يستهل الفيلم رحلته بافتتاحية قوية وآسرة منذ اللحظة الأولى؛ حيث تختطف الأنظار بحركات كاميرا غير اعتيادية وزوايا تصوير مبتكرة. لقد نجح العمل في خلق "هوك" جاذب للمشاهد، يثير ذهوله ويحرك فضوله منذ الثواني الأولى للحدث. وما زاد من ذهولي وإعجابي هو انقسام الأحداث إلى مراحل متتابعة، تدور كل مرحلة منها في بلد مختلف ورحلة مختلفة، مما خلق حالة من الدهشة البصرية وتدفقا إبداعيا متجددا طوال الوقت. وطارحا سؤال الفيلم الرئيسي: ماذا لو كان عدوك هو طوق نجاتك الوحيد؟
ضابط عنيد في مواجهة منظمة إجرامية غامضة تتوغل في كل قارة. مهمة واحدة فاشلة تقلب حياته رأسا على عقب، ليجد نفسه مجبرا على التحالف مع آخر شخص كان يتوقع أن يقف إلى جانبه. رحلة محمومة تتنقل بين مدن العالم، تتشابك فيها الولاءات وتتبدل فيها الأقنعة، وكل من تظنه حليفا قد يكون هو الخطر الحقيقي.
في الشق الإخراجي، تجدر الإشارة أولا إلى الثنائي "عادل العربي وبلال فلاح" -هذان المخرجان، ذو الأصول المغربية- والحقيقة أن من يتابع مسيرة هذا الثنائي يدرك أن "سيفن دوجز" ليس مجرد فيلم أكشن آخر في سجلهما، بل هو النتيجة الطبيعية لخبرة تراكمت عبر إخراج جزأين من واحدة من أشهر سلاسل الأكشن في تاريخ هوليوود: Bad Boys for Life 2020 الذي حقق 426 مليون دولار عالميا وأصبح الأعلى إيرادات في تاريخ السلسلة، ثم Bad Boys: Ride or Die 2024 الذي واصل النجاح بأكثر من 200 مليون دولار. وقد طور الثنائي عبر هذه الرحلة أسلوبا بصريا يقوم على حركة كاميرا لا تتوقف أبدا، تدور حول الممثلين وتقترب من وجوههم ثم تنسحب لتكشف المشهد الأوسع، بأسلوب مدير التصوير روبريخت هايفارت الذي يجعل الكاميرا نفسها شخصية داخل الحدث. كما ابتكرا في "باد بويز" تقنية الـ SnorriCam التي يحمل فيها الممثل الكاميرا على صدره ويصور نفسه أثناء مشاهد الأكشن، وهي التقنية ذاتها التي تطورت في "سيفن دوجز" إلى لقطات الـ 360 درجة، والتي شكلت بلا شك تحديا استثنائيا لأحمد عز وكريم عبد العزيز. إن ما يميز العربي وفلاح حقا هو قدرتهما على المزج بين الطاقة الخام للأكشن الهوليوودي وبين لمسة شخصية تجعل كل فيلم يحمل بصمتهما الخاصة، وهو بالضبط ما نقل "سيفن دوجز" من كونه فيلما عربيا ضخم الميزانية إلى تجربة سينمائية تنافس على المستوى الدولي بجدارة.
بالنسبة لي، كان الإنتاج والمونتاج العنصرين الأقوى في التجربة. فالإنتاج السخي الذي قدمه المستشار تركي آل الشيخ للفيلم ولحملته الدعائية حطم أرقاما قياسية حتى قبل طرح الفيلم في دور العرض. وأعتقد أن هذا العمل سيجذب قطاعا واسعا من الجمهور لأنه يتبنى صيغة الأفلام والسلاسل الأجنبية التي أحببناها، لكنه يقدمها بصبغة عربية وعلى أرضنا، بل وبشكل أكثر سخاء ونضجا. بلا شك، ساهمت جهود المستشار تركي آل الشيخ في اختصار طريق الوصول إلى العالمية، بدءا من الدعم الإنتاجي الضخم، وصولا إلى استقطاب ممثلين عالميين للمشاركة في فيلم مصري عربي. هذا الأمر يرفع سقف توقعاتي كمشاهد، فلن أرضى بأقل من هذا المستوى مستقبلا.
أما على صعيد المونتاج، فقد ذكرني الإيقاع كثيرا بفيلم مثل Requiem for a Dream لقد جعل المونتير بيتر سميت إيقاع الفيلم سلسا للغاية، كما أن دمج أجزاء "الأنيميشن" نقل العمل إلى مرحلة أخرى من القوة والإبداع. يبرع سميت هنا لأنه يدرك تماما أدواته ويعمل مع مخرجين اعتاد على التناغم معهم. وهذا ما قد يغفله الكثيرون في الصناعة: أهمية الكيمياء بين فريق العمل، والتي أرى أنها تمثل 40% من عوامل نجاح أي مشروع. لقد خلق المونتاج السريع دهشة بصرية، وحتى الشاشة المقسومة لم تأتِ بشكلها التقليدي، بل كانت مبتكرة لأقصى الحدود. ومع ذلك، شعرت في مواضع معينة أن المونتاج شابه بعض المبالغة، مما جعله غير مريح للعين في لحظات خاطفة.
ولعل ما يرسخ مكانة هذا الفيلم في ذاكرة السينما العربية والعالمية هو دخوله موسوعة جينيس للأرقام القياسية بتسجيل رقمين عالميين: أضخم انفجار سينمائي في تاريخ الفن السابع، واللافت أن كل ذلك نفذ بمؤثرات عملية حقيقية دون الاعتماد على الرسوم الحاسوبية، وهو إنجاز تقني يؤكد أن السينما العربية قادرة على مجاراة أكبر الاستوديوهات حين تتوفر الإرادة والإمكانيات. يضاف إلى ذلك أن الفيلم صُور بالكامل في استوديوهات "الحصن" (Big Time) بالرياض ومنطقة بوليفارد سيتي التي حُولت لتحاكي مدنا عالمية كمومباي وشنغهاي، وهو ما يعكس بنية تحتية سينمائية سعودية باتت تنافس على المستوى الدولي.
كما أن توزيع الفيلم على أكثر من 26 ألف شاشة حول العالم، والاستعانة بفريق فني دولي منهم فريق الحركة المسؤول عن سلسلة John Wick، كل ذلك يؤكد أن المشروع لم يكن مجرد فيلم ضخم الميزانية بأربعين مليون دولار، بل رؤية متكاملة لتقديم السينما العربية بمعايير هوليوودية لا تقبل المساومة. ويكفي أن العرض الخاص الذي أقيم في القاهرة شهد حضور نجوم عالميين من أمثال جيسون ستاثام ومارتن لورنس وماكس هوانج، وهو ما يعكس الاهتمام الدولي الحقيقي بهذا المشروع العربي الطموح.
كيمياء النجوم: ذوبان عز في الشخصية واستعادة روح كريم "القديم"
وبالحديث عن الكيمياء، لا يمكنني إغفال الثنائية المفضلة في الوطن العربي: النجمان المصريان أحمد عز وكريم عبد العزيز. إن التناغم بينهما، وخفة ظلهما، وحضورهما الطاغي (الكاريزما) عناصر لا غنى عنها. قدم كريم عبد العزيز دورا جديدا عليه تماما بمنتهى السلاسة والاحترافية، واستحضرت خلال مشاهدته روح كريم القديم الذي أمتعنا في محطة مصر وأبو علي. وعلى الجانب الآخر، ورغم أن أحمد عز قدم دورا قد يشبه بعض أدواره السابقة من حيث النمط، إلا أن ما يميزه دائما هو تخليه الكامل عن عباءة النجم أثناء الأداء؛ فهو يذهب إلى الدور، يدرسه، ويتماهى معه, دون أن يطوع الشخصية لخدمة نجوميته، وهي احترافية رهيبة لممثل في مكانته السينمائية.
يظل السيناريو بالنسبة لي هو العنصر الذي لا ينال حقه الكافي من التقدير عادة. في هذا الفيلم، أرى أن الكاتب محمد الدباح يحاول التفوق على فيلمه السابق سيكو سيكو بتقديم عمل مختلف تماما وينتمي لنوعية مغايرة، لكن مع الحفاظ على ذات الإثارة التي تميز نصوصه.
وقع السيناريو في بعض كليشيهات أفلام الحركة المعتادة (مثل فكرة البطل الذي لا يموت وتكرارها)، ومر ببعض الحبكات الفرعية التي لم تشبع دراميا بشكل كاف، إلا أن هناك سلاسة وبساطة جميلة في السرد. القصة في حد ذاتها بسيطة للغاية لكنها محبوكة جيدا، وهذا هو موطن تميزها. بالطبع، كانت لمسة الحس الفكاهي المصري نقطة جوهرية من المهم أن يراها الغرب في أعمالنا، وقد أبرزها الدباح ببراعة وبساطة شديدة، لكن كان ينقص ايضا هذا النص نقاط التقاط الأنفاس والراحة في الفيلم، وتحديدا في الفصلين الأول والثاني.
في النهاية، تحسب لكل القائمين على هذا العمل لتقديمهم تجربة متكاملة؛ بدءا من الفكرة وصياغتها من المستشار تركي آل الشيخ، مرورا بكتابة محمد الدباح الرشيقة، وتنفيذ عادل العربي وبلال فلاح، وإخراجها مره أخري داخل غرفة المونتاج بيد بيتر سميت.
ختاما، قد لا تكون كل الكلاب أوفياء، لكن حين يجتمع صناع بهذا الشغف وكيمياء بهذا التناغم، يصبح فيلم سيفن دوجز الوفيّ الوحيد الذي لا يخون توقعاتك.