مينا محب يكتب: "أب ولكن".. عندما تتحول دقائق الرؤية إلى مأساة على الشاشة

كثير من الأزواج يظنون أن الطلاق يحل مشكلاتهم ويمنحهم حياة مستقرة، متجاهلين أن الضحايا الحقيقيين هم الأبناء، فتتحول الأبوة والأمومة إلى شبكة معقدة من المشاعر والحقوق والاتهامات.


 وللتعامل مع هذه الإشكالية، وضعت القوانين نصوصًا تنظم النزاعات وتحمي حقوق الجميع، وعلى رأسهم الطفل،ومن بين هذه النصوص يأتي قانون الرؤية،الذي يتحوّل إلى أداة خطيرة اذا وقع سيدة غير أمينة أو مخادعة تستخدمه للضغط على الأب، للسيطرة عليه وإذلاله، فالمشكلة ليست في القانون بل في من يستخدمه.


فكما أن هناك سيدات كثيرات يقعن ضحايا لرجال يتلاعبون بالقانون ولا يعرفون معنى المودة والرحمة، توجد أيضًا حالات تستغل فيها الأم الحاضنة القانون كوسيلة ضغط أو انتقام؛ كعدم الالتزام بمواعيد الرؤية، أو رفع دعاوى مثل تبديد المنقولات لتحجيم الأب وإبعاده عن أبنائه. فيتحول القانون من وسيلة لحماية الطفل إلى أداة صراع شخصية.

في هذا السياق، يبرز مسلسل أب ولكن ليحول دقائق الرؤية المحدودة إلى مأساة إنسانية على الشاشة،ويضع المشاهد أمام سؤال صادم: هل يكفي القانون وحده لحماية الأبوة والأمومة، أم يحتاج المجتمع والفن إلى إعادة تفسيره ومواجهته؟.

البناء الدرامي والسرد: تداعيات القيود القانونية على الأبوة

نجح السيناريو في الحلقات الأولى من "أب ولكن" في رسم الصراع بوضوح، واضعًا الشخصية المكلومة في معركة مستمرة لرؤية ابنته وممارسه دوره كأب، بفضل جودة الكتابة وتوازن الطرح لقضية حساسة تتعلق بأزمة الرؤية بعد الانفصال.

البناء الدرامي هنا يعتمد على التصاعد التدريجي للاحداث وايقاع بطيء ، اكثر أكثر من الاعتماد على المفاجآت أو الصدمات السردية، لتجعل المشاهد يعيش الألم بدل أن يكتفي بمشاهدته، فالعمل يسلط الضوء على التوتر الداخلي للشخصية الرئيسية، مع إبراز التفاصيل اليومية للنزاعات حول النفقة، ومواقف الأم المتكررة، وأزمات الطفلة التي تعكس أثر الصراع على جميع الأطراف. بهذا الأسلوب، يتحول العرض من مجرد أزمة أسرية بعد الطلاق إلى استكشاف نقدي أوسع للأسئلة الاجتماعية: كيف تؤثر القيود القانونية على العلاقة بين الأب وابنته، وما هو الثمن النفسي لهذه الدقائق المحدودة التي يحددها القانون؟

الشخصيات والأداء التمثيلي: محركات الصراع الدرامي

يمنح مسلسل "أب ولكن" الشخصيات دورًا محوريًا في تحريك الأحداث، حيث تلعب كل شخصية دورها في تصاعد الصراع أو تخفيفه. محور العمل هو أدهم، الأب المكلوم الذي يحاول التكيف مع القيود القانونية والضغوط لاستعادة دوره الطبيعي في حياة ابنته، وعلى النقيض نبيلة، طليقته الانتهازية التي توظف القانون والضغط النفسي لتحقيق مصالحها المادية، مدعومة بأمها ومحاميها.

وبعيدًا عن أطراف النزاع، تظهر شخصيات أخرى مثل ميس مريم التي تحاول تهدئة الأزمة وفتح منفذ للحل، والطفلة التي لها خيالها ووجهة نظرها الخاصة في فهم الأمور لمقاومة الضغوط وصراعات الكبار؛ ففي مشهد تعنيف الجدة لها تتخيلها كشريرة في أفلام ديزني وتضحك باستخفاف. ومن خلال هذه الزوايا المتعددة للشخصيات تتشكل حركة الحكاية وتتطور الأحداث، كاشفة تدريجيًا عمق الأزمة الإنسانية التي يقوم عليها العمل.

على مستوى الأداء التمثيلي

نجد أن الممثلون يؤدون أدوارهم لخدمة الحدث الدرامي بواقعية شديدة دون افتعال، فينجحون في إقناع المشاهد بأن الألم الذي يراه ليس تمثيلًا بل إحساسًا حقيقيًا، حتى يصل التأثير إلى درجة تجعل قلب المشاهد ينفطر. أما المشكلة فتكمن في أن هاجر أحمد بدت غير قادرة على تجسيد أبعاد شخصيتها بالكامل، بينما سيطرت ركين سعد على شخصيتها وقدمت أداءً مؤثرًا رغم الصعوبة في ضبط اللهجة الصعيدية.

لكن ربان السفينة، الذي يقع على كاهله نجاح العمل، هو محمد فراج، الذي أجاد تجسيد الأب المأزوم نفسياً والمنكسر دون مبالغة ميلودرامية، معتمدًا على الأداء الهادئ والنظرات الثقيلة، تاركًا ملامحه تحمل عبء الشخصية بدل الانفجار العاطفي.

الإخراج والصورة على الشاشة

استطاعت المخرجة ياسمين أحمد كامل أن تجعل الصورة تتجاوز كونها مجرد مشهد بصري، لتصبح وسيطًا ينقل المشاعر الإنسانية والصراعات الداخلية للشخصيات بشكل مباشر وواقعي إلى المتلقي، مع إبراز التفاصيل اليومية التي تشكل جوهر الأزمة. حتى لو كان إيقاع بعض المشاهد بطيئًا، فإنه يخدم تصعيد التوتر النفسي والضغوط القانونية والاجتماعية. وأضفت ياسمين لمسات إبداعية بارزة، أبرزها الاقتراب من خيال الطفلة نور داخل السرد البصري، وهو أسلوب غير مألوف في الدراما الاجتماعية، بالإضافة إلى استخدام الأغاني داخل المشهد، مثل لحظة خطف الطفلة من المدرسة، لإدخال عنصر إيقاعي خفيف، بعيدا عن التوتر الواقعي وحده.

فيما يتعلق بالإضاءة وزوايا التصوير يعتمد العمل على زوايا تصوير في مستوى العين تعكس التوتر الداخلي للشخصيات، مع حركة كاميرا ثابتة أو بطيئة تزيد من واقعية الصراع النفسي. اما الإضاءة طبيعية مع لمسات باردة في المشاهد المتوترة، واللقطات المقربة والمتوسطة تنقل الشعور الكامن وراء الأحداث، مما يجعل كل تفصيل يومي وتجربة عاطفية ملموسة على الشاشة، بما يعكس رؤية المخرجة في تقديم مأساة الرؤية المحدودة للأب بشكل مركز وواضح.

الإيقاع الموسيقي : والتعبير عن مأساة الأب

الموسيقى، بقيادة إيهاب عبد الواحد، تعتمد على مفارقة بين تتر البداية الصاخب بأغنية "أنا موجود" لــ مدحت صالح الذي يعكس صرخة الأب وتمسكه بدوره، وتتر النهاية الهادئ الذي يترك مساحة للتأمل واستبطان آثار الصراع النفسي، لتخلق توازنًا صوتيًا يعكس انتقال الدراما من إعلان الصراع إلى استبطان آثاره الداخلية.

أما المونتاج يعتمد على تصاعد تدريجي للأحداث مع انتقال سلس بين النزاعات اليومية والقانونية، مما يعزز الواقعية ويترك أثرًا نفسيًا مباشرًا على المشاهد دون افتعال

مع كل ما قدمه المسلسل من إخراج دقيق، تصوير مؤثر، وموسيقى تعكس الصراع النفسي، يبدو أن مسلسل «أب ولكن» مفاجأة النصف الثاني من رمضان، ومن المتوقع أن يترك صدى واسعًا، وربما يتجاوز حدود الدراما ليصل تأثيره إلى النقاش المجتمعي حول قانون الرؤية، وقد يكون سببًا في إعادة النظر فيه.