثر أكثر ديلك في أسنانك لا تفرفر الموت في الحرب ما بينقيش لا بيعرف أصفر من أحمر
نرشح لك: بسبب أزمتها الصحية.. رسالة حنان مطاوع لـ هبة مجدي
والممثلون يدخلون من الصالة صاعدين على خشبة المسرح أمام الجمهور، تأكيدًا على أنهم مع الجمهور داخل المخبأ، لتعرفنا الأغنية على إطار عام للشخصيات.
كانت هذه الأغنية كافية أن نتعرف منها على شخصيات العرض أكثر مع أحداث المسرحية، ولكن لم يوفق أحمد زيدان دراماتورج العرض في كتابته لهذه المعالجة المسرحية المُقدَّمة، وبدأ الملل يتوغل إلى العرض، بداية من مقدمة غير متماسكة، ليخلو العرض في النصف الساعة الأولى منه من الأحداث، لتأتي غارة من جديد تنقذه، ويعود الملل مرة أخرى، من تفكك في الدراما والجمل الحوارية الباهتة وإيقاع العرض الرتيب الذي لم ينقذه مخرجه.
أشعار مُتقَنة وأغنيات مُقحَمة
أتقن الشاعر أحمد زيدان في اختياره للكلمات المُغناة داخل أحداث العرض، ولكن جاءت الأغاني مُقحَمة على العرض، تُحب أن تسمع الكلمة ولكن إن حذفنا هذه الأغنيات لن تتأثر دراما العرض إطلاقًا، بعكس ما كان في عرض "الطاحونة الحمراء" مع أن المخرج والكاتب للأشعار والدراماتورج واحد وكذلك الموسيقى التي ألفها ولحنها زياد هجرس، والذي لم يوفق في اختياره للموسيقى المُغناة ولا للموسيقى التصويرية للعرض، فجاءت باهتة، بتيمة واحدة، خالية من التنوع والتميز الذي اعتدنا عليه في عروضه مثل "الطاحونة الحمراء" و"الزواحف" و"النور"، أما التوزيع لمصطفى حافظ فلم يضف أو يُفقِد الألحان شيئًا، وإن كان تسجيل الاغاني يحتاج الي جودة أفضل بكثير.

ديكور مناسب وإضاءة لم تكمل مهمتها
صمم محمد طلعت ديكورًا يجعلك تشعر أنك بالفعل داخل مخبأ حقيقي، وهذا يُحسب له، فهو ديكور مناسب لفكرة العمل، ولعبت الإضاءة دورًا أساسيًّا في اكتمال الصورة البصرية للعرض في الكشافات المضيئة في الديكور "المخبأ"، ولكن لم تستمر في دورها أن تنصهر مع عناصر العرض وتكمل الصورة البصرية له، فجاءت بعض الألوان المستخدمة في بالتة الإضاءة بلا مدلول... لماذا اللون الأخضر؟! كذلك بؤر إضاءة بلا استخدام.
أزياء مرسومة بالمليمتر ومكياج حقيقي
عندما يُقال "مرسوم بالمليمتر" فهو كناية عن الدقة والاحترافية، وهذا ما يمكن أن إسقاطه على تصاميم أميرة صابر مصممة الأزياء أنها حافظت على شخصيات العرض "مرسومة" على خشبة المسرح، وكأننا أمام تابلوه فني مرسوم بإتقان، خلفيته الديكور، كان يكتمل لو كانت الإضاءة أكملت مهمتها.
أجادت أميرة صابر في اختيارها الموفق لبالتة ألوان وأقمشة وأكسسوارات مناسبة لطبيعة العرض والحقبة الزمنية التي تدور أحداثه فيها، واهتمت بأدق التفاصيل ومنها الرباط القماشي الملفوف على قدم المتسولة العجوز "بسبوسة" والخلخال الرنان الملفت للنظر في قدم "عفاف" والوردة التي في بدلة "شكيب بك".
كذلك جاء المكياج الذي وضعته منى حسين دقيقًا حقيقيًّا، مكملًا للصورة البصرية للعمل.
عفاف وبسبوسة خطفتا عين المتفرج
استطاعت الفنانتان نادين عامر والتي لعبت شخصية عفاف الأرتيست، وهالة محمد التي لعبت شخصية المتسولة العجوز أن يخطفتا عين المتفرج، فقدمتا أداءً تمثيليًّا جيدًا، كنت أراهما بأدائهما الخيطَ الرابط بين الأحداث والجمهور وفكرة أن يظل الجمهور يشعر أنه داخل المخبأ وجزء من الحكاية.
أجادت نادين عامر في تقديمها للشخصية من أداء تمثيلي وحركي وغنائي، كذلك قدمت هالة محمد أداءً محكمًا لكل أبعاد الشخصية التي لعبتها ووصل هذا الأداء للمتفرج بصدق، ومنها صعودها على يديها وقدميها في إحدى المشاهد في محاولة للخروج من المخبأ، ورقصها بشكل يناسب الشخصية التي تقدمها وهي ثملة بعد تناولها للكونياك، والتي اضطرت لشربه هروبًا من العطش.

أما باقي الممثلين ياسر أبو العينين وعادل الحسيني ومحمد مجدي وعلي الباهي ويسري إبراهيم وليلى عبد القادر ومحمد عيسى ومحمد أسامة الهادي ومحمد بغدادي وأحمد جيمي، فكان أداؤهم عاديًّا، كنت أنتظر أداءً أقوى نظرًا لقدراتهم التمثيلية التي ظهرت في أعمال سابقة، أعتقد أنهم كانوا في حاجة إلى تدخل الإخراج ولا يقتصر على مهمة التسكين الجيد للعناصر المسرحية للعمل، الذي يقدمه المخرج حسام التوني بشكل جيد.