يبدأ فيلم "كولونيا" للمخرج محمد صيام من النهاية، عبر مشهد يخلق حالة من التوهان التي تسيطر على العمل بشكل متعمد والتي تصلنا نحن كجمهور من مقدمة الفيلم، حيث يشرح لنا عالم الشخصية وندخل في الأحداث مباشرة، لتصبح البداية مثيرة للغاية وتجعل المشاهد طوال العرض في حالة سؤال مستمر: ماذا سيحدث وكيف حدث؟
السيناريو: العمق النفسي وكسر القوالب
كان السيناريو هو الجزء الأهم بالنسبة لي في هذا العمل، وقد أعجبني كثيرا البعد عن البداية المبتذلة التي شهدتها في العديد من الأفلام المصرية بالفترة الأخيرة، خاصة في أسلوب السرد الذي يذهب بعيدا عن التقسيم الواضح جدا كما في الروايات أو كتابة التاريخ والأيام على الشاشة، احترم محمد صيام وأحمد عامر عقلية المتفرج في هذا الجزء وسردا الأحداث بطريقة بسيطة تتنقل بين الحاضر والفلاش باك حتى أوصلنا للحدث الحاضر، حيث امتاز السيناريو والحوار بواقعية شديدة، وفي اعتقادي أن صيام وأحمد عامر وضعا خط شخصية "سارة" كـ (ريليف) ليجعل المشاهد يلتقط أنفاسه ببساطة لا أكثر من ذلك، فلم يكن خطها مؤثرا إلا في هذا الجانب وكشف شخصية فاروق لنا بشكل أكبر، وكما كان هو مريضا فهي بتعلقها به مريضة، فالمرضى لا يقعون في حب إلا مرضى مثلهم كما يؤكد لنا علم النفس، ركز السيناريو للغاية على عمق الشخصيات وأبعادها الثلاثة، حيث كانت هناك لازمات معينة عند كل شخصية مثل موضوع الرائحة عند فاروق وموضوع السب عند عمر "الأب"، ناقش هذا السيناريو قضية من القضايا التي أراها لن تحل إلا بعد سنين ضوئية وهي "الذكورة المتكلسة" التي لا يجب فيها على الرجل أن يظهر مشاعره بأي شكل من الأشكال أو يعبر عنها، فنحن كرجال كبرنا وتم تربيتنا على عدم إظهار هذا جانب المشاعر خصوصا للأب، فمن منا استطاع إخبار والده بحبه له من قبل أو التعبير عن ذلك، وتعد هذه قضية حساسة جدا لكنها مهملة، فأهنئهم على اختيار هذا الخط الرفيع المتخفي بداخل منظومة الرجل وخاصة الشرقي.
ما أعجبني أن الحوار لم يكن مفلترا بل كان حوارا حقيقيا بين أب يرى أن ابنه فاشل وأن حساسيته تجعله ليس رجلا، وبين ابن يرى أن أباه هو سبب كل المتاعب التي عاناها في حياته ويجعله شماعة له حتى في تجارته للمخدرات، مع رمي اللوم الدائم من الأب وعدم الرغبة في سماع أي شيء من الابن.
الإخراج: واقعية الحصار والتوثيق
جاء الإخراج بشكل فني بحت، مما أراه عيبا بعض الشيء إذا كان المخرج يريد بيعه تجاريا وعرضه في السينمات كما يحدث في وقتنا هذا، فكان عليه عمل حساب السوق بشكل أو بآخر، لأن الفيلم ليس من نوع الأفلام التأملية التي تعطي أملا في الحياة بالنهاية، بل هو واقعي بواقعية الدنيا التي نعيشها والتي دائما ما تنتهي بأسوأ السيناريوهات وبقسوة لا يمكن تخيلها، لكن بشكل عام كان الإخراج مدروسا بعناية من الناحية الفنية واعتمد على المنزل بشكل كبير، الذي وضع الشخصيات في حالة حصار بسبب "الطرقة" التي تجمع كل الغرف والحمام والمطبخ، فلا يمكن لفاروق الهروب منها إلا وسيقابله والده، مال الفيلم قليلا للإخراج الوثائقي كأنه يوثق الأحداث التي تقع، وأعطى المشاهد حقها مما أخرج فيلما واقعيا للغاية.
الأداء التمثيلي: الخروج من منطقة الراحة
سيكون كلامي عن التمثيل بتحيز قليلا، فأنا يعجبني أداء أحمد مالك كثيرا وشاهدت كافة أعماله واعتبره من أهم ممثلي جيله، ولا أملك أن أقول إلا بأنه برع بدوره كابن مدمن غير قادر على النظر في عين أبيه، والجبان الرافض للمواجهة، حيث بدأت الشخصية في الكشف عن نفسها طوال الفيلم حتى رجعت في النهاية لما كانت عليه من البداية وهو "الخوف".
وبالنسبة لمايان السيد فقد أعجبني أنها بدأت في اختيار اختيارات جديدة في عملها والابتعاد عن منطقة الراحة وترك نفسها للشخصية، وكما قلت كانت هي الشخصية التي تعبر عن الـ (ريليف) في الفيلم والتي أعطت طابعا كوميديا لجميع المشاهد التي ظهرت بها، وكانت من أجمل مشاهد الفيلم وأدتها بكل ثقة وبراعة.
أما كامل الباشا، فقد أحببت كثيرا دوره المعبر عن المثال الأفضل للذكورة بمفهومها الكلاسيكي وقد أداه بكل براعة، والواضح من أداء الممثلين أن صيام يهتم كثيرا بإخراج أبطاله بأفضل صورة ويعمل معهم العديد من البروفات ويهتم بالمستوى التمثيلي، والذي يعد من أهم أدوار المخرج والتي للأسف يجهلها كثير من المخرجين.
صدمة الواقع والبحث عن النجاة
الألوان الباردة في الصورة منحته شعورا عكسيا، حيث أشعرتني بذلك الدفء الخانق مما يعطي إحساسا بتوقف الزمن، كما ظهر هذا في سيارتهما القديمة ومنزلهما والجو العام للفيلم، وأعتقد أن ذلك بسبب موت الأم الذي كان نقطة تحول وتوقف في حياتهما.
يضعنا فيلم "كولونيا" أمام مرآة واقعية قاسية، لا تجمل الحقائق ولا تمنح حلولا وردية، بل تغوص في أزمات موروثة تتناقلها الأجيال، نجح صناع العمل في تحويل "الرائحة" من مجرد حاسة إلى وسيط لنقل الوجع، ليخرج الفيلم في النهاية كوثيقة إنسانية شديدة الصدق عن العلاقات المبتورة والصمت الذي يقتل داخلنا كل محاولة للنجاة أو التعبير و كما هناك فيلم يسمي صمت القصور فهذا الفيلم يمكن أن يُسمى صمت الذكور.
نرشح لك: مهند خيري يكتب: أرستقراطية متآكلة وأغنياء جدد.. تشريح الصراع الطبقي في فيلم "جوازة ولا جنازة"