المقدرة على الادّخار والنزعة إلى الإنفاق شديدتا الارتباط بما هو فطري/جيني ومقاوِمتان أشدّ المقاومة كلَّ محاولات التقويم في الاتجاهين المتقابلين، خاصة عندما تكون أيٌّ من الصفتين بالغة التأصُّل في طبع أيٍ من الناس. وإذا كان هذا ينطبق على كل السمات الشخصية بصفة عامة فإنه يبدو أوضح عند محاولة تعديل أنماط السلوك المتعلق ببعض الصفات أكثر مما يبدو إزاء المحاولة مع غيرها. وقد قيل قديماً إن الكرم لا يُعلَّم، ونضيف في المقابل بأن البخل كذلك لا يُعلَّم؛ مع ضرورة الانتباه إلى أن التبذير والتقتير ليسا مرادفين للكرم والبخل (تباعاً) بالضرورة، فقد يكون المبذِّر كريماً على نفسه فحسب وقد يكون المقتِّر حريصاً على مستقبل من يعول، لا أكثر ولا أقلّ. نقول ما مضى ونستفيض فيما يلي بعيداً عن إطلاق الأحكام على أيٍّ من السِّمَتين/الفعلين المتناقضين وأصحابهما في أيٍّ سياق.
إذا كنت مسرفاً بالفطرة فمن الحكمة أن تنتبه إلى فوائد ترشيد الإنفاق، إن لم يكن من أجل الادّخار فعلى الأقل تجنّباً للإفلاس والاستدانة، والأخيرة مسألة لا حرج فيها لذاتها إلّا إذا أصبحت متكرّرة وأوشكت أن تكون نظام حياة، إذّ قلّما ينجو أيٌّ من الناس من الحاجة إلى الاقتراض لمرة أو بضع مرات في حياته؛ وعندما يغدو لا مناص من الاستدانة فإن الحكمة تمسي مطلوبة فيما يتعلّق بالقدر الذي نقترضه لسدّ الحاجة وبخطة السداد، ومن قبلُ فيما يخصّ من نتوجّه إليهم بالطلب الثقيل على القلبين: قلب المقرِض وقلب المقترض في حال كان الأخير مرهف الإحساس.
على كل حال لا تبتئس إذا فشلت محاولاتك للسيطرة على إسرافك، وغالباً ما ستفشل تلك المحاولات في تحقيق السيطرة التي ترضيك إذا كان الإسراف طبعاً أصيلاً فيك. أمر واحد ليس من الحكمة أن تتجاهله تماماً ومن الأفضل أن يظل مصدر قلق حتى تجد سبيلاً إلى ضبطه بدرجة أو أخرى: عواقب إسرافك حين تمتدّ إلى الآخرين، سواء من المقرّبين أو الأبعد في محيط حياتك الخاصة أو العامة.
أعظم حظوظك وأنت مسرف بالفطرة أن تفلح في الادّخار ولو إلى حين؛ والادّخار كما سنرى مؤقت في كل الأحوال، لكن مع المسرفين غالباً ما يكون الادّخار مؤقّتاً "جداً"، ولا مشكلة في هذا شريطة أن تستمر محاولات الادّخار بصرف النظر عن المدة التي يظلّ خلالها المدّخَر صامداً كل مرة، فمِن أنجع نتائج تلك التجربة أنها تشكّل سدّاً يُعاد تشييده فيضبط سيول الإسراف الهادرة دوماً بالنسبة للمسرف بالفطرة.
الادّخار إذن مؤقت مهما يطل أمده، وما هو مدّخَر مآله آخر المطاف إلى الإنفاق على وجه أو آخر، ومن حسن حظ المدّخِر أن ينفق ما تعب في جمعه على الوجه الذي يرضيه وهو في أوج قوّته أو قريباً من أوجها، فمهما تبلغ اللذة المجرّدة في الاستمتاع بالادّخار يشكّلْ ضياع فرص الاستمتاع والإفادة ممّا يمكن أن يجنيه المال المدّخَر حسرةً للمقتِّر بدرجة أو أخرى.
مشكلة المُغالي في كنز المال أنه لا سقف ادّخار يبدو مقنعاً بالنسبة له مهما يكن عالياً، فهواجس الطوارئ التي قد تستدعي إنفاقاً لا مناص منه لا تتوقّف، وأشد كوابيس مدمن الادّخار إثارةً للفزع أن يتناقص ادّخاره مقابل إنفاقه، فكفّة الميزان لديه يجب أن تكون راجحة باستمرار لصالح الادّخار وبفارق كبير.
في الواقع الادّخار مغرٍ لكل الناس، ولكن المبذّر لا يقدر على تبعاته المتمثّلة في الحرمان من الإنفاق بدرجة واضحة ولو إلى فترة وجيزة. إغراء الادّخار بالنسبة للمسرف يكمن في أنه يتيح له مصدراً رائعاً للانقضاض عليه عند الحاجة إلى الإنفاق، والحاجة إلى الإنفاق لدى المسرف مستمرة لا تتوقّف دون رادع صارم أو غفلة من المبذّر حيال مالٍ تجمّع عفواً وهو منشغل باستنزاف موارده المعتادة في شغف أو على الأقل تحت سطوة إدمان إنفاق المال.
ادّخر ولا تدّخر؛ لا تستسلم لأحد الفعلين ولا توازن بينهما لأن الموازنة مستحيلة والاجتهاد لتحقيقها يفضي إلى اليأس أو الكذب على النفس وعلى الآخرين توهّماً بإنجاز المستحيل. ينطبق هذا على الإنفاق والادّخار مثلما ينطبق على كل المتناقضات؛ فعوضاً عن الموازنة فاضِلْ، والمفاضلة – كما أشرنا مراراً - تعني أن تمنح الفعل الأولى حقَّه في أن يرجح نقيضَه بحسب مقتضى كل حال؛ يرجح بأي قدر وإلى أي مدى من الزمان؟ هذا هو السؤال الذي لا إجابة مطلقة عليه، فهو معلّق بكل حالة ومن قبلُ بطبيعة كل فرد بما يسع التأرجح بين الفعلين المتناقضين إلى أبعد الحدود.
للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])