نرمين جودة
الحب له علامات ودلالات، لعل أهمها هو الشعور بالأمان والسند والحماية؛ فلا معنى لمشاعر الحب إذا غاب الأمان، ولا مكان له متى وُلد الخوف والقلق. تلك هي الحالة التي دارت حولها أحداث مسلسل "اتنين غيرنا"، هذا العمل الذي جعل من الحب الداء والدواء، الألم والراحة، الحزن والفرح.
إذا كان الحب أساس الحياة وبفضله استمرت المجتمعات البشرية، فهو أيضاً احتياج إنساني للوصول إلى التوازن النفسي، ودرع واقٍ من القلق والضياع والاكتئاب؛ فالحب معادل لمعنى الحياة. جاء المسلسل كترجمة حرفية لهذه الفلسفة، فعند ارتباط "نور" بـ "سليم" —الذي اعتاد الابتعاد عنها وإيلامها كلما تعلقت به— أفقدها الثقة بنفسها وفي أحقيتها بقلب يحبها بصدق ويخطط للزواج منها. أما خطيبها السابق (ياسر) —الممثل المغمور— فقد اقترب منها ليتخذها سلماً لتحقيق حلم النجومية، وكان منطقياً أن يحقد عليها كلما لمس حب الجمهور لها.
ولا ننسى قصة حب "حسن" لـ "نادية"؛ تلك الزوجة الأنانية التي فضلت رغبتها في الحياة بأمريكا على حساب أمن واستقرار أسرتها، ولم تفكر لحظة في الأزمة النفسية التي سببتها لابنها بسبب انفصاله عن والده، ولا في "كسرة قلب" حسن الذي أحبها أكثر من نفسه. تلك الكسرة التي سببت له "تروما" (صدمة) وخوفاً من الارتباط مرة أخرى. لقد كان كل من حسن ونور علاجاً للآخر؛ فكلاهما أعاد للآخر ثقته بنفسه، وأحياه بعد مماته المعنوي.
توليفة نفسية واجتماعية
لم يكن ارتباط الجمهور بالعمل مجرد تعاطف، بل لكونه مرآة لمشاعر دفينة تخص كل فرد. فداخل العمل توليفة (رومانسية-نفسية-اجتماعية) مغزولة بيد ذهبية، رسمت صور الحب بأنواعه المختلفة:
الحب الأخوي: ظهر في علاقة حسن بشقيقته "عالية"، واهتمامها بخروجه من أزمته النفسية، حتى في لحظات الاختلاف بسبب عملها أو علاقتها بزميلها "إبراهيم"، لم يهتز توازن هذا الحب.
الحب الاستشفائي: وهي قصة الحب الأساسية بين "نور وحسن"؛ حيث كان كل منهما استشفاءً للآخر من أزمات ثقة ناتجة عن قصص فشل اجتماعية وأسرية، كأزمة نور مع والدها الذي طردها من المنزل لرغبتها في التمثيل، واستغلال أخيها لشهرتها لتحقيق مكاسب مادية على حساب سمعتها.
الحب المثالي: تمثل في علاقة حسن بوالدته؛ "الأم الكيوت" الصادقة التي قد تلجأ للحيلة أحياناً لتحقيق حلم أبنائها، فكانت السند والقلب الكبير.
حب الأصدقاء: قدم العمل "شلة" مثالية نفتقدها هذه الأيام، حيث الصداقة التي تجعل من الأصدقاء أسرة واحدة ومرآة لبعضهم البعض.
حب الأبناء: ظهرت في تضحية حسن من أجل ابنه، حين قرر التضحية بحبه لنور من أجل استقرار الصغير. ورغم أن هذه التضحية لم تكتمل بالعودة للزوجة السابقة، إلا أن العمل أبرز مشقة "الكسرة" التي يشعر بها الشخص المضحي.
الحب "التوكسيك" والواقعية المجتمعية
قدم العمل أيضاً قصص حب سامة (Toxic)، مثل علاقة حسن ونادية، وقصة "وفاء" المساعدة لزوجها العاطل ومدمن المخدرات. وهنا برع المخرج في تصوير مآل هذه القصص وقسوة حياة "المرأة المعيلة" التي تضحي من أجل بقاء الأسرة دون تقدير من الطرف الآخر. ومن إيجابيات العمل اللافتة، وضع رقم "خط استغاثة" للعنف الزوجي في مشاهد العنف ضد المرأة، وهو ما نال استحسان الجمهور.
جاء إيقاع المسلسل هادئاً متزناً، يعكس حالة الحب الحقيقية التي يحكمها العقل إلى جانب القلب، بعيداً عن "النزوات" المشتعلة التي تنطفئ سريعاً. لقد قدم "اتنين غيرنا" توليفة رومانسية مختلفة افتقدتها الدراما لسنوات، ولعل هذا ما جعله يتصدر قوائم المشاهدات في موسم رمضان. العمل بطولة ٱسر ياسين ودينا الشربيني تأليف رنا أبو الريش واخراج خالد الحلفاوي.