ماذا قالت لنا سناء البيسي عن هيكل ومحفوظ والشعراوي ونصف الدنيا؟

أمنية الغنام

عندما قال نجيب محفوظ: ملاليم سناء ولا ملايين العرب.

– لماذا وضعت عبارة بخط يد أديب نوبل داخل برواز؟

سبب انتقال سناء البيسي من الأخبار للأهرام.

– حكاية قصة توفيق الحكيم التي لم تنشرها إلا بعد وفاته.

سناء البيسي لأفكار الخرادلي: مش عايزة عدد خاص عني.

– بائعو الصحف كانوا يتوسطون للحصول على نسخ أكثر من نصف الدنيا.

صلاح جاهين استوحى كلمات أغنية الشوكولاتة في الثالثة فجرًا.

– هذا هو العيب الوحيد في عمر طاهر.

لماذا خلعت الحجاب أمام الشيخ الشعراوي؟

– كتاب ديني.. جديد سناء البيسي في معرض الكتاب.

“لم أفهم من كلماته شيئًا لأنها تاهت وسط دخان سجائره الكثيف”، هكذا عبّرت الطالبة سناء حسين البيسي عن زيارة الصحفي الكبير مصطفى أمين لكلية الآداب قسم الصحافة عام 1955، وهكذا التقط موهبتها “أمين” ليطلبها للتدرب في جريدته “أخبار اليوم“؛ وهي في السنة الأولى من المرحلة الجامعية.

سناء البيسي من الصحفيات القلائل اللاتي أُتيحت لهن مواكبة عمالقة الصحافة والأدب على مدار تاريخها، أمثال نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس، وآخرون.. واستطاعت أن تجد لنفسها مكانةً وسط هؤلاء تحسدها عليها الكثيرات.

سناء البيسي ليست فقط صحفية أسست وترأست مجلة “نصف الدنيا، بل هي كاتبة وفنانة تشكيلية وتحظى بحس فني عالٍ.

في منزلها الذي تكتسي جدرانه بلوحات زوجها الفنان التشكيلي منير كنعان، يعكس كل ركن فيه حالة جمالية مختلفة جمعت ما بين الفن التجريدي والتكعيبي ولوحات من “الكولاج”، بالإضافة لأول “بورتريه” رسمه لزوجته سناء البيسي عام 1956.. وهناك ركن خاص بالتكريمات والجوائز التي حصل عليها الزوجان وصورها مع الرئيس “السادات” أثناء زيارته للأهرام وصورة لها مع وزير الإعلام الأسبق عبد القادر حاتم أثناء تفقده إحدى معارضها، وبالطبع صور للعائلة والأحفاد، في هذا المنزل البديع الذي فاز في إحدى استفتاءات مجلة لبنانية شهيرة كأجمل ديكور.

“لوحة من الكولاج لزوجها كنعان”
“مع وزير الإعلام الأسبق عبد القادر حاتم”

وفي تمام الثانية عشر ظهرًا استقبلت سناء البيسي إعلام دوت أورج للحوار معها عن أبرز ذكرياتها وحكاياتها في عالم الصحافة، ودار الحوار التالي:

كتب لها الأديب الكبير نجيب محفوظ في 2003 رسالة “هيهات أن أبلغ ذروة البلاغة التي تتمتعين بها”، حرصت على بروزتها في إطار موضوع في ركن خاص يحمل تذكارات وتكريمات لها ولزوجها الفنان التشكيلي منير كنعان.. تقول عن مناسبة هذه الرسالة: “جاءتني منه تعبيرًا عن امتنانه لإحدى المقالات التي كتبتها عنه، وهذه ليست الرسالة الوحيدة منه وما زلت أحتفظ بالأظرف الخاصة بهذه الرسائل ولا زال مكتوبًا عليه بهذه (مع تحياتي)”.

