عمرو منير دهب يكتب: أوان الاعتزال ونهاية اللعبة.. الفصل الأخير من كتاب "نُوْسِعُها ركلاً وحُبّاً"

“لم أعد قادراً، أريد مواصلة مشواري لكني غير قادر، أفكّر بحركة ما لكني لا أتمكن من تنفيذها كما أريد، حان وقت الاعتزال… جسدي يؤلمني، ذهني يريد مواصلة اللعب لكن جسدي يقول لم يعد بإمكاني فعل ذلك”. تلك تصريحات البرازيلي رونالدو لويس نازاريو دي ليما (الظاهرة)، بتاريخ 14 فبراير 2011، نقلاً عن موقع “العربية” الذي ينقلها بدوره عن وسائل إعلام برازيلية.

وفي مباراة أساطير ريال مدريد ضد أساطير روما في منتصف عام 2017، بدت بالفعل مهارة رونالدو الأسطورية حبيسة جسد ممتلئ بوضوح يركض بصعوبة بالغة، فرونالدو – المهووس باللمحات المهاريّة إلى حدّ الإصرار على مراوغة الحارس عند الانفراد به كما أشرنا في سياق مضى – بدا في تلك المباراة خائفاً من الكرة لدرجة أنه كان يمرّرها مباشرة فور استلامها إلى أقرب زميل، وعندما حاول مرّة – خلال الدقائق القليلة التي لعبها من عمر المباراة – التقدّم بالكرة هلّلت له الجماهير في انتظار لمحة ساحرة ممّا عوّدها عليه قبل سنوات ليست بعيدة تماماً، لكنّه بالكاد نجح في “نصف” مراوغة، بل “نصف” تفادٍ لأحد لاعبي الخصم، ثم أبعد الكرة من فوره إلى أقرب زميل وجده في وضعية سهلة للتمرير.

نرشح لك: عمرو منير دهب يكتب: الركل والحب.. الفصل الحادي والثلاثون من كتاب “نُوْسِعُها ركلاً وحُبّاً”

أمّا مواطنه ومجايله – الذي يصغره بثلاث سنوات – رونالدو دي أسيس موريرا الشهير برونالدينيو فقد أعلن اعتزاله اللعب رسمياً بعدها بنحو سبع سنوات في عام 2018، ولكنّه كان قد توقّف عن اللعب رسمياً قبل ذلك التاريخ بثلاث سنوات؛ وجاء في موقع بي بي سي (BBC عربي) بتاريخ 17 يناير 2018: “قرر نجم كرة القدم البرازيلي رونالدينيو اعتزال كرة القدم رسمياً، خاصة أنه لم يشارك في أي مباراة منذ 2015”. أمّا موقع صحيفة “الشرق الأوسط” فقد ذكر في التاريخ نفسه: “لم يلعب رونالدينيو رسمياً في الواقع منذ رحيله عن فلوميننزي (فلوميننسي Fluminense) عام 2015 وكان اعتبر في تصريحات أدلى بها مؤخراً بأنه بات “عجوزاً جداً” لكي يمارس اللعبة”.

المثالان أعلاه لاثنين من أمهر لاعبي كرة القدم على مدى تاريخها، وعند كثيرين أنهما الأمهر على الإطلاق. المفارقة ليست في الاعتزال، فهو النهاية الطبيعية لأية مسيرة عملية، ولكلّ شيء نهاية على كل حال مهما يَطُل الأوان. تحديداً نقف مع بعض مقاطع الفيديو المتاحة على الإنترنت لمشاركات متعددة لكلا اللاعبين بعد اعتزالهما، بل أحياناً قبيل الاعتزال، وتظهر فيها الموهبة العظيمة لكليهما حبيسة جسد متهالك لا تعرف كيف تتحرّر منه لتنطلق في إبداعها الذي ظلت الجماهير تراه كما لو كان سحراً خلال صولاتهما على المستطيلات الخضراء في مختلف بقاع العالم.

وفي مباراة ودّية لأسطورة كرة القدم الكبرى بيليه وهو في الخمسين، يبدو الجميع توّاقاً إلى رؤية لمحات ولو خاطفة من مهاراته الاستثنائية، لكن جسد الأسطورة وهو في بواكير العقد السادس من عمره يخونه حتى مع تمريرة قصيرة لا يُنتظر منه أكثر من أن ينفّذها بدقّة.

الأمر نفسه مع مارادونا عقب اعتزاله، ولكن عندما يُضاف عامل المرض إلى التقدّم الطبيعي في العمر، تصبح رؤية الموهبة وهي تكاد بالفعل تكون حبيسة تماماً في جسد متهالك أمراً باعثاً على الضيق، فاللاعب العصامي – الذي كان يصنع أمجاد منتخب بلاده الوطني والأندية التي لعب لها في كثير من الأحيان بمجهود فيه قدر واضح من الاعتماد الملهم على الذات – بدا عاجزاً عن سحر معجبيه بأية لمحات فنّية، وذلك خلال ظهور متأخر له بعد اشتداد المرض عليه، مكتفياً بمنح أولئك المعجبين السعادة لكونه لا يزال قادراً على الحركة ومجرّد ركل الكرة التي طالما سحرهم بها.

حكى الإعلامي الرياضي المتميّز أيمن جاده قصة عن لاعب عربي يعرفه كان يشعر بالحنين إلى ممارسة كرة القدم بعد اعتزاله إلى درجة أنه ظلّ يرتدي كامل ملابسه الرياضية ثم يقصد ملعب ناديه منتصف الليل فيُساعده بعضُهم (لعله حارس بوابة النادي أو أحد المسؤولين عن الملعب) على الدخول إلى الميدان وإضاءةٍ جزئية للكشّافات الضخمة تسمح للاعب بأن يركض بالكرة في أنحاء الميدان ويتقدّم نحو مرمى خصم غير موجود أصلاً محرزاً هدفاً في مرمى لا يذود عن شباكه حارس، ثم ينطلق اللاعب بعدها لتحية جماهير لا وجود لهم إلّا في خياله الذي يستعيد عبره أمجاداً قريبة غابرة لا يستطيع نسيانها كما هو واضح مع تلك التجلّيات الفريدة لحالة عميقة من الإنكار.

يختلف اللاعبون في قدراتهم على العطاء، تماماً كما يختلف الموظفون في أي مجال في قدراتهم على الاستمرار وبحسب طاقاتهم الإنتاجية بمنأى من تباين السن القانونية للتقاعد في هذه المؤسسة وتلك على اختلاف بقاع العالم. ولكن ثمة تحسّن ملحوظ في قدرة اللاعبين على الاستمرار في العطاء داخل المستطيلات الخضراء بوصفهم لاعبين أساسيين لا على دِكاك البدلاء، فقد ارتفع متوسّط سن الاعتزال – بشكل تقريبي – من بدايات الثلاثينيات ونصفها الأول كما كان شائعاً قبل عقود إلى ما بعد نصفها الثاني حتى الأربعين. وإذا كانت الأسباب المتداولة على هذا الصعيد تحوم حول نظم التغذية التي باتت أفضل بكثير والرعاية الصحية/الطبية المتطورة والعوائد المالية المجزية مع اتّساع سوق اللاعبين وزيادة العرض بتحوّل الأندية إلى شركات ربحية خاصة وما إلى ذلك مما هو بالفعل منطقي في هذا السياق، فإن من المهم الانتباه إلى أن قدرة الفرد على العمل في أي مجال قد ارتفعت بوضوح حتى بعد سنّ التقاعد الرسمي في معظم بقاع الأرض على اختلاف المجالات، فلم تعد الستّون أو الخامسة والستّون مقنعة بالقعود في البيت بالنسبة لكثير من الموظفين الذين باتوا يبحثون بعد التقاعد الرسمي عن العمل بدوام كامل وليس لبعض الوقت على سبيل التسلية. يمكن إجمال تفسير ذلك في أن معدّل/متوسط عمر الإنسان نفسه قد ارتفع للأسباب ذاتها التي يمكن تلخيصها في نمط حياة يتّسم بالوفرة والرعاية الصحية الفائقة؛ وفي ضوء ذلك تكاثرت المغريات المادية بما بات يحث على جمع المزيد من المال للاستهلاك في حياة أضحت أشبه بسوق كبير مفتوح كلّ ما فيه متاح للجميع ولكن كلّ بحسب ما في حوزته من المال.

بعيداً عن الأسباب الداعية إلى الاعتزال، من قبيل ما أشرنا إليه كالتقدّم الطبيعي في العمر وتراجع القوة الجسدية من ثمّ أو تهالك الجسد بسبب إصابات متكررة في الملاعب أو غير ذلك من المشاكل الصحية المعقدة، فإن الأدعى إلى النظر مع الاعتزال هو ما يتركه اللاعب خلفه من إنجازات وتاريخ ملهم على نحو ما.

في خاتمة كتاب When Science Goes Wrong، الترجمة العربية بعنوان “عندما يضلّ العلم الطريق” ضمن مشروع “كلمة” بهيئة الثقافة والسياحة في أبوظبي سنة 2009، يقول سايمون ليفاي Simon Levay: “هذه هي ردة فعلي الشخصية للقصص التي قصصتها عليكم، وفي ظنّي أن أغلب العلماء سيوافقونني الرأي. هناك احتمالات هائلة لجنوح العلم عن جادة الصواب حتى أن العلماء الذين ينهون حياتهم العملية دون أن يتعثروا ولو عثرة واحدة لا يعتبرون أنفسهم (فقط) أذكياء أو حذرين أو على قدر عالٍ من الأخلاق، بل ومحظوظين أيضاً”.

في كرة القدم هذا مستحيل، فأفضل اللاعبين ممن يُعدّون من الأساطير ليس بإمكانهم إنهاء مسيرتهم العملية في الملاعب دون خسارة، بل دون خسارات فادحة، وفي كثير من الأحيان يمرّون بمنعطفات بالغة الإحباط تدفعهم حرفياً إلى أن يذرفوا دموع الحسرة. تلك طبيعة كرة القدم، ولكن ليس من شأن الخسارة مهما تكن فادحة أن تقلّل من إنجاز اللاعب الأسطورة أو أيِّ من اللاعبين بصفة عامة؛ ولعله من أجل ذلك صيغ مصطلح “الروح الرياضية” – الذي تحفظّنا فيه ولمزناه في مقام سابق – من أجل حث اللاعبين على تجاوز عثرات الخسارات التي لا يمكن تلافيها بحال في عالم كرة القدم.

يعتزل اللاعب ولكن اللعبة نفسها تستمرّ بعده بطبيعة الحال مهما تبلغ مكانة اللاعب المعتزل من المجد، فماذا عن أوان نهاية اللعبة نفسها؟ يبدو السؤال صادماً لعشّاق كرة القدم، ولكن الكاتب الأرجنتيني غوستابو لومباردي يجرؤ على التنبّؤ – وإنْ على سبيل الخيال – بذلك تحت عنوان “عالم بدون كرة”، وذلك ضمن كتاب “حكاية عامل غرف” الصادر عن دار مسعى للنشر والتوزيع بأوتاوا الكندية سنة 2018. هكذا تبدأ فانتازيا لومباردي: “يمر اليوم 450 عاماً على آخر مرة كانت فيها الأرجنتين بطلاً للعالم. أعلم أنه لم يعد أحد يهتم بكرة القدم، بل وإن الكثيرين لا يعرفون ماهيّتها، لكن هذه الرياضة القديمة دائماً ما أثارت انتباهي. سمعت عنها حينما أجريت دراساتي العليا بفضل أستاذ مُوقّر كان يُدرّسها لي في تلك الفترة. لا توجد حاجة لأقول إنني لم أمارسها. لم أمسك بتاتاً بكرة قدم بين يديّ، فالمساحة المادية المطلوبة للعبها اليوم باتت مستحيلة… على الأقل في كوكب الأرض”.

الجزء الأكثر إثارة للمشاعر في قصة لومباردي يأتي قبل نهايتها – كما في كتاب “حكاية عامل غرفة” الذي نقتبسها عنه – بنحو ثلاث فقرات: “كانت الكرة رمزاً لحقبة، بل عنصراً هاماً داخل الحياة البسيطة والأساسية في تلك الفترة، أبطالها نماذج يرغب الشباب في نسخها، مثلما حدث ذات مرة، منذ فترة أكثر بعداً في الزمن، مع محاربي المعارك القديمة. هؤلاء الأبطال الأسطوريون الذين مثلوا الروح القومية للشعوب، حلّ لاعبو كرة القدم مكانهم في بداية القرن الحادي والعشرين. لم تعد تتبقى سوى آثار قليلة من هذه الرياضة على كوكب الأرض. يقولون إن بعض السكان التائهين المنسيين الذين يعيشون في “الملاحات الشرقية” ما زالوا يمارسونها، كشعيرة قديمة لكي لا ينسوا كيف كانت حياتهم ذات مرة”.

مهما يكن عشقنا لكرة القدم، ليس من الحكمة المجادلة والإصرار على أن ذلك لن يحدث أبداً، فلا أحد على يقين ممّا يمكن أن يكون عليه حال العالم بعد بضعة عقود فضلاً عن أربعة قرون، فشكراً لخيال الكاتب الذي يبشّرنا بأن ذلك لن يقع قريباً على كل حال.

ولكن بعيداً عن الخيال، يبقى السؤال التالي مطروحاً بقدر من الجديّة حول ما يمكن أن يحدث على المدى المنظور: هل ستظل كرة القدم على عرشها بوصفها الرياضة الأوسع انتشاراً وأكثر شعبية على مستوى العالم بصفة عامة أم من المحتمل أن تزاحمها إلى تلك المكانة وتنتزعها منها رياضة أخرى؟

مجدداً، مهما يبلغ عشقنا للعبة، لا يجب أن يكون السؤال السابق مستغرباً؛ ليس فقط بالنظر إلى الرياضات الأخرى التي تتجاوز كرة القدم شعبيةً في العديد من دول العالم في يومنا هذا، مثل كرة القدم الأمريكية وكرة السلة في الولايات المتحدة الأمريكية وهوكي الجليد في كندا ومثل الكريكت في الهند وباكستان، ولكن أيضاً بالنظر إلى الاكتساح العظيم الذي نراه ونلمسه اليوم لبركات التكنولوجيا فائقة الحداثة ممّا لم يعد يشار إليه بالألعاب الإلكترونية وإنما الرياضات الإلكترونية، وذلك دون أن ننسى جدالاً آخر حول ما يستحق صفة “رياضي” من الألعاب والأنشطة، فالمستقبل القريب جداً كما بات واضحاً حافل بالتحدّيات والمفاجآت من كل قبيل.

للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])