عمرو منير دهب يكتب: انشد العدالة ولا تنشدها.. الفصل العاشر من كتاب "افعل ولا تفعل الشيء نفسه"

في حين تبدو العدالة مسألة مقلقة للغاية بالنسبة إلى أولئك المطبوعين على مثالية الدوافع والسلوك، فإن مَن يمكن وصفهم بالذرائعيين ليسوا أقلّ قلقاً تجاه العدالة وإنْ مِن وجهة نظر مقابلة: كيف يمكن الالتفاف على العدالة وتجاوز مطبّاتها التي تعجّ بها طرقات الحياة فتعرقل المضي قُدُماً فيها بسلاسة؟

يرى كلا الطرفين إذن العدالةَ بوصفها هاجساً مؤرّقاً إلى أبعد الحدود ويظن تحدّيَه إزاءها أعظم من التحدّي الذي يواجهه خصمُه، بل إن كل طرف يخال أن خصمه لا يواجه التحدّي أصلاً وإنما يستمتع بعرقلة مساعي الطرف الآخر على أيٍّ من صعد الحياة التي يتواجه فيها الطرفان أمام تحدّي العدالة؛ وهل من صعيد في الحياة لا تبرز فيه العدالة بوصفها تحدّياً؟

تبدو المسألة أمام المتطرِّفين على الجانبين خياراً بين العدالة واللاعدالة في كل موقف، تماماً مثل كل معركة بين أي متناقضين وأنصارهما في الحياة. الواقع أن المواجهة قلّما تكون بين خيارين على طرفي نقيض لا ثالث لهما، بل الأدق أنها لا تكون أبداً كذلك، فما يتحقق على أرض الواقع – في نهاية المعركة أو عند أيِّ منعطف لها – هو خيار ثالث يمثل درجة من درجات لا حصر لها بين العدالة واللاعدالة؛ وجدير بالانتباه أن النقيضين نفسيهما – بتجاوز تقسيم الناس إلى مثاليين وذرائعيين - ينعكس كلٌّ منهما لدى كل طرف، فما تراه عدالة يراه خصمك لاعدالة والعكس صحيح. 

العدالة من المسائل التي يبدو التحدّي إزاءها كما لو كان مضاعفاً قياساً بغيرها، فأنت مع مسائل مثل القلق والوسوسة والمفاخرة والادّخار والمبالغة، وحتى الحكم على الآخرين والكذب، تبدو حيال تحدٍّ تخوضه أمام ذاتك أكثر مما تخوضه في مواجهة الآخرين، في حين أن العدالة تحدٍّ لا بدّ أن يكون في مواجهة خصم آخر أو أكثر؛ وذلك فضلاً عن الصعوبة البالغة في تحقيق ما يرضي أيّ طرفين متنازعين؛ ومن الجدير بالانتباه أن العدالة – بصرف النظر عن تعريفها لدى كل خصم – لا تُعنى بإرضاء أي طرف أو حتى الطرفين معاً وإنما تُعنى تحديداً بما يستحقه كل طرف في المسألة موضوع النزاع وإن لم يكن ذلك المستحَق مرضياً للطرفين معاً أو لأيٍّ منهما على حدة.

العدالة ليست ما تراه حقّاً خالصاً لك وإنما هي حقّك وفق ما تصفه المبادئ والقوانين المتواضع عليها في المحيط الذي تنتمي إليه. الأدق أن العدالة هي الحق وفق ما يناجيك به ضميرك لا نفسك الأمّارة بالسوء، وكلاهما – ضميرك ونفسك الأمارة بالسوء – جزء منك ليس في وسعك إنكاره، وفي المفاضلة بين ما يحضّانك عليه يكمن اختبارك الأساس في الحياة.

انشد العدالة إذن استجابة لمناجاة ضميرك قبل أن تنشدها سعياً إلى مصلحة ترى نفسك جديراً بها؛ ومن الحكمة وأنت تصيخ إلى ضميرك أن تخفض بصرك إلى ما بين يديك وما هو أمامك على أرض الواقع حتى يغدو بإمكانك أن تدرك ما في وسعك تحقيقه من درجات العدالة – المثالية بالضرورة - على الأرض. 

لا غضاضة في نشدان العدالة استجابةً لإلحاح مصلحة مستحقة، غير أن المصالح بارعة في إقناع أصحابها عند منعطفات المواجهة الحادة بتخطِّي صوت الضمير وإسكاته إلى حين تحقّقها، فحذار من إغراء المصلحة منفردةً مهما ترَها مستحَقّة.

صوت المصلحة وصورتها لا يعلوان فقط على صوت الضمير بل يعمدان إلى محاولة تعديله في أذنيك، على الأقل إلى حين تحقُّق المصلحة؛ وغالباً ما تستمرّ محاولات التعديل حتى بعد اكتمال تحقق المصلحة تطلّعاً إلى إلغاء صوت الضمير الخالص وإحلال الصوت المعدّل/المحرَّف مكانه ليرشدك خلال المواجهات اللاحقة. من أجل ذلك كن ذكيّاً، وبادر أنت لا إلى إنتاج نسختك الخاصة من الصوت المعدَّل لضميرك وإنما إلى اتقان فن المساومة/التسوية فيما يتعلّق بنتائج المواجهات المستمرة بين مصلحتك وضميرك.

يطغى تأثير المصلحة وبراعتُها في معركتها مع الضمير إلى حيث تكاد تشكِّل ضميرَها الموازي الذي يسعى بإلحاح إلى تسويغ كل مصلحة في روعك من الناحية المثالية الصرفة.

العدالة غاية مرهقة من الوجهتين النظرية والعملية، ولكن مهما يكن لا تتوقف عن السعي إلى تلك الغاية؛ فقط حاذر الوقوعَ في شرك نشدان العدالة المطلقة، فالعدالة تمتلك إغراءها الفريد للتشبّث بتلابيب الكمال المستحيل.

للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])