د.محمد فياض يكتب: "فاميلي بيزنس" اقتباس لا يليق بـ محمد سعد

أنا أحب محمد سعد، بل ومن الغريب أنني أشعر بالغيرة عليه، الغيرة إذا لم يتصدر شباك التذاكر كما كانت صنعته دائمًا، الغيرة من الغياب أو التواري، خبر تعاقد محمد سعد لتصوير فيلم أو مسلسل هو خبر عظيم لي ومقلق أيضًا، وأزعم أن جيلي وأجيال سابقة ولاحقة تحب محمد سعد.

كتبت عنه في كتابي الأخير "كل الطرق لا تؤدي لشارع التسعين" التالي: ننظر مثلًا لمحمد سعد على أنه الابن الضال المحبوب الذي يحق له أن يمارس كل أنواع الدلع، يحق له أن يمارس الكوميديا غير المضحكة، كلما يحبطنا محمد سعد أذهب لمشاهدة فيديو له وهو يقوم بأداء مقطع من هاملت قائمًا بدور كاسيوس متحدثًا عن قيصر ليطرب قلبي بفنان حقيقي موهوب حريف أضاع اللمبي -التجربة العظيمة والفارقة في تاريخ السينما المصرية المعاصرة- بوصلته، وظل محبوسًا في هذه الدائرة، ولكنه يخرج في بعض الأوقات خروج الفاتحين مثلما خرج في فيلم الكنز، ولذلك نتركه يقوم بدور الابن المدلل الدلوع في فتات الطيش؛ لأنه يعود لنا مرات أخرى ليبهجنا كحريف حقيقي مثل كل حريفة مصر".

المؤكد أن محمد سعد قطعة ذهبية في تاريخ الفن المصري، ولذلك ذهبت سريعًا لمشاهدة فيلمه الأخير "فاميلي بيزنس". الفيلم لطيف، لا يخلو من مواضع للإثارة، ولا يمكن أن تشعر خلاله بالملل، محمد سعد هو محمد سعد مشخصاتي قدير، أبدع في مساحات الإبداع التي سمح بها الدور، والغريب أنها أيضًا لحظات الدراما، نجح الجميع في الاختبار، أبطال العمل مختارون بعناية، غادة عادل الجميلة خفيفة الظل محبوبة الكاميرا، تملك ناصية الكوميديا والدراما، هيدي كرم التي تتجلى كهوانم جاردن سيتي، دنيا سامي، ومحمود عبد المغني، وأحمد الرافعي الرائع دائمًا والمبرهن على أن أرض مصر لا تنضب من الفن والفنانين، وأسامة الهادي، وقبل كل هذا مخرج مبدع بحجم وائل إحسان، وظف القدرات الفنية للفنانين واستنطق ما لم ينجح أحد من قبل أن يستنطق ما لديهم من ملكات فنية ومساحات إبداعية، وخصوصًا دنيا سامي صاحبة الوجه المصري الجميل، فاكتشف فيها مخزونًا دراميًا يمكن لها أن تنطلق من خلاله إلى آفاق واسعة.

حضر الجميع حضورًا مشرفًا، وحصل الجميع على علامات كاملة أو شبه كاملة... إلا التأليف الذي لم يقم بأي دور يُذكر سوى الاقتباس الفج والمباشر، اللهم إلا تغيير النهاية لتصبح سعيدة نسبيًا أو نهاية مصرية تليق بفيلم من أفلام العيد.

أما عن أصل الفيلم فهو مقتبس حرفيًا من فيلم Parasite، فيلم كوميديا سوداء وإثارة ودراما من كوريا الجنوبية إنتاج 2019، في واقع الأمر فإن ورشة كتابة الفيلم قد جنت على العمل بكتابة فعل "تأليف"، فهم بالفعل لم يؤلفوا شيئًا، حتى السيناريو، حتى أبسط التفاصيل الدرامية، التأليف بالفعل لم يفعل شيئًا، وهنا تكمن المأساة، مأساة محمد سعد العظيم، لا يليق أن يُخذل محمد سعد بنص مقتبس دون أي إبداع، محمد سعد قطعة من الذهب لم يتم استثمارها حتى الآن، ورغم كل شيء فقد أبدع.. نعم.. أبدع بامتياز، وكان فنانًا حقيقيًا بأن ترك مساحات للمشاركين.. لم يستأثر بإفيه أو يحاول سلب الكاميرا، بل كان كأستاذ حقيقي يمنح الفرصة كاملة.

ومحمد سعد المشخصاتي الحقيقي يضحكك ويبكيك في آن واحد.. هل أعترف أنني بكيت في لحظات درامية في فيلم تصنيفه كوميدي.. نعم بكيت، توصيف محمد سعد للخوف الكامن المرتبط بالطبقة هو ما كتبت عنه في كتابي شارع التسعين أننا طبقات مسكونة بالخوف، أبدع محمد سعد عندما قدم أداء الأب الخائف، الأب العاجز، الأب المتطلع للتحرر من الطبقة.

الفيلم أيضًا قدم سؤال الحق في حياة كريمة، الحق في حياة حلال، الحق بأن يحيا الموهوبون وأن يأخذوا فرصة، بعيدًا عن الشلة والأوساط اللامعة، وهو ما كتبته سابقًا في كتابي المذكور تحت عنوان: الحريف والمدفونون على قيد الحياة.. وهي معادلة الموهبة مع الكبت مع ضيق المدى مع القهر مع الألم المكتوم.

الفيلم الأصلي هو فيلم عظيم.. MASTERPIECE قطعة فنية أصيلة لا تُقلد، والفيلم المُقلد عظيم بأبطاله.. عظيم بمحمد سعد.. عظيم بمخرجه.. مخذول بكتابه.. الفكرة والإشكالية والطبقة والأداء والرسالة كانت تحتاج كتابة أصلية تليق بهؤلاء النجوم، فالكتابة لمحمد سعد مسؤولية كبيرة، وكنز، كنز حقيقي.