عمرو منير دهب يكتب: أفرِغ ولا تُفرِغ.. الفصل التاسع من كتاب "افعل ولا تفعل الشيء نفسه"

مع أن تود هنري Todd Henry يقصد في كتابه "مت فارغاً" إطلاق العنان لأفضل ما لديك كل يوم، وذلك كما يشير العنوان الفرعي في الأصل باللغة الإنجليزية Die Empty: Unleash Your Best Work Every Day، فإن المقولة/الفكرة ذاتها قد تنطبق على أسوأ ما لديك بدرجة أو أخرى.

الشحن والتفريغ مفهوم وجودي ينطبق على كل موجود، وهو تقريباً يماثل قانون "حفظ الطاقة" في الفيزياء الذي يذهب إلى أن الطاقة لا تفنى ولا تُستحدث من العدم وإنما تتحوّل من شكل إلى آخر من أشكال الطاقة. وإذا كان قانون حفظ الطاقة يشترط لإثبات صحته وجود نظام معزول، فإن نظامنا المعزول الأكبر الذي يبرهن قانونَ حفظ الطاقة في كل نطاق ماديّ هو الكون برمّته؛ أمّا على الصعد المعنوية فإن الوجود يبرز بوصفه النظام المعزول الأشمل اللازم لإثبات صحة القانون.

تحدث عمليتا الشحن والتفريغ بصورة تلقائية بالضرورة إذا أخذنا قانون حفظ الطاقة في الاعتبار، فما يتم تفريغه في أي نطاق يحلّ محلّه محتوى آخر قد يشابهه وقد يختلف عنه تماماً؛ ولكن التذكير بالمبادرة إلى الشحن ثم التفريع (وأحياناً التفريغ من أجل إعادة الشحن) مسألة ضرورية لأننا نركن عادة إلى سهولة التعامل مع ما في حوزتنا وإن غدا راكداً - أو حتى آسناً في بعض الأحيان - حذراً من تغيير نخشى ألا يكون لصالحنا.

لا تتسرّع إلى علمية الإفراغ من أجل الإفراغ فحسب؛ تخيّر الوقت الأنسب والجهة المثلى لاستقبال المحتوى الذي يتم إفراغه؛ وإذا كان الإفراغ كلمة توحي بـأن ما تمّ إفراغه لم يعد بداخله أيّ شيء، فمن الحكمة أن ننتبه إلى أن ذلك غير دقيق بالنظر إلى مبدأ حفظ الطاقة وغيره من قوانين الفيزياء ومفاهيم الوجود، فالهواء مجرّداً ليست بالمحتوى الذي يسهل إنكاره في كل الأحوال.

لا تكتم – دون داعٍ وجيه - ما يضيّق الخناق عليك إلى حدّ الانفجار، ولا تُفْرِغ في المقابل غضبك في وجه من يقف أمامك لمجرّد أن تتحرّر من ضغط غضب تخاله قد يفضي بك إلى الانفجار. البراعة تكمن دوماً في المفاضلة، ليس بين أن تكتم وبين أن تطلق/تحرّر وإنما فيما يتعلّق بمقدار ما تكتمه مقابل ما تطلقه/تحرّره، ومن قبلُ بطبيعة الكتمان وبكيفية الإطلاق/التحرير.

أفرغ غضبك بحسب ما يستدعي السياق بعد أن تفاضل وتحدّد مقدار طاقة الغضب التي تريد إطلاقها وكيفية تحرير تلك الطاقة، ولكن لا تفرغ أبداً إساءتك في وجوه الآخرين مهما اعتملت في صدرك. تستحق الإساءة أن تتحوّل إلى شكل آخر من أشكال الطاقة (ليست السلبية بالضرورة)، شكل آمن للتعامل معه لا يخلو من الفائدة كالتفكير التأمُّلي المنعكس على هيئة دروس ملهمة مستفادة لكيفية التعامل مع المتسببين في الشعور السلبي أو غيرهم من المسيئين المحتمَلين في مواقف أخرى مشابهة.

أفرغ مشاعرك الطيبة وكلماتك النبيلة الجميلة؛ ولكن حتى هذه لا تتعجّل إلى إطلاقها قبل أن تتأكد من أنها تذهب إلى من يستحق في الوقت الذي يكون مهيّأً خلاله لتقدير قيمتها حقّ قدرها، فضياع أفعالك الجميلة سُدى يورث حسرةً ليس في وسع أحد تجنُّبها تماماً.

مجدّداً، المسألة ليست دوماً مجرد خيار بين أن تفرغ ولا تفرغ قدْرَ ما هي متعلقة بمعالجة محتواك الذي يستفزّك إلى إفراغه أو – على النقيض – تتهيّب إفراغَه؛ وإذ تأخذ تلك المعالجة أشكالاً عديدة فإن منها ما يبدو أشبه بإعادة تدوير لما تراه غير صالح للاحتفاظ به كما هو داخلك.

أفرِغْ إذن كوبك المغمور ليس فقط لمجرّد إبقائه فارغاً ولكن حتى يغدو بإمكانك أن تملأه من جديد بما ينفعك ويسعدك. ومثلما رأينا مع قانون حفظ الطاقة، لا يمكن للكوب أن يظلّ فارغاً، فعلى الأقل سيشغل الهواء الكوبَ الذي أفرغته، وثمة في الغالب ما هو أثمن من الهواء ليملأ كوبك؛ ما عليك سوى أن تتدبّر مليّاً المحتوى الأنسب للكوب والوقتَ الأمثل للشروع في عملية إعادة التعبئة.

للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])