استطاع الفائز بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان، المخرج “سامح علاء”، في أول عمل درامي له، أن يصنع عملًا إبداعيًا أظهر فيه بصمته الدرامية، من خلال سيناريو محكم كتبه “عمار صبري”، وعالجه دراميًا “محمد إسماعيل أمين”.
ولأن القصة معروفة إعلاميا "قضية عزيزة بنت ابليس" فتم السرد من خلال الحالة النفسية التي يمر بها الأبطال وانعكاسها على سلوكهم وتم بناء ذلك من خلال رسم شخصيات بعمق نفسي وكاميرا مخرج تبرز ذلك العمق.
انتقام "نرجس" من المجتمع
تحوّل دافع نرجس “ريهام عبد الغفور” للجريمة من عدم الإنجاب إلى الانتقام من أمها والمجتمع الذي سبّب لها ضغطًا شديدًا، كونها عاقرًا لا تنجب. لذلك قررت أن تسلك دربها في عالم الجريمة، والانتقام من كل أم في هذا المجتمع، انتقامًا لما تسبب لها في أذى نفسي عميق. وتم استغلال هذا الدافع من قبل زوج هدى ”بسنت ابو باشا"، سعد “تامر نبيل”، ليحقق ضالته بها. فإن كان دافعها مقتصرًا على الإنجاب لاكتفت بـ”يوسف”، لكن جاء خطف “يونس” رغم المخاطرة، في دلالة على رغبتها في الانتقام. لذلك أبت، حتى الرمق الأخير، أن تعترف بجريمتها كاملة وتفصح عن اهل "يوسف"، مُفضِّلةً الموت على الانحناء للمجتمع الذي رفضها.
تجسيد "ريهام عبد الغفور" لدور "نرجس"
تحدّي “ريهام عبد الغفور” في هذا الدور هو ملامحها البريئة، التي من الصعب توظيفها في دور مجرمة. ولأن الدور كُتب انطلاقًا من صفة العجز المحرِّكة لدوافعها الإجرامية، فقد استخدمت تعابير وجهها في تحوّلات حالاتها النفسية المضطربة، فبدا عجزها ظلًّا نراه حتى في أعمق لحظات الجريمة. وهذه الصفات المتناقضة وظّفتها “ريهام عبد الغفور” بشكل إبداعي، حين يتحوّل وجهها البريء إلى وجه يفزع منه المشاهدون.
السِمَة الأساسية لنرجس وعوني "العجز"
استغلّت “نرجس” عجز عوني “حمزة العيلي”، الذي عانى منه طوال حياته منذ الصغر، حينما تم بتر قدمه، فأصبح يُشفَق عليه من قبل أمه وأخيه الأكبر، حتى كبر وبات شابًا، وظلّا متحكِّمَين في أمور حياته التي تتم على غير إرادته. فأصبح عاجزًا معنويًا كما هو عاجز بدنيًا، ما جعله يشعر بالنقص طوال حياته، مما سهّل على “نرجس” استغلال تلك النقطة لاصطياده كوسيلة في مهمتها الإجرامية، وتعويض عجزها أمام المجتمع بأنها عاقر.
وتجلّى ذلك المعنى في الحلقة الثالثة عشرة، حينما أدرك “عوني” استغلاله، فقام بتحطيم قدمه الصناعية التي أهدتها له “نرجس”، ليُحاكَم بعكاز، وينطق بالحق أخيرًا.
سر تميز "حمزة العيلي"
ما يميّز “حمزة العيلي” أنه سهل التشكيل؛ فإن وضعته في أي دور، أدّاه كما لو أنه بارع في هذا النوع فقط، تراجيديًّا كان أو كوميديًّا، لذلك يصعب تصنيفه. كذلك يستطيع أن يُضحكك في أجواء درامية مشحونة دون أن يفقدك الإيقاع.
مرآة "نرجس" في المجتمع
ربما جاء دور دنيا ماهر “منال” لتكون مرآة لـ”نرجس”، التي تعرّضت لضغوط مجتمعية وتنمّر من الأم نفسها بسبب إنجابها للبنات فقط، في مجتمع يُقيّم المرأة على أساس زواجها، وقدرتها على الإنجاب، ونوع المولود الذي تلده. لكنها، رغم الضغوط التي تحيط بها، لم تنجرف إلى الجريمة مثل أختيها “نرجس” و”هدى”.
أدوات سامح علاء للإبداع
استطاع “سامح علاء” خلق حالة “الإيهام بالواقع” باستخدامه عدة عناصر، جعلتنا نشعر أننا داخل عالم حقيقي لا مصنوع؛ فعندما نتابع، نشعر بما يحدث وكأننا داخل هذا العالم. وكان من أبرز العناصر التي استخدمها أماكن التصوير، والألوان المستخدمة، مثل اللون الأصفر الذي طغى على أحداث المسلسل، دلالةً على الواقعية الشديدة.
ومن اللافت أيضًا استخدام الكادرات الضيقة لوجوه الممثلين، ثم الاتساع للعالم الخارجي؛ وذلك ليشعر المشاهد بالحالة النفسية التي يمر بها البطل. وبرزت هذه التقنية في مشهد عزاء أم جمال “عارفة عبد الرسول”، في لقطة وجه مقرّبة لـ”ريهام عبد الغفور”، ممتزجة مع موسيقى “تامر كروان” المميزة، عبّرت عن تحوّل “نرجس” إلى قاتلة تتلقى عزاء قتيلتها.
ومرة أخرى، حينما سألها “يوسف” عن أخٍ له، لنقرأ ما تفكّر به “نرجس”، ونشاهد عينها اليسرى تفكّر كشيطان، واليمني تُشفق على “يوسف” الذي يتمنى أخًا له. وقد ظهر هذا المعنى في كادر مقرب لوجه “ريهام عبد الغفور” في هذا المشهد، للتعبير عن ثنائية العجز والأنانية في شخصيتها.
في النهاية، نستطيع القول إن حالة التفاعل مع العمل الواضحة تدل على أن الجمهور يمنح ثقته لمن يحترمه، ويصنع له عملًا يقدّر عقله، مثل “حكاية نرجس”.