تحليل

أحمد عمر يكتب: “أصحاب ولا أعزّ”.. هل وكيف ولماذا؟!

منذ يومين ذهبتُ إلى السينما لمشاهدة فيلم “الجريمة” واستمتعت بالفيلم، لكني لم أمنع نفسي من التأثر بأحداث الفيلم، فانتابتني مشاعر مختلطة بين التعاطف والاستغراب من قصة الفيلم (ربما أوضح ذلك في مقال لاحق) لكنني بعدما عدتُ إلى المنزل، نازعتني رغبة في مشاهدة فيلم آخر، وكأني لم أُشبِع رغباتي السينمائية، فشاهدتُ فيلم “أصحاب.. ولا أعزّ”، على منصة “نتفليكس” وكنت قد شاهدت الفيديو الدعائي له “التريلير” في مطلع يناير الجاري، رغم أني أتوجس دائمًا من أعمال “نتفليكس” الأصلية.

شاهدتُ الفيلم ولم أكن قد قرأت أي تعليقات أو أخبار عنه، وهذه عادتي، خشية أن أتأثر برأي أحدهم. لكني بعدما شاهدت الفيلم، ظهر لي في التايم لاين على فيسبوك (لا أعرف كيف؟!) العديد من المنشورات ذات الصلة بالفيلم، تدور في مجملها حول 4 قضايا: الملابس الداخلية لبطلة العمل الفنانة منى زكي، وتحديدًا القطعة السفلية منها، وأحد أبطال العمل “المِثلي جنسيًا” (أو الشاذ كما كنا نطلق عليه سابقًا)، والخيانة الزوجية، والجنس قبل الزواج وزنا المتزوجين.

نرشح لك: “أصحاب ولا أعز”.. له ما له وعليه ما عليه!

وقبل الخوض في أي تفاصيل، أطرح هذا السؤال: هل الأعمال السينمائية (الإبداعية عمومًا) يُمكن وضعها على ميزان الصواب والخطأ، أو أن نقيسها على معيار الأخلاق والقيم؟! إجابتي الشخصية، نعم، بلا شك؛ لأنه لا يجب أن يتعارض أي عمل إبداعي مع قيم المجتمع، مهما كانت هذه القيم، وهذا ليس حصريًا على المجتمعات المسلمة أو الشرقية المحافظة؛ بل إنها قاعدة عامة مُطبقة في شتى أنحاء العالم، حتى العالم المتحرر نفسه.

تخيل مثلًا أنك أنتجت فيلمًا يُمجّد النازية، أو مسلسلًا ينتقص من الديمقراطية الغربية، أو حتى كتبتَ مقالًا تحرّض فيه على رفض القيم الجمهورية في الولايات المتحدة، أو أي عمل إبداعي يتعارض مع القيم العلمانية الغربية، أو أنتجت فيلمًا في الهند يتعارض مع العقيدة الهندوسية، هل تعتقد أن المجتمع أو القانون سيتركك لحال سبيلك ويضع ذلك في إطار “حرية التعبير”؟ هل تظن أنك ستفلت من العقاب المجتمعي أو مقصلة العدالة القانونية؟!

إذن نحن نتحدث عن عمل فني يُمكن أن نضعه في ميزان القيم المجتمعية، خصوصًا إذا كان هذا العمل يجسد واقعًا مُغايرًا بدرجة كبيرة عن الواقع الحقيقي، وليس الواقع الذي يراه المؤلف!

أزمة فيلم “أصحاب.. ولا أعزّ” أنه ليس سوى إقحام متعمّد لقيم وأخلاقيات غير ظاهرة على السطح في المجتمع العربي، المُستهدف في هذا الفيلم أساسًا؛ بل إن الأمر تحوّل إلى رغبة في غرس أفكار ومعتقدات في نفوس المشاهدين، للزعم بأن “هذا طبيعي” أو “هذا يحدث” وكأن ذلك الواقع من وجهة نظر المؤلف يعكس بالفعل الحياة خارج شاشة الهاتف التي كنتُ أشاهد من خلالها الفيلم.

يأتي أحدهم ويقول: أليس في مجتمعاتنا العربية من يخونون أزواجهم ويشاهدون الصور الجنسية العارية، وأقول: بلى، هناك ذلك، لكنهم ليسوا معروفين، ولا يعلنون ذلك على الملأ؛ بل إن حالات الطلاق التي تقع نتيجة الخيانة الزوجية لا يتم التصريح بسبب الطلاق، ويكتفي الطرفان بالقول “مفيش نصيب”!

وماذا عن ممارسة الجنس قبل الزواج، ألا توجد في مجتمعاتنا هذه الممارسات؟ الإجابة: بلى، هناك ذلك أيضًا، لكن الأمر ليس مستساغًا، وهناك جرائم قتل تقع تحت دعوى “الشرف” و”حماية العِرض”، حتى لو لم يكن أيٌ من الفتاة أو الشاب قد مارس الجنس فعلًا، كل ذلك لأن المجتمع يرفض مثل هذه الأفعال علانية، المجتمع لا يرى ذلك حرية شخصية، أو تلبية لرغبات الجسد، أو طيش شباب؛ بل يراه عملًا مجرّمًا مأثّمًا، ولا يتسامح معه طالما خرج من دائرة السر والستر إلى العلانية والفضيحة.

الأمر كذلك بالنسبة للمثلية الجنسية، وهذه الكارثة الكبرى، فالأمر لم يعد يُروَّج له باعتباره حرية شخصية، أو انحراف في الميول الجنسية للإنسان، وإنما تجري الدعاية له باعتباره حقًا من الحقوق، والأدعى والأمرّ أن دولًا تُشرعِن هذه الميول، بتقنين زواج الرجل من الرجل، والمرأة من المرأة، في تعارض صارخ مع الطبيعة الكونية، حتى إن البهائم لا تمارس ذلك مطلقًا، وهي التي لا تملك عقلًا أو فكرًا. في حين أن الفيلم يروّج للأمر وكأن هناك من عنده استعداد لتقبُل الشاب المثلي، والآخر رافض ليس من منطلق القيم والأخلاق، بل من منطلق “لماذا لم تخبرنا بذلك من البداية، ألسنا أصدقاؤك؟”.

مشكلة هذا الفيلم ليس في أنه يعرض هذه القضايا الحساسة؛ حيث إن عرض مثل هذه القضايا مطلوب ويجب أن يحدث، لكن بأي كيفية؟ ووفق أي منهجية؟

تاريخ السينما المصرية مليء بقضايا المثلية الجنسية ومنها “حمام الملاطيلي” (1973) و”عمارة يعقوبيان” (2006)، لكن العبرة في كيفية تقديم القضية ومعالجتها. تاريخ السينما أيضًا عالج قضايا الخيانة الزوجية بأفلام وأعمال درامية ربما لا يُمكن حصرها، وأيضًا قضايا ممارسة الجنس قبل الزواج، لكن لم يصل الأمر في جميع ما سبق إلى أن روّج العمل الفني للقضية بتصالح مع الذات المجتمعية.

من الصادم للغاية أن الفيلم عرض القضايا المذكورة وكأن المجتمع يتقبلها، ربما كنتُ اقتنعت بأن الفيلم منقول حرفيًا من نسخته الأصلية الإيطالية دون تغيير في التفاصيل، لو كانت الأحداث تقع في مجتمع آخر غير عربي أو شرقي، لكن الإشكالية العميقة في هذا العمل أنه ألبسَ النسخة الإيطالية على المجتمع العربي.. فهل من الشائع في المجتمع العربي أن يتقبل الأب فكرة ممارسة ابنته للجنس وهي لم تُكمل عامها الثامن عشر؟ ويتصالح مع نفسه ومع زوجته بأنها حرة في قرارها لكي تظل عذراء أو أن تفض غشاء بكارتها مع صديقها الذي اتصل بها مخصوص كي “تنام معه”؟

هل من الشائع في المجتمع العربي أنه عندما يفتضح سر البطلة (منى زكي) مع أحد الأشخاص الذين كانت تراسلهم على “فيسبوك” وأنه طلب منها أن تذهب إلى عزومة العشاء دون قطعة الملابس الداخلية السفلية، فتفعل ذلك عن عمدٍ، ثم عندما يضبطها زوجها أمام أصدقائها، تكون إجابتها أنه شخص لا تعرفه وأنها كانت تمزح معه فقط؟ فيشعر الزوج بالحرج لأنه “شك” في زوجته “الشريفة”؟! وكأن المجتمع العربي يتقبل الخيانات الإلكترونية التي تحدث “عن بُعد” وبلا ملامسة!!

الحقيقة أن عشرات الأسئلة وعلامات الاستفهام يمكن طرحها حول هذا العمل الفني، لكن السؤال الأهم: هل يرقى هذا العمل الفني لنقول عليه فعلًا إنه “عمل فني”؟

وجهة نظري، أن الحبكة الدرامية سخيفة وغير مستساغة ولا يُمكن تخيُّلها أصلًا، فقيمة الخصوصية يُفترض أنها أصيلة في أي مجتمع، وخاصة الغربية التي خرج منها العمل الأصلي، فكيف يمكن التخلي عنها بسهولة من باب “تعالوا نلعب لعبة.. كل واحد يحط تليفونه على السفرة ونقرأ أي رسالة ونسمع كل مكالمة تأتي”!!

هل الحياة لُعبة؟ هل الخصوصية لُعبة؟ هل التطفل والرغبة السادية والتلصص يمكن أن تكون لُعبة؟

كاتب

إعلام دوت كوم صوت الميديا العربية

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock