استضاف مهرجان منصات للأفلام، يوم الجمعة 22 مايو، ندوة "بين الحرية والرعاية: من يحمي الممثل؟" في سينما زاوية، ضمن فعاليات دورته العاشرة المقامة تحت ثيمة "بين شطين وميه".
فتحت الندوة نقاشًا حول حماية الممثلين والممثلات داخل بيئات العمل الفنية، وكيفية التعامل مع الحميمية والهشاشة والسلامة النفسية والجسدية أثناء صناعة الأفلام والأعمال الأدائية.

أدارت الندوة صانعة الأفلام ومنسقة المشاهد الحميمية سندس شبايك بمشاركة الفنانة كريمة منصور، مؤسسة معت للرقص المعاصر، والمخرجة والكاتبة نهى عادل، والفنانة يسرا اللوزي.
جمعت الندوة خبرات من السينما والتلفزيون والمسرح والرقص والعمل الثقافي، وتناولت العلاقة المعقدة بين حرية الإبداع من جهة، والحاجة إلى ممارسات أكثر رعاية وأمانا داخل مواقع التصوير والبروفات من جهة أخرى

جاءت الندوة في اليوم التالي للجلسة العامة التي دشنت برنامج "مساحات الأمان في الفن والسينما"، وهو برنامج تدريبي من المقرر انعقاده في نهاية 2026 ، ويتناول أمان الفنانين والفنانات، والتراضي، والصحة النفسية داخل بيئات العمل الإبداعي.
نرشح لك: الأمين العام المساعد لنقابة الأطباء يوضح أسعار الكشف بالعيادات الخاصة
قدمت الجلسة العامة مدخلًا إلى الأفكار التي سيطورها البرنامج التدريبي الكامل لاحقًا، بينما وسعت الندوة النقاش عبر تجارب عملية من السينما والتلفزيون والرقص، متوقفة عند أدوار منسقي ومنسقات المشاهد الحميمية والحساسة والدعم النفسي، وسبل مواءمة هذه المقاربات مع واقع الصناعة المحلية، بما يسهم في بناء بينات عمل أكثر صحة وتعاونًا.

وانطلق الحوار أثناء الندوة من واقع تتزايد فيه عالميًا النقاشات حول التراضي والحدود الشخصية والصحة النفسية في الصناعات الفنية، بينما لا تزال هذه الأسئلة في كثير من السياقات المحلية والإقليمية محاطة بسوء الفهم أو التخوف وبدلًا من وضع الرعاية في مواجهة حرية الإبداع ركزت الندوة على ممارسات فعلية قابلة للتطبيق من داخل بيئات العمل نفسها، تحفظ الثقة والكرامة والتعاون، وتدعم قدرة الفنانين والفنانات على تقديم أعمال صعبة ومركبة دون المساس بسلامتهم.
وتوقفت "شبايك"، في تقديمها للنقاش عند غياب هذه القضايا إلى حد كبير عن البنى التدريبية وآليات العمل في المنطقة، رغم أن بعض الفنانين والفنانات يطورون يوميًا ممارسات غير رسمية للرعاية والاستدامة داخل المهنة. وتحركت أسئلة الندوة بين ثلاثة محاور واقع العمل مع الهشاشة والمشاهد الحساسة، والممارسات الموجودة بالفعل داخل بعض بيئات العمل، وما يحتاج إلى تغيير على مستوى الثقافة المهنية والإنتاجية.

وخلال الندوة، توقفت يسرا اللوزي عند الأثر الممتد لظروف العمل داخل مواقع التصوير على الممثلين والعاملين في الصناعة، قائلة: "تزداد ظروف التصوير صعوبة عاما بعد عام، كما يزداد الضغط وعدد ساعات العمل. وكل من يعمل في موقع التصوير يدفع لاحقًا ثمنًا باهظًا من صحته النفسية، حتى إن لم نكن نرى ذلك الآن".
وناقشت "اللوزي" كذلك السلطة التي يمتلكها المخرج في خلق بيئة آمنة أو مرهقة للممثل، وكيف تؤثر ضغوط الإنتاج واعتبارات السوق على قدرة الممثلين على الاعتراض أو إعادة التفاوض بعد بدء العمل.

كما أشارت إلى أن بعض التجارب الإخراجية قادرة على خلق مساحة يشعر فيها الممثل بأنه يُعامل كإنسان، خاصة عندما يتعامل فريق العمل بوعي مع الموضوعات الحساسة، ويفتح مجالًا للتحضير والنقاش قبل الدخول إلى المشاهد الصعبة. وفي هذا السياق، عاد النقاش أكثر من مرة إلى فكرة أن حماية الممثل لا تنتقص من قوة الأداء، بل قد تكون شرطا للوصول إلى أداء أكثر صدقا واستدامة.
من جانبها، استحضرت نهى عادل تجربتها في العمل على فيلم "دخل الربيع يضحك" عام 2024، الذي اعتمد على مجموعة كبيرة من الممثلين غير المحترفين، مشيرة إلى أهمية بناء الثقة والتحضير قبل التصوير.
قالت: "فوجئت في اليوم التالي للتصوير بأن بعض الممثلين يتصلون بي وهم في حالة انهيار. استدعاء هذه المشاعر أمر شديد الصعوبة ويؤثر كثيرًا على الإنسان لذلك لا بد من إيجاد طريقة تساعد الممثل على فهم مشاعره والتعامل معها وحماية نفسه".

وتناولت "عادل" أهمية البروفات والوضوح والتواصل المسبق، لا بوصفها رفاهية إنتاجية، بل كجزء من بناء مساحة يشعر فيها الممثل بأنه شريك في المشروع لا مجرد أداة لتنفيذ المشهد. وطرحت تجربتها مثالًا على أن الرعاية لا تحتاج بالضرورة إلى ميزانيات ضخمة، بل تبدأ أحيانًا من الوقت المخصص للتحضير، والاستماع، وتعديل ظروف العمل كلما أمكن عندما يمر الممثلون أو فريق العمل بصعوبات شخصية أو نفسية.
أما كريمة منصور، فانطلقت من خبرتها الطويلة في الرقص المعاصر، حيث يعامل الجسد بوصفه أداة فنية تحتاج إلى تدريب وحماية ووعي مستمر، لتقارن بين ممارسات أكثر انتظاما في مجال الرقص وما واجهته لاحقًا في السينما والتلفزيون. وتحدثت عن أهمية البروفات والوعي الجسدي والانضباط، مشيرةً إلى أن غياب هذه الممارسات في بعض مواقع التصوير قد يجعل الممثل أكثر عرضة للإرهاق والارتباك وفقدان الثقة.
وأكدت "منصور" أن الثقة بين الممثل والمخرج تصنع فارقًا حقيقيًا في الأداء، مضيفة: "عندما يشعر الممثل بأن المخرج يقف إلى جانبه، يستطيع أن يسلم نفسه للعمل".

وطرحت منصور ما يمكن أن تتعلمه السينما من ممارسات الأداء الحركي خاصةً فيما يتعلق بالتحضير، واحترام الجسد، وخلق بنية تسمح بحرية أكبر لا أقل.
وتناول النقاش أيضا التصورات التي تربط بين إنهاك الممثل نفسيا وقوة الأداء. وعلقت "شبايك" على ذلك قائلة: "هناك اعتقاد خاطئ لدى بعض المخرجين بأن الضغط على الممثل، أو تعريضه للإهانة، أو استدعاء ذكريات صعبة لديه، يساعده على إظهار مشاعره في المشهد، من دون النظر إلى أثر ذلك عليه". مشيرةً إلى أن ساعات العمل قد تصل أحيانًا إلى 36 ساعة تصوير، وللأسف لا يهتم المنتجون غالبًا بتوفير دعم يتعامل مع الأثر النفسي لهذا الضغط.

وقدمت الندوة، في مجملها، مقاربة عملية لحماية الممثل باعتبارها مسؤولية جماعية لا تقع على فرد واحد، بل تتشكل من خلال وعي فريق العمل، ووضوح التوقعات، واحترام الحدود، وتوفير مساحات آمنة للتواصل قبل التصوير وأثناءه. وبدلًا من وضع الرعاية في مواجهة حرية الإبداع طرحت المشاركات فكرة أن التنظيم والتحضير والاحترام تمنح الممثلين والممثلات قدرة أكبر على المخاطرة الفنية داخل مساحة أكثر ثقةً وأمانًا.
جاءت ندوة "بين الحرية والرعاية من يحمى الممثل؟" ضمن اهتمام الدورة العاشرة من منصات بتوسيع النقاش حول ما يحدث خلف الكاميرا، ليس فقط على مستوى الإنتاج، بل أيضًا على مستوى العلاقات، والعمل العاطفي، والجهد غير المرئي الذي يسبق ظهور العمل الفني في صورته النهائية. ومن خلال هذه الندوة، واصل المهرجان فتح مساحات للتفكير في طرق أكثر وعيا واستدامة لصناعة الفن، تجمع بين الجرأة الإبداعية واحترام الإنسان في قلب العملية الفنية.

وتواصلت فعاليات مهرجان منصات للأفلام في وسط القاهرة بين سينما زاوية والفاكتوري ومركز دوار للفنون عبر برنامج ضم عروضا سينمائية وورشا، وقراءات حية وجلسات نقاشية ومعارض وتجارب متعددة التخصصات.
يُذكر أن مهرجان منصات للأفلام، الذي تقدمه مؤسسة مصر دوت بكرة لتنمية المهارات هو مهرجان مصري سنوي للأفلام القصيرة، يسعى منذ انطلاقه عام 2015 إلى دعم صناع وصانعات الأفلام المصريين، وتوسيع فرص الوصول إلى الفنون، وبناء مساحة جامعة تحتفي بالسينما والأصوات الجديدة والمجددة. وتعد مصر دوت بكرة لتنمية المهارات مؤسسة مصرية غير ربحية تأسست عام 2013، وتركز على تطوير القدرات والرؤى، وخلق مساحات للتواصل والتعاون في مجالات التنمية الشخصية والمجتمعية عبر أدوات رقمية واجتماعية وإعلامية وأنشطة ميدانية في مختلف أنحاء مصر.