مع تصاعد الجدل هذا العام حول استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تصميم تترات المسلسلات الرمضانية، عاد النقاش مجددًا حول قيمة هذا الفن ودوره في تشكيل الهوية البصرية للأعمال الدرامية. فهل يمكن أن تحل الخوارزميات محل الحس الإبداعي للفنان؟ أم أن الذكاء الاصطناعي سيظل مجرد أداة ضمن أدوات الصناعة؟
في هذا الحوار، تواصل إعلام دوت كوم مع المخرج والمنتج الإبداعي مانوليس إبراهيم، مؤسس استوديو New Black Media، وتحدث عن تجربته في إخراج تترات الدراما العربية، ورؤيته لتأثير الذكاء الاصطناعي على هذا المجال، كما يستعرض تاريخ فن التترات عالميًا، والتحديات التي تواجهه في العالم العربي، إلى جانب كواليس الأعمال التي قدمها في موسم رمضان 2026.
-منذ صعود الذكاء الاصطناعي خلال العامين الماضيين، أنا كفنان ومخرج أنظر إليه ببساطة كأداة. وأعتقد أن هذا هو المنظور الصحيح الذي يجب أن يتبناه أي فنان: الذكاء الاصطناعي أداة تساعدنا على تسريع العمل وتسهيله، لكنه لا يمكن أن يحل محل الفن نفسه. اليوم أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي مدمجة داخل العديد من البرامج والتطبيقات التي نستخدمها في العمل الإبداعي، لكنها لا يمكن أن تستبدل الذاكرة البصرية للفنان، ولا خبرته، ولا حرفيته الفنية، ولا البحث الذي يقوم به لربط التتر بروح العمل الدرامي وقصته. أنا دائماً أشبه التتر بغلاف الكتاب. إذا اعتبرنا أن المسلسل هو كتاب، فإن التتر هو الغلاف الذي يقدم هذا الكتاب للمشاهد.
هو الذي يمنحك الإحساس الأول بما يمكن أن تتوقعه من العمل، ويخلق الفضول لفتح هذا الكتاب والدخول إلى عالمه.
في هذا الموسم لجأت بعض شركات الإنتاج إالى الاستسهال و الإنجراف نحو العمل مع بعض الهواة أو غير المتخصصين و بعض الشركات الضخمة للمؤثرات البصرية تجاهلت إرثها الكبير في السوق و كرست هذا النوع من الممارسات و هذا ما لفت نظر المشاهد العادي بكل بساطة، لأنه استطاع تمييز القيمة الإبداعية للأعمال الفنية و الأعمال التي يمكن له شخصيا من صنعها على هاتفه الشخصي!
-تاريخ التترات يعود إلى عشرات السنين، وقد أبدع العديد من المخرجين والفنانين في تطوير هذا الفن وجعله جزءاً أساسياً من تجربة المشاهدة. في السينما العالمية مثلاً لا يمكن أن نتحدث عن التترات دون ذكر أعمال المصمم الأسطوري Saul Bass الذي صمم تترات أيقونية لعدد من أفلام ألفريد هيتشكوك مثل فيلم Psycho وVertigo. هذه التترات لم تكن مجرد عرض للأسماء، بل كانت مقدمة بصرية وفكرية للفيلم، حيث تعكس روحه وتقدم للمشاهد مفاتيح الدخول إلى عالمه.
كما أن هذا الفن يحظى بتقدير كبير على المستوى العالمي، إلى درجة أن هناك جوائز متخصصة تمنح له، ومن أبرزها جائزة Emmy المخصصة لأفضل تصميم تترات أو Main Title Design، وهو ما يعكس الاعتراف بهذا النوع من العمل كفن قائم بذاته داخل الصناعة التلفزيونية.
وهناك العديد من الأمثلة التي أصبحت جزءاً من الذاكرة البصرية للجمهور، مثل تترات فيلم Se7en التي قدمت أسلوباً بصرياً مظلماً ومبتكراً يعكس طبيعة الفيلم النفسية، وتترات مسلسل Game of Thrones التي تحولت إلى علامة بصرية مميزة للعمل وأحد أشهر التترات في تاريخ التلفزيون، وكذلك تترات مسلسل Mad Men التي قدمت أسلوباً تصميمياً أيقونياً يعكس روح الستينيات وعالم الإعلان في تلك الفترة
كل هذه الأمثلة تثبت أن التتر لم يكن يوماً مجرد عنصر تقني لعرض الأسماء، بل كان دائماً جزءاً من اللغة السينمائية ومن هوية العمل الفنية والبصرية.
-بدأت رحلتي المهنية في عام 2004، حيث عملت في البداية على إنتاج تترات البرامج التلفزيونية. وبعد عدة سنوات من العمل في هذا المجال، أشرفت أيضاً على القسم الإبداعي في إحدى القنوات التلفزيونية. لكن البداية الحقيقية في مجال تترات الدراما كانت في عام 2011، عندما أخرجت أول تتر لمسلسل درامي وهو مسلسل "بنات العيلة" للمخرجة رشا شربتجي. بعد ذلك توالت الأعمال، خاصة بعد انتقالي للعمل في مصر مع شركة Beelink، حيث عملنا على العديد من التترات لمسلسلات مهمة مثل "لعبة الموت" "سيرة حب" "جراند أوتيل" "ليالي أوجيني" "حجر جهنم" "ونوس" "كأنه إمبارح" كما عملنا أيضاً على برامج تلفزيونية مثل "شيري استديو".
في تلك الفترة كنا نخصص ميزانيات مستقلة لإنتاج التترات، وأحياناً نقوم بتصوير مواد خاصة بالتتر خلال أيام تصوير منفصلة. هذه المواد لم تكن تستخدم فقط في التتر، بل كانت أيضاً جزءاً من الحملات الدعائية للمسلسل. بصراحة، كانت شركة Beelink بمنتجيها محمد مشيش وصفاء أبو رزق من أوائل الشركات التي أدركت أهمية الاستثمار في هذا النوع من المواد الإبداعية كجزء من التسويق للعمل الدرامي، وقد منحونا مساحة كبيرة للعمل بحرية وبأقصى طاقتنا الإبداعية.. لاحقاً، ومع إطلاق استوديو New Black Media في عام 2018، توسع عملنا في التترات المصممة باستخدام تقنيات متعددة مثل الرسوم ثنائية الأبعاد والرسوم ثلاثية الأبعاد والموشن جرافيك والمؤثرات البصرية، وأصبحنا نعمل على تطوير التترات باستخدام أساليب فنية متنوعة بحسب طبيعة كل عمل.
قدمنا العديد من الأعمال مثل " المشوار" " أهو ده اللي صار" "كامل العدد" " الهرشة السابعة" و غيرها من الأعمال البارزة في الدراما المصرية و العربية.
-من أكبر التحديات التي نواجهها في العالم العربي هو أن الميزانيات المتاحة لهذا النوع من الأعمال لا تقارن بالميزانيات التي تخصص للتترات في الإنتاجات العالمية. في كثير من الأحيان لا يتوفر الوقت الكافي أو الموارد الكافية لإنتاج التتر بالمستوى الذي نطمح إليه. ومع ذلك نحاول دائماً أن نقترب قدر الإمكان من هذا المستوى وأن نحافظ على القيمة الابتكارية للعمل. نحن نعمل عادة مع فنانين محترفين ومتخصصين، ونسعى دائماً للحفاظ على الأصالة والقيمة الإبداعية لكل مشروع مهما كان الأسلوب الفني المستخدم.
هل تعتقد أن الجدل الذي حدث هذا العام حول التترات سيغير نظرة المنتجين والمخرجين لهذا الفن؟
حتى لو لم يتحدث المشاهد بشكل مباشر عن التتر، إلا أنه يشعر عندما يكون هناك شيء مفقود في بداية العمل، وهذا ما أطلق هذا النقاش الواسع على مختلف المنصات.
-العمل على التترات هو عمل متعدد الطبقات لأنه يجمع بين العديد من الفنون. في عملنا نحن نحرص دائماً على دعم الفنانين الذين يطورون الخطوط الطباعية العربية، وهي للأسف مجال نادر التطوير نسبياً. كما نعمل مع مصممين وفنانين متخصصين في هذا المجال، وهم أيضاً قلة في السوق العربي، ومعظمهم يتمركزون في مصر.
نحن نحاول دائماً دعم هؤلاء الفنانين ومساعدتهم على الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي كوسيلة لتسريع وتحسين العمل وليس كبديل عن الحرفة الفنية. الحرفة ما زالت موجودة، واستخدام الأدوات المختلفة مثل الرسم والتصميم ثنائي وثلاثي الأبعاد والمونتاج والمؤثرات البصرية وتصميم الخطوط كلها عناصر تساهم في بناء هذا النوع من المنتجات البصرية المهمة. في الحقيقة، مصر تحديداً تمتلك تاريخاً طويلاً في هذا المجال، فمنذ بدايات السينما المصرية في الأربعينيات والخمسينيات كان هناك فنانون ابتكروا طرقاً مميزة في عرض أسماء المشاركين في الأفلام وفي تصميم الخطوط. وقد ترك هؤلاء الفنانون أثراً كبيراً في الذاكرة البصرية للجمهور سواء في تصميمات الأسماء داخل الأفلام أو في تصميمات البوسترات السينمائية. تطور هذا الفن خلال الثمانينيات والتسعينيات ووصل اليوم إلى مرحلة يمكن فيها للتتر أن يستخدم كل التقنيات الحديثة للوصول إلى أفضل مستوى ممكن.
_ أجد أن هذا النوع من العمل يصنف تحت الـ Entertainment Marketing، وهو فرع مستقل من العمليات الإبداعية في عالم التلفزيون والترفيه. هو مختلف تماماً عن صناعة الإعلانات التجارية. نحن نتعامل مع المسلسلات والأفلام والإنتاجات الموسيقية وكل ما يعرف بالـ IP كمنتج يحتاج إلى استراتيجية تسويق، إلى هوية بصرية، إلى حملات، وإلى غلاف. أعتقد أن الناس بدأت تدرك أهمية هذا الجانب من الأعمال التي نسميها الاقتصاد الإبداعي.
-هذا العام كان له طعم خاص، فقد واجهنا العديد من التحديات خلال العام الفائت، خصوصاً مع تصاعد الطلب على استخدام الذكاء الاصطناعي من قبل بعض المنتجين والمخرجين دون وعي كامل بالإمكانيات المحدودة التي يمكن أن يقدمها. وهذا ما بدأ يظهر بوضوح هذا العام.
في هذا الموسم عملنا على مقدمة مسلسل "الغميضة" للكاتبة هبة مشاري حمادة، والتي كانت لديها رؤية خاصة تقوم على تحريك المشاعر واستدعاء ما نسميه بالـ"نوستالجيا" لدى جيل السبعينيات والثمانينيات، من خلال استخدام عناصر بصرية ورموز وصور تعيد المشاهد إلى تلك الحقبة. كما كان للموسيقى دور أساسي في العمل، حيث أعيد تقديم أغنية من التراث الكويتي من خلال الموسيقى التي أعادت توزيعها الفنانة ليال وطفة، ليصبح التتر أشبه بما يمكن أن نسميه "كبسولة زمنية" تعيد المشاهد إلى ذكريات تلك الفترة.


كما عملنا أيضاً على مسلسل "سوا سوا" من إخراج عصام عبد الحميد، وبمجرد أن تلقينا فرصة العمل على هذا المشروع وجدنا أن الجانب البصري والقيمة الفنية للصورة السينمائية في العمل يمكن أن تفرض نفسها بقوة، لذلك حرصنا على الاعتماد بشكل أساسي على المواد السينمائية التي تم تصويرها، واستخدامها لبناء التتر.


وهذا النهج نفسه اتبعناه أيضاً في مسلسل "جناية حب" من إخراج سعيد الماروق، حيث عملنا على المادة السينمائية التي حصلنا عليها من التصوير، وكان للعمل بالفعل مادة بصرية قوية ذات طابع سينمائي واضح مع العمل بشكل خاص على الخطوط الطباعية المرافقة.


كما عملنا أيضاً على مسلسل "يوميات رجل متزوج" حيث قام الفنان محمود مختار بالعمل بشكل شبه يدوي على الرسومات، واعتمدنا على أدوات الذكاء الاصطناعي فقط لتسريع عمليات التحريك وليس لتوليد التصميم الأساسي، لأننا أردنا الحفاظ على الطابع الفني اليدوي للعمل.


كذلك عملنا على مسلسل "مناعة" للمخرج حسين المنباوي، حيث حاولنا أن نعطي التتر طابعاً بصرياً يعتمد على شكل الملفات الورقية والأرشيف في الثمانينيات، بحيث يشعر المشاهد وكأنه يتصفح ملفات قديمة، وهو ما يساعد على ربطه بالفترة الزمنية التي ينتمي إليها العمل.