“رسالة من نجيب محفوظ لسناء البيسي عام 2003”

دائمًا ما كنت أشعر أن هناك صلة روحية تجمعني بالأديب نجيب محفوظ، وتمتد ذكرياتي معه لسنواتي الأولى كطالبة تعمل تحت التمرين في “أخبار اليوم” حتى توليت رئاسة قسم المرأة، فقد كان زميلي في الغرفة الكاتب الساخر محمد عفيفي صاحب “ابتسم من فضلك”؛ وكان واحدًا من “شلة الحرافيش”، التي تضم نجيب محفوظ والفنان أحمد مظهر، وكان يستعد “عفيفي” للقاء كل يوم خميس ويحكي لي عن حواديت وحكايات نجيب، ونجيب يعلم صلتي بـ”عفيفي” وكيف أن حكاويهم تصلني. عندما انتقلت للأهرام وتوليت تأسيس ورئاسة تحرير مجلة “نصف الدنيا” طلبت منه أن يشارك بكتاباته في أعدادها الأولى وبالفعل قرّر أن يكون كل إنتاجه وقصصه تنشر على صفحات المجلة وكان يُعلّق “ملاليم سناء ولا ملايين العرب”.

ظلت الرابطة بيننا قوية حتى إنه قبل أن يتعاقد على نشر كتابه الأول “أحلام نجيب محفوظ” مع دار “الشروق”، وفي وجود الأستاذ محمد حسنين هيكل، اشترط أن أكون أنا من يكتب مقدمة الكتاب، وأذكر أنني أحضرت له الرسّام حجّي ليرسم له تلك الأحلام للدرجة التي أقام بها معرضًا بالأوبرا بعد ذلك.

وتسترسل في ذكرياتها عن “محفوظ”، بعد الحادثة التي تعرض لها وإصابته في يده وأصبح يعاني من صعوبة في الكتابة وتشابك خطوطه وتداخلها ببعضها البعض، قائلة: كنت أنا الوحيدة التي تستطيع فك تلك الخطوط وقراءة كلماته، وعندما كانت تصعب عليّ قراءة كلمة ما وأعود وأسأله عنها كان يجيبني “اكتبيها إنتِ يا سناء بطريقتك” وهذا يعكس مدى الثقة التي كان يمنحني إياها، حتى أن أحد أدراج مكتبه كان يُسمّيه درج الست سناء.

من ذكرياتي الجميلة عنه عندما أردنا في “الأهرام” أن نُقدّم له هدية بمناسبة عيد ميلاده، ولأنني أعي تمامًا الدور العظيم الذي لعبته زوجته ليتفرغ لإبداعاته حتى وصل لجائزة نوبل، قررت أن تكون الهدية لزوجته وبالفعل اشترينا لها أسورة من الذهب على شكل ثعبان ورأسه من الألماس وبباقي المبلغ قمت بشراء أزرار للقمصان من الألماس لأديبنا الكبير، لكن زوجته علّقت ضاحكة أن ارتداء ذلك ليس من طباعه وعرضت عليها أن تقوم بتحويل تلك الأزرار إلى خواتم لبناتهما.

من جاور السعيد

دائمًا ما كانت تعتبر نفسها من الصحفيات المُدللات، فهي منذ خطواتها الأولى في عالم الصحافة وهي محاطة بعمالقة المهنة وروادها سواء مع بدايات عملها بـ”أخبار اليوم” في الخمسينات أو عند انتقالها للأهرام في منتصف الستينات، وعن تلك المرحلة تحكي لنا:

بدايتي كانت في “أخبار اليوم” حيث تربيت في مدرسة مصطفى وعلي أمين التي تميل لكل ما هو لافت ومثير من أخبار وأحداث وتدرجت حتى توليت رئاسة قسم المرأة بمجلة “آخر ساعة”، حتى فوجئت بالمد الشيوعي والتوجه الاشتراكي يسيطر على “أخبار اليوم” ليتعرض معه مصطفى أمين للسجن ويرحل مجموعة من الصحفيين ويأتي آخرون مثل كمال رفعت. كان زوجي منير كنعان في ذلك الوقت المشرف الفني في “أخبار اليوم” وتعرضنا أنا وهو لضغوط ومضايقات وتقريبًا التزمنا منزلنا خاصة بعد إحدى المقالات التي كتبتها فما كان من “كنعان” إلا أن توجه لمحمد حسنين هيكل وكان يرأس تحرير “الأهرام” -وهما أصدقاء عمر- وشكى له ما يحدث، فأتى بي “هيكل” وأخبرني: “اعتبري نفسك اتعينتي في الأهرام” وقام بإمضاء قرار تعيني وطلب عدم إخباري بذلك لعلي أمين تحرجًا منه فهو من تلاميذه حتى يجد هو الطريقة المناسبة لإخباره ولكن الذي حدث أن “هيكل” استطاع إقناع علي أمين نفسه بالعمل في “الأهرام”.

عندما انتقلت للأهرام كان مكتبي يقع في الدور الرابع وكان من الزجاج وما في شخصية عامة كانت تزور الأهرام إلا وحضرتها ورأيتها لحرص “هيكل” على أن يأخذهم في جولة داخل المبنى، أذكر الرئيس “القذافي” أثناء زيارته لنا سألني مبتسمًا “وانتي بتاخدي كام”، أو زيارة الملك حسين ملك الأردن؛ لكن الزيارة التي لا أنساها أبدًا وكاد قلبي يتوقف معها، كانت زيارة الرئيس جمال عبد الناصر، وربكتي هل يدخل المكتب ويراني جالسة أعمل أم أقف لاستقباله، حتى دخل الغرفة ومن خلفه “السادات” وقام بالسلام عليّ فهدأت.

“صورة أثناء لقائها مع الرئيس السادات”

لم أكن أشعر بالراحة في وجودي بالطابق الرابع بمبنى “الأهرام” وكنت أطمع أن يكون مكتبي بالطابق السادس وكان للشاعر صلاح جاهين مكتب به فاستأذنته بأن أنتقل معه فرحّب قائلًا: “إنتي لسه ما انتقلتيش”، وبالمناسبة عندما عمل “جاهين” في “أخبار اليوم” طلب هو الآخر أن يكون مكتبه في نفس غرفتي. في الدور السادس كنت أشعر أنني أتجول في حدائق الفكر فأمام مكتبي كان مكتب أحمد بهاء الدين وبجواره مكاتب لويس عوض، يوسف إدريس، بطرس غالي، صلاح الطاهر، بنت الشاطئ، ود. حسين فوزي، وطبعًا الأديب توفيق الحكيم.

كنت محظوظة جدًا بمجاورتي لهؤلاء وكان “هيكل” يقول لي “لا يوجد صاحب فكر في العالم العربي أو صاحب رأي أو قلم إلاّ وأحضرته للأهرام فحاولي الاستفادة من ذلك بأقصى صورة”، وبالفعل كنت محبوبة من هؤلاء العظماء وكنت من المرحبين بهم في مكاتبهم، فتوفيق الحكيم كان دائمًا ما يدعوني لشرب القهوة عنده، وأذكر هنا موقفًا طريفًا.. كان زوجي “كنعان” يتصل هاتفيًا يبحث عني بين المكاتب فأجابه مرة توفيق الحكيم وقال لي ضاحكًا: “جوزك” فرددت عليه مداعبة: “بيغير منك على فكرة”.. وأذكر أيضًا مقالة له بعنوان “البعبع” أراد مني نشرها وكانت عن النقاب لكني لم أنشرها وقتها واحتفظت بها وقمت بنشرها بعد رحيله بـ 10 سنوات وحذفت كلمة “بعبع” من العنوان؛ لم أشعر بفجوة يومًا ومن حولي هؤلاء القامات وجميعهم أثروا حياتي وتاريخي الصحفي، رحمهم الله زارني أغلبهم في منزلي وحضروا معظمهم معارض زوجي “كنعان”.

أنا وهيكل

غالبًا ما كان “هيكل” نعم العون والسند لي سواء على المستوى الشخصي في وقوفه بجواري في وفاة “كنعان” أو فترات مرضي وإجرائي لعمليات الدعامات في القلب، ومؤازرتي عندما تعرضت لضغوطات من رئيس التحرير السابق للأهرام محمد عبد الهادي وتوقفت معها عن الكتابة ونشر مقالاتي لمدة عام كامل.. فعند زيارة “هيكل” للأهرام وقتها حرص على أن يظهر وقوفه لجواري ووضع يده على كتفي وضمني إليه في إشارة منه لدعمي الكامل، وكنت الصحفية الوحيدة التي سمح لها “هيكل” بإجراء حوار مع زوجته على 5 صفحات، بل وإجراء حوار معه هو شخصيًا.

وهنا يحضرني موقف طريف عندما كان اللقاء الأول لحواري معه أراد ابني هشام أن أقوم بتسجيل الحوار وليس الكتابة بيدي كالمعتاد، وحملت الجهاز وتوجهت لمكتب “هيكل” وبعد انتهاء اللقاء توجهت لمقر “نصف الدنيا” وفوجئت بأن التسجيل لم يسجل شيئًا على الإطلاق وأصبت بحالة من الحزن لأنه كان قد تحدث عن أشياء لم يتحدث عنها من قبل خاصة ما يتعلق بوالده، ونصحني وقتها أحد الصحفيين بأن أغلق الباب على نفسي وأحاول أن أتذكر الحوار.. لكن للأسف لم أتذكره كاملًا حتى أنني حاولت في اللقاء الثاني لاستكمال الحوار معه أن استدرجه لمعلومات قالها سابقًا لكن دون جدوى، هذا الموقف كاد أن يتكرر مع السيدة سوزان مبارك أثناء حواري معها لكنها طلبت من أحد رجال الرئاسة إحضار جهاز آخر تحسبًا.

“دولاب هدايا ورثته عن والدتها تحتفظ فيه بتذكارات من موسكو ودول مختلفة”

نصف الدنيا لم تكن حلمًا

عندما عرض عليّ إبراهيم نافع فكرة إنشاء مجلة للمرأة ترددت كثيرًا بل وتخوفت أيضًا، فأنا أحب إتقان ما أعمل وتجربتي في قسم المرأة في مجلة “آخر ساعة” كانت كفيلة بتعريفي بحجم المسئولية والإرهاق لحد الدخول في دوامة لا تنتهي من التعب ليجد الإنسان نفسه في غفلة من الزمن وقد مضى من عمره فجأة 20 سنة.. وجاء إصرار “نافع” على تنفيذ مشروع المجلة وكانت بدايتها كبيرة وقوية بالافتتاحيات التي كان يكتبها أحمد بهاء الدين وكتابات يوسف إدريس ونجيب محفوظ، كان بها محتوى طبي وعلمي وكنت أحرص على نشر الموضوعات المختلفة من وكالة “جاما” والكتابة عنها أحيانًا قبل مجلة “باري ماتش” العالمية.

اخترت جميع الصحفيين العاملين في مجلة “نصف الدنيا” على “الفرّازة”، واهتممت جدًا بإتاحة الفرصة لهم للسفر للخارج وتوزيع المكافآت عليهم بدلًا من إقامة الحفلات كمظهر اجتماعي.

أعتبر “نصف الدنيا” هي المجلة الأم التي يتشعب منها كتالوجات في مجالات عدة ككتالوج الديكور مثلًا الذي تم تسميته بعد ذلك بـ”عش الحبايب”.. وتطور الأمر بعد ذلك لتصدر مجلات كاملة عن الديكور مثل مجلة “البيت”. بلغ عائد توزيع مجلة “نصف الدنيا” في مرحلة ما حوالي مليون جنيه من الإعلانات فقط، وكثيرًا ما كان يتوسط موزعي المجلة للحصول على مزيد من الأعداد.

بعد 17 سنة من رئاستي لتحرير “نصف الدنيا”، وجدت إبراهيم نافع يخبرني أنه قد حان الوقت ليغادر هو وأنا أماكننا، قائلًا لي: “أنا وعدتك يا سناء طول ما أنا على الكرسي هتكوني إنتي على كرسيكي”، لم أستوعب في البداية خاصة أنني لم أكن أشغل بالًا بسن المعاش وكان يتم التجديد لي، وطلب مني “نافع” أن أرشح له من يخلفني وكان جميع أبنائي دون استثناء يصلحون للمهمة لكن وقع اختياره على الزميلة أفكار الخرادلي ولم تكن من أبناء المجلة.

تركت “نصف الدنيا” أو بالأحرى “ابنتي” ولم أحاول الاقتراب مرة أخرى وابتعدت تمامًا، حتى أن أفكار الخرادلي أرادت أن تصدر المجلة عددًا خاصًا عني فرفضت قائلةً: “أنا لا أريد أن يكتب عني أحد وأنا لم أمت بعد حتى يُصدر عني عدد خاص”.

حتى مع وفاة “الخرادلي” وتولي تلميذتي النجيبة أمل فوزي رئاسة التحرير لم أتدخل يومًا في شئون المجلة وما زال جميع من فيها على علاقة طيبة جًدا معي ويقومون بزيارتي والاحتفال بي في أعياد ميلادي.

“الدولاب ورثته عن والدتها وهي التي قامت برسم الحلي عليه”

“يا تجيبلي الشيكلاته يا ولا”

عندما كتبت سناء البيسي حلقات المسلسل الشهير “هو وهي” الذي قام بإخراجه يحيى العلمي عام 1985، ربما لم تكن تعلم أن الشاعر صلاح جاهين كاتب أغاني المسلسل سيستوحي من حياتها الشخصية بعضًا من أغاني هذا العمل الدرامي التلفزيوني وعن ذكرياتها عن حكايات “هو وهي” تقول:

كان صلاح جاهين يسكن بجوارنا وكنا كثيرًا ما نلتقي للإعداد للمسلسل ودائمًا ما كنت أتوقع منه اتصالا تليفونيا في الواحدة أو الثانية صباحًا للسؤال عن أي شيء، فهو كائن ليلي ويمتد سهره.. في إحدى الأيام اتصل بي الثالثة فجرًا يسألني “إوعي تكوني نمتي يا سناء” فأجيبه ضاحكة :لا أنام إيه يا صلاح” يرد “طيب كنعان لما يحب يدلعك بيعمل إيه أو إنتي بتطلبي منه إيه” أرد “أطلب منه شيكولاته يا إما بلاش” يرد ويقول “طيب ولو الشيكولاته ساحت” أرد عليه “يبقا راحت مطرح ما راحت”؛ وهكذا جاءت أغنية “لا تجيبلي الشيكولاته يا ولا”؛ كان “جاهين” يتمتع بإحساسٍ عالٍ جدًا بالكلمات ويلتقط الجميل منها.

حبيبي عمر طاهر

أشعر بالفخر أن معظم أبنائي وتلاميذي من الصحفيين أصبحوا على رأس صحف مصرية أو عربية، ومنهم من يعمل في الصحف الأجنبية، وأحب متابعتهم جميعًا أمثال زينب عبد الرزاق، أمل سرور، سهير حلمي، علياء شهبة، عبد اللطيف نصار وعلي السيد، وطبعًا عمر طاهر -بابتسامة على وجهها- أفردت الحديث عنه قائلةً:

حضر لي يومًا عُمر طاهر الذي تربطه صلة قرابة بالزميل محمد عبد الجواد ليعرض عليّ بعضًا من مقالاته، عندما قرأتها طلبت منه المزيد وبالفعل أحضر مقالات أخرى استمتعت بقراءتها ووجدته يتمتع بحس كوميدي مختلف وأخبرته أن يعتبر قرار تعينه منتهيًا، وكانت بداياته هائلة ومبشرة جدًا خاصة سفرياته للخارج مع الزميلة أمل سرور وكتاباته عن الهند والدول المختلفة التي زارها.. لكن نشاطه بدأ يقل تدريجيًا لأنه كسول بطبعه وهذه هي الآفة الوحيدة التي أراها فيه “أنا فعلًا مستخسراه”؛ حتى أنني كتبت له رسالة أعاتبه على ذلك، بالمناسبة ذكّرني هو بتلك الرسالة عندما قابلته وزوجته رمضان الماضي وأخبرني ضاحكًا أنه ما زال محتفظًا بها أمامه على مكتبه، أُحب لعمر طاهر كتاب “صنايعية مصر” ولا يوجد كتاب له إلّا ويحرص على إرسال نسخة لي منه.

“صورة والدها بالطربوش وزوجها كنعان مع حفيديه”

ابني وأمين والشعراوي

هشام ابني خريج سياحة وفنادق لكنه موسوعة، يقرأ في مجالات عدة ومتدين جدًا، ألجأ إليه في كثير من القضايا. عندما أتم دراسته الجامعية أبدى لي رغبته الشديدة في مقابلة مصطفى أمين والشيخ الشعراوي، ورتبت له اللقاء مع “أمين” وفوجئت به يسأله لماذا يهاجم الصحفيون بعضهم البعض ويهد كل منكم الآخر؟ جاء رد “أمين” عليه قائلًا: “كنا زمان جميعًا نكتب للناس أما الآن فكلنا نكتب لواحد فقط”.

وذهبنا للقاء الشيخ الشعراوي وبحضور إحدى تلميذاته التي غالبًا ما كانت تعرض عليّ قصص لها لقراءتها، وعند مقابلته قلت له إن ببعض الكلمات منك من الممكن أن تستنير عقول الشباب ليفهموا صحيح دينهم، وبدأ هشام في سؤاله عن شرح الآية الكريمة “وما ملكت أيمانكم”، فما كان من الشعراوي إلاّ أن غضب غضبًا شديدًا وغير مبرر ورد قائلًا: “هو مافيش غير الآية دي”، ووقف مستنكرًا سؤال ابني هشام فجاء ردي عنيفًا بعض الشيء وكنت أرتدي “إيشارب” على رأسي فخلعته وأنا أوجه كلامي إليه أنني لا أرتدي في حياتي غطاءً للرأس لكني ارتديته احترامًا لك ولأن والدي كان يحبك ووجهت الحديث لابني “قرآنك ولا تسأل أحدًا”، وبعد عودتي للمنزل وجدت زوجي “كنعان” يخبرني أن الشيخ الشعراوي كان على الهاتف ويعتذر عما حدث وأننا سندرك بعد ذلك سبب رد فعله العنيف وأنه لن يزوّج ابني هشام سواه هو، ومرت السنوات وفهمنا سبب تصرفه الغريب حيث كان واقعًا تحت وطأة ضغوط ورقابة معينة لم تتح له الفرصة للأخذ والرد علينا وخوفًا علينا من التعرض لأي مشكلة.

كنعان .. العمر كله

كنت أبلغ من العمر 16 عامًا عندما رأيت “كنعان” لأول مرة وكان يكبرني بـ 19عاماً، فأنا من أسرة تعشق الرسم وكان لوالدي حس فني راقٍ لذلك حرص على إحضار الرسام حسن فوزي لنا في المنزل ليعلمنا الرسم، وكنا نمتلك أنا وأختي كتالوج خاص لكل رسام ورسامة مصرية نقوم بقص رسوماتهم وإلصاقها بداخله.

كان من ضمنهم كتالوج خاص بمنير كنعان الذي دائمًا ما رسمت له صورة في خيالي بأنه كبير السن ونحيل الجسد ويرتدي الطربوش، طبعًا تغيرت تلك الصورة مع بدايات تدريبي في “أخبار اليوم” والتقائي به للمرة الأولى وكنا 5 صحفيات منهم سناء فتح الباب، وسميحة صبور، وصافيناز كاظم، فقام بإعطائنا “زلعة” من الفخار وطلب منا رسمها فقامت الزميلة سميحة بقلبها على وجهها لتعطي يديها شكل الأذن أما أنا فرسمت شكل طبيعي فقال عن سميحة أنها بتفكر ولم يعر اهتمامًا لرسمتي فحاولت أن أرسم رسمة أخرى أقلده فيها فقام بتمزيقها وإلقائها في صندوق القمامة، ثم وجدته يرسم لي “بورتريه” كغلاف للمجلة لأنه وجد بملامحي شيئًا لم يجده في الجميلات من حوله.. ومن هنا بدأ الارتباط.

 

 

رسمني “كنعان” 70 مرة؛ على مدار عمرنا كنت أشعر دائمًا بحيويته وروح الشباب فيه برغم فارق السن.

“اخر لوحة لزوجها رسمهما معاً وهما يسيران”

صحافة الأمس.. رومانسية

صحافة اليوم.. سيريالية

كان هذا وصف سناء البيسي لحال الصحافة، مستخدمة تعبيرات الفن التشكيلي، فبالأمس كانت هناك مدارس عديدة لفطاحلة الصحافة أمثال مصطفى أمين ومحمد التابعي، و”هيكل”.. أما الآن تصف سناء الحال قائلةً:

غاب العمق عن كل شيء، ودمرت المواهب وانتشرت الأنانية في الوسط الصحفي حتى إن الأساتذة منهم يضنون بخبراتهم وتجاربهم عن الأجيال الجديدة من شباب الصحفيين، وأصبح المكسب المادي هو الأساس.

وعن قانون تنظيم الصحافة تقول “البيسي”: “أنا والنبي ما فاهمة فيه حاجة أبدًا”، وأشعر بحالة من التيه والتخبط ولا أدري من أخاطب، في رأيي لابد من وجود وزير للإعلام يكون هو الواجهة والمسئول عن المنظومة بأكملها.

جديد سناء البيسي

سيصدر لي في المعرض القادم للكتاب كتاب ديني ضخم من 650 صفحة يتناول الدين الإسلامي كله من أول الأماكن المقدسة، فلاسفة الإسلام، زوجات الرسول، وكذلك مفهوم تجديد الخطاب الديني، فالدين ما هو إلا معرفة جواهره، فدائمًا ما كان عندي الوازع الديني حاضرًا، وكان بيتنا لا يخلو من المخطوطات أو المراجع الدينية للأئمة، وحرصت قبل كتابة هذا الكتاب على قراءة العديد والعديد من الكتب.

ولي كتابان آخران سيصدران لاحقًا أحدهما عن كل قمم الطرب أمثال: السنباطي زكريا أحمد، سيد مكاوي، وسيد درويش، محمود الشريف، أم كلثوم؛ والآخر عن الفن التشكيلي على مستوى العالم، حيث ينقص المكتبة المصرية والعربية مثل هذا المحتوى الذي يتناول الفنانين التشكيليين العالمين أمثال بوتشيللي.

“تكريم من جمعية محبي فريد الأطرش”

حصاني الرابح “أمينة”

من أحلام حياتي إقامة معارض لرسوماتي وكنت قد أقمت معرضين بالفعل أثناء عملي في الولايات المتحدة وبيعت كل لوحاتي.. وقريبًا سيكون لي معرض للوحاتي عن الأحصنة فأنا أحبها كثيرًا، وأذكر حصاني الرابح الذي فزت به في إحدى بطولات سباق الفروسية بالجامعة عام 1957 فترة الشباب كان اسمه “أمينة”، كانت فرسة ضخمة جاءت لنا من كلية البوليس -الشرطة حاليًا- احتاجت مني قوة للسيطرة عليها أثناء قفز الحواجز.
أعشق كل ما هو قديم من أغاني محمد عبد الوهاب، خاصة “الجندول” فأنا أعشق الكلمات الجميلة وأحب الاستماع إليها مرات ومرات، لا أستمع أبدًا لأغاني المهرجانات.

“لوحة تعكس الخيول من رسم سناء البيسي”

مصر يا ولاد

مع الأحداث الأخيرة التي مرت بها مصر كتبت كتابي “مصر يا ولاد” خوفًا وقلقًا عليها لكن الآن لم أعد أقلق على مصر، فأنا أشعر أنها في أيدٍ أمينة ورئيسها يسعى للأفضل لها دائمًا، أما ما يقلقني هو حفيدي الأوسط -16سنة- الذي يعاني من مرض التوحد ولا أقلق على نