"يا ابني ما انت لسة عامل المسلسل ده السنة اللي فاتت".
فجأة انتشرت الجملة، وتم تداولها، ربما في لحظة سحرية فاضت فيها سرديات الproduser عبر منصات التواصل الاجتماعي.
تأمل الكلمة الإنجليزية مرة أخرى وثق تمامًا أنه ليس ثمة لبس أو خطأ في الكتابة، نعم نحن نقصد produser، وليس producer ..
نقصد ذلك "User" الذي لم يعد متلقيًا سلبيًا، بل يعيد إنتاج المشهد على طريقته في صورة تعليق ساخر، أو ميمز، أو كوميك، أو سردية تنتشر بسرعة شديدة لتصبح رأيًا عامًا على السوشيال ميديا، حتى لو كانت تعميمًا مخلًا، وحتى لو وجدت العديد من الأعمال المميزة والمبشرة التي تظلم بمثل هذه العبارات التي تشكّل اتجاهًا مسبقًا في ذائقة الناس، يمشي وراءها القطيع الرقمي، مستحسنًا الاختصار المخل على تعب النقد، والتحيز السلبي على إرهاق البحث عن العمل الجيد وسط أكثر المواسم الدرامية ازدحامًا.
ثم ستجد العدوى الاجتماعية التي تطال الكثيرين، فطالما أن الخوارزميات أكدت أن "كل الناس تقول كذا" ف " أنا أيضًا أقول نفس الكذا"، مع راحة تامة لفكرة: "الموسم سئ إلى أن يثبت العكس"، كما أن التقاط الجيد سيكون أسهل في واقع فيه تكرار بالفعل، واستسهال لدى بعض النجوم والشركات، وصل إلى الأفكار الإعلانية نفسها، والتي صار بعض العملاء، وشركات الإنتاج، يتعاملون معها بمنطق "الإعلان الكلينكس" الذي سينسى بعد قليل لندخل على "اللي بعده"، والذي يقاس فيه عدد النجوم المشاركين، ومن سنقنعه بالظهور، أكثر من قوة الفكرة نفسها ومدى إفادتها للـ"Brand"!!
لكن ماذا حدث في أول أيام رمضان لنكتب كل ذلك؟
ما حدث أننا أمام مجتمع في حالة : "تفريغ نفسي جماعي"، حيث مساحة التنفيس أكبر من مساحة التقييم، ولذلك تحضر السخرية الجماعية، والهجوم المبالغ فيه، ويتم تضخيم أي خطأ، أو ما يعتبره الناس خطأً حتى لو لم يكن كذلك.
ما حدث هو صعود للمواطن الناقد صاحب السلطة الافتراضية عبر اللايك والشير، ولذلك فهو ناقد دراما، وناقد إعلانات، وناقد ديني أيضًا يستطيع أن يقول لدار الإفتاء: "انتوا هتفتوا بقى والا إيه ؟؟"، ويصحح عليها بما يعلمه على اعتبار أن ما يعلمه هو الصحيح !!
ما حدث هو أن المجتمع الساخر بطبعه لا يستخدم السخرية الآن ك"هزار" لطيف، وإنما كآلية من آليات الدفاع عن النفس أحيانًا، والمشاركة في الحوار العام والتأثير عليه في أحيان أخرى ..
أما على مستوى الإعلام، فالحرب بين التريند والجودة محسومة لصالح التريند – حتى الآن – وبالتالي محسومة لمن يصنعه، ثم لمن يركبه !! والمواطن الجميل لا يصنع التريند فقط بل ويستهلكه أيضًا، في مواجهة نجوم يصنعون التريند هم أيضًا ويستهلكوه، فالتكرار الذي يقدموه ربما ليس فشلًا بقدر ما هو "استراتيجية" لأن "الجمهور عايز كده" و "النجوم دي بتبيع"، و "خلينا في المضمون".
حدث اختلاط في الأدوار جعل الفنان قد يقدم محتوى ديني أو يستند إلى الدين، والممثل الذي يجسد دور الضابط البطل يظهر بعد المسلسل في إعلان "جبنة"، والمنصة الترفيهية تقدم محتوى صادم يحتوي على تحرش لفظي صريح باسم الكوميديا، وكل ذلك في "خلاط" الجمهور يتحول إلى رفض .. أو سخرية، خصوصًا في زمن أصبحت تسيطر فيه "اللقطة" على الحكاية، وهو ما ينذر حقًا بتآكل للقيمة، وزيادة في الاستقطاب على أي محتوى من أي نوع، وظلم حقيقي للمحتوى الجيد، فهل نحن جاهزون لإعادة ضبط المصنع ؟؟
أم أن ثمة "أفورة" عند البعض؟
بهدوء شديد تعالى من فضلك نحلل سويًا المشهد، ونفكر بصوت عال، ونحاول أن نطرد من أذهاننا كابوس تحول السوشيال ميديا من منصة تواصل وحوار الجتماعي إلى "سوط اجتماعي" في يد المستخدم يلجأ إليه دائمًا أبدًا، بل ونحاول أن نفكر في أسباب وجود سيولة في الوعي الجمعي المصري تجاه المحتوى في العالم الافتراضي، والعالم الحقيقي أيضًا.
نرشح لك: مواعيد عرض مسلسل "علي كلاي" لـ أحمد العوضي
(1) الخلطة المضمونة: بطولة أحمد العوضي/ مصطفى شعبان/ مي عمر/ محمد إمام، وآخرون.. مرحبًا بكم في فخ "التيمة المكررة"، حيث البطل سيتعرض لظلم كبير أو حدث مفصلي وسينتقم ويستعيد حقه في النهاية.
أليست هذه قاعدة درامية في العالم أجمع؟ بطل+أزمة ؟ ما المشكلة؟
المشكلة هي نفسها التي تجعلنا نرى الآن نجوم الدراما المصرية – إلا قليلًا – بلا مشروع. نفس الشخصيات قدموها من قبل بنفس الطريقة، بنفس الجعير، بنفس ال"شبحنة"، بنفس الإفيهات، بنفس طريقة الكلام المسجوع المقفى، بنفس تيمة الانتقام، بنفس البكائيات أحيانًا، حتى إنك لتسأل نفسك بحق: لماذا لم يتكرر عادل إمام أو يحيى الفخراني أو نور الشريف أو .. أو ..، لماذا لا يتعب النجم نفسه ليقدم دورًا مختلفًا بأداء مختلف نرى فيه قدراته التمثيلية ولا شيء آخر ؟؟ والإجابة واضحة: "العب في المضمون"، ومع لجان إلكترونية و دعم إنتاجي و جدل يحيط ببعض النجوم (لا نقصد الأربعة المذكورين بل كثير من النجوم) يصبح الصوت العالي لمسلسلاتهم، وتظل المسلسلات الجيدة صاحبة الفكرة المختلفة أو المعالجة المميزة غريبة وسط هذا "السوق" الدرامي
2) مائة عام من "بلاش تشوفوا رامز" .. بطولة رامز جلال ..
هي خناقة سنوية معتادة لا يحدث بعدها شيء، وتكاد تكون "ننفس العلقة لا قلم زاد ولا قلم نقص"!! برنامج مقالب ناجح بمقاييس السوق، وصاحب أغلى slot إعلاني متغير، وفريق محترف قائم عليه، لكنه يحدث دائمًا جدلًا كبيرًا، ويثير هجومًا شرسًا لأسباب واضحة: مقدم البرنامج يتمادى في تهزيق الضيف/الإفيهات ذات الإيحاءات الجنسية/ مدى ملاءمة المقلب لطبيعة الضيف وقيمته الفنية، لتخرج دائمًا مطالبات بإيقاف البرنامج ومحاسبة القائمين عليه، بينما البرنامج يستمر وقد حصد انتباه الجميع، والمدهش هنا متلازمة المثل الشعبي الشهير "عيني فيه وأقول إخيه"، فعدد كبير ممن يهاجمون البرنامج يحرصون على متابعته، ولديهم فضول عما حدث مع النجم الفلاني، وما قيل عن النجمة العلانية، ثم يخرجون بعد الحلقة لنقد الحلق وما حدث فيها بشدة تصل للعنف أحيانًا .. والتفسير الإعلامي لهذا السلوك يعود في الأساس لفكرة الراحة لرؤية النجوم في حالة ضعف وانكسار، واستخدام الحلقة كحطب في نيران السوشيال ميديا وإعادة إنتاج القسة بأكثر من طريقة، حيث "الفضول القهري" يتحول إلى منتج نقدي عالي العنف والشدة، في فراغ شديد للبديل وفي غياب كامل لفكرة صناعة كاميرا خفية أو برامج مقالب لا تنافي الأكواد الإعلامية ، ويشكل النجم الضيف نفسه مشكلة أكبر في استقبال الناس لإهانته المدعاة أو بهدلته التي وافق عليها سلفًا، فالبعد المادي يلعب دورًا، وبعض النجوم كانت "تتمنى" الذهاب للبرنامج في فترات كساد عملها، وكنوع من "الجدعنة" و المساندة، كان رامز جلال يستضيفهم لكن بقوانين البرنامج التي تسري على الجميع، فإن كنت تعلم أنك ذاهب لرامز مهما مثلت أنك لا تعرف ذلك، فأنت لا تعرف المقلب، وتنتظره، والرهان كل مرة على صدمة النجم، وعدم توقعه لما سيحدث فيه، لكن الأمر بدأ يخرج عن السيطرة بالفعل في "مقدمات" رامز جلال وتعليقاته التي يمكن بوضوح أن ترى فيها تحرشًا لفظيًا صريحًا، يتجاهله أغلب الضيوف الذين وقعوا بالفعل عقدًا يمنعهم من الاعتراض على محتوى الحلقة بعد الموافقة عليه، بل ويسعى كثير منهم للتواجد في التريند حتى لو كان سلبيًا مستفيدًا من الظهور المكثف له على محركات البحث ونقاشات السوشيال ميديا، وحتى على مستوى الأكواد الإعلامية، يحتاج البرنامج لوضع تصنيف عمري يجعل الأطفال يبتعدون عن هذا المحتوى الذي لم يعد يناسبهم تربويًا لا على مستوى الألفاظ، ولا على مستوى العنف الموجود فيه، والغريب أن ذلك لا يحدث، ومع ذلك، فالرهان على بقاء الجمهور في نفس خانة الفضول القهري يظل مساحة غير آمنة، فالجيل Z والجيل ALPHA القادم بقوة، ربما سيغيرون المعادلة ليصبح لزامًا على رامز تغيير معادلته هو الآخر، قبل أن يعاقب اجتماعيًا، وهو عقاب أشد من أي عقاب قانوني.

3) مسلسلات الواقع تنتصر .. فيديو الكمباوند نموذجًا
فيديوهان هما الأكثر مشاهدة وانتشارًا وإثارة لردود الأفعال في أول أيام رمضان للعام 2026، وكلاهما لم يعرض عبر شاشة التليفزيون، بل شاهدهما الناس عبر شاشة الموبايل، والذي صار منافسًا لكل دراما رمضان، ومثيرًا لنقاش كبير حول قضايا واقعية عنوانها هو التساؤل الذي جعله الدكتور جلال أمين عنوانًا لأشهر كتبه: ماذا حدث للمصريين؟

الفيديو الأول لشخص يعتدي على فرد أمن في كمباوند .. يضربه بقدمه في بطنه، ويصفعه، ويدفعه، وفرد الأمن مستكين ظاهريًا، والكاميرا – التي لا يعرف أحد من يمتلكها – تلتقط المشهد، وتثور ثائرة الناس الذين صاروا "يمنشنون" صفحة وزارة الداخلية، ويبرع الـ Produser في تسليط الضوء على المعتدي، وصناعة ميمز تخصه، والتشهير به، في عقاب جماعي اجتماعي صار سابقًا للعقاب القانوني. هو رد فعل طبيعي لكن لا تفرح به ولا تضخّم فيه لأنه سيزعجك في مواقف أخرى يذهب العقاب الاجتماعي فيها للاتجاه الخطأ فيعاقب الضحية بدلًا من معاقبة المعتدي ( عاقبوا بالفعل الفتاة التي قدمت بلاغًا بالتحرش بها في أتوبيس ووقفوا بجوار المتهم بالتحرش والذي قالت التحقيقات أنه يلاحق الفتاة وهذه ليست المرة الأولى)
ثم يأتي الفيديو الثاني، عند إحدى ماكينات الـ ATM لسيدة ترغب في الاعتداء على رجل بكل ما أوتيت من قوة رغم محاولات البعض لإثنائها عن الأمر، ليقف أحدهم ويصوّر المشهد وينشره، وتتوالى التعليقات وتصنع معركة وهمية كل أطرافها لا يرفضون الفعل، ولا يعرفون ما يحدث، ويبنون آرائهم التي تدين أحد الطرفين وفق تخميناتهم "أكيد عمل حاجة"/ "لأ عيب ست تضرب راجل"/ "الستات كلهم مفترية"/ "ماهي مش مجنونة عشان تعمل فيه كده لازم يكون ضايقها"/ ...... إلى آخر هذا المشهد في كلا الفيديوهين، والذي يجعلنا نضع أسئلة ونحاول أن نجيب عليها
ما الذي تشير إليه الواقعتان؟ ما تفسير سلوك الحاضرين في المشهد؟ ما تفسير ردود أفعال الناس؟ ولماذا كان الفيديوهين هما الأكثر انتشارًا في أول يوم رمضان وسط هذا الكم من المسلسلات الدرامية؟
مبدئيًا، نعيد التأكيد: نحن في حاجة إلى تحليل مثل هذه الوقائع للخروج بفهم يساعد على إعادة المجتمع المصري لمرحلة "ضبط المصنع" ، حيث التغيرات من هذا النوع لا يمكن تفسيرها بشكل سطحي لانتشار التكنولوجيا وسرعة النشر، ولكن ما أفهمه هو أنه هناك عدة ظواهر مخيفة
الأولى: شرخ كبير في منظومة القيم اليومية، وهنا تتراجع فكرة "الهيبة الرمزية" أو "السلطة الاجتماعية" للبشر حسب مواقعهم. فرد الأمن لا يحترم ولا يحمى رغم أنه الشخص الذي سنلجأ إليه في حالة حدوث شيء في الكمباوند. الرجل يُضرب. المرأة تعتدي. رد فعل سريع لا يمر عبر فلتر القيم، ولا يعبأ بتصويره أو اكتشاف خطأه. وهو ما يفسر بعض الفيديوهات التي بدأت في الانتشار لناس ترتكب أفعال خاطئة وترى من يصورها لكنها تصر على استكمال خطأها أو اعتدائها، وبالتالي، لن تلاحق وزارة الداخلية على كل الفيديوهات، ولن تستطيع أن تفحص كل هذه الوقائع، لنذهب إلى مرحلة انتقال مركز ضبط المجتمع من الدولة إلى المجتمع الرقمي، حيث الـ produser هنا ليس متلقيًا سلبيًا، بل هو شاهد، وموثق للحدث، وناشر، وهو أيضًا يحاكم، ويحكم ويعاقب اجتماعيًا، وحكمه غير قابل للنقض. التشهير عنده نوع من أنواع العدالة التي يفرضها بنفسه. لاسيما وأن تفسيره لفيديو شرب فرد أمن الكمباوند مثلًا جعله يقف إلى جوار قلة الحيلة في مواجهة فائض القوة عند المعتدي.
ولو عاد دكتور جلال أمين لأكد أن هذا التحول في السلوك العام هو نتاج ضغط نفسي، ورقمي، واقتصادل ، يجعل "تأثير المتفرج" يبدأ القصة، حيث الناس تصور لكنها لا تتدخل، لأن غيرهم سيتدخل، ولأن التصوير سيوثق حدثًا تستطيع الدولة بعده التدخل من خلال أجهزتها الأمنية، لكن الأمر يأخذ أبعادًا أخرى بوجود حافز اجتماعي جديد عند الحضور. التريند يا سادة. حيث الشخص سيصبح الآن صانع تريند أو جزء من التريند أو حتى معلقًا عليه، لكن رد فعل الناس على السوشيال ميديا بعد ذلك ينبغي أيضًا دراسته: نحن أمام استقطاب شديد وفوري يدفع بهم لإصدار أحكام لحظية دون انتظار للحقيقة. كل شخص يفسر المشهد وفق قناعاته المسبقة واتجاهه : ضد طبقية الكمباوند. ضد المرأة. ضد الرجل. ضد عجز فرد الأمن. ضد عجز المضروب رغم أنه في سياق اجتماعي يجعله أقوى، ولهذا نرى الأراء الشاذة. هي ليست شاذة سوى بالنسبة لك، لأن هناك وعي جمعي ورأي عام رقمي بدأ في التعاظم وموضوع داخل "حلة ضغط" كبيرة تمثل هذه الفيديوهات، والأحداث، تنفيسًا اجتماعيًا له، لكن النقطة المخيفة هنا هي حالة السيولة التي بتنا نعيشها .. حيث الجميع يحكم، والكل تحول من صاحب رأي أو وجهة نظر لصاحب حكم بات.. هذا مجتمع لا يقول رأيه، بل يحكم استنادًا إلى أبعاده القيمية وليس استنادًا للحقيقة، والأسباب الواقعية لانتشار هذه الفيديوهات وتصدرها التريند رغم وجودنا في موسم الدراما الأكبر هو أن الواقع غلب الدراما، والواقعي أسبق من المتوقع، وأي مشاهد يرى نفسه جزءًا من حدث حقيقي أكثر مما يرى نفسه جزءًا من مسلسلات درامية لم تعد – في الأغلب الأعم – تقدم قصصه.ففإن أضفنا خوارزميات المنصة التي تدفع بالعنف والصدام والجدل في أولويات محتواها، وتوقيت رمضان بحالة الحساسية الوجدانية والأجواء الروحية التي يعيشها الناس في، فبالتأكيد سيتم تضخيم أي فيديو صدامي.
مرحبًا بكم في تحولات مجتمعية – تاني وتالت ورابع وعاشر – تستحق وقفة حقيقية ..
من مجتمع يحتكم للقانون لمجتمع يحاكم عبر السوشيال ميديا، ومن شاهد لصانع الحدث، ومن الحقيقة إلى "السردية الأكثر انتشارًا" أو "التريند اللي ماشي".
هنا أذكرك: أن المحتوى الذي يغازل هذه التحولات سيكون الأكثر انتشارًا، وسيجري خلفه الناس مهما كان خاطئًا، وهو ما يستدعي ضبطًا مجتمعيًا لن يتم بين يوم وليلة، لكن يجب أن يبدأ التفكير به من أمس وليس حتى من الآن.
4) بدري بدري .. عودة خناقة زكاة الفطر
لا تحتاج الصفحة الرسمية لدار الإفتاء المصرية سوى لعبارة واحدة ليبدأ الجدل مبكرًا هذا العام. "يجوز إخراج زكاة الفطر نقودًا". فقط كتبت هذه الجملة، لتجد ردود الأفعال في التعليقات مستنكرة، وتعدّل على جهة الإفتاء الأولى، بل ويقول أحد المعلقين"ماحدش سألك عن رأيك"، ويكتب أكثر من معلق في نفس المعنى: "هو الريتش بتاع الصفحة وقع وبتحاولوا تعلّوه؟"، بينما كتبت إحدى المعلقات ساخرة: "طلعوا بقى فتوى كمان إنه يجوز إخراج المال بدل الأضحية لأن المشرع واحد"!!

هذه أزمة أخرى مستمرة لم يدرسها أحد أو يحاول ضبطها ضمن تحولات المجتمع المصري. أزمة ينبغي تفسيرها اولًا لفهم مدى خطورتها مع مرور الوقت لأنها مثل كرة الثلج التي تتدحرج وتكبر كل يوم، وهي إشارة لتآكل الهيبة المؤسسية، حيث تتحول الفتوى هنا من "نص مقدس" إلى "بوست للنقاش". ليس هذا فقط بل إن المفتي لم يعد واحدًا، فلكل شخص المفتي الخاص به، سواء على الانترنت، أو بتوارث عادات جعلت من أصحاب الترهيب وحاملي سمت المتدينين كـ "شكل" في مواجهة المفتي الرسمي. والمثير للتفكير هنا أن دار الإفتاء في مثل هذه البوستات المكثفة التي يمكن أن نعتبرها في غير موعدها، أصبحت "صانعة محتوى، وبالتالي سيتعامل معها الناس على هذا الوصف. الصفحة ترمي طعمًا يلتقطه الناس فيتحول الوقار الديني إلى تريند مستهلك، والمفتي الذي يتحدث من طرف واحد ليعلن أصبح عبر الصفحة شخص يمكن مناقشته ومحاججته والسخرية منه !! وحتى العبارة نفسها التي كتبت على صفحة دار الإفتاء الرسمية هي عبارة مختزلة لا لزوم لها، غاب عنها شرح المفتي لصالح روح السوشيال ميديا، فصارت القضية الجدلية بداية معركة جديدة.
لاحظ من فضلك أننا لازلنا في مرحلة التفسير والفهم، لأنها أولى خطوات الحل في ضبط مجتمعي نحتاجه جميعًا، لكن يجب أن تشارك فيه المؤسسات، لا أن تنجرف خلف "التريند" لتكون جزءًا منه، خصوصًا في مثل هذه القضايا الجدلية، وبمثل هذا الأسلوب الغريب عليها.
النقاش مستمر .. ومطلوب.
نرشح لك: استمع.. تترات رمضان 2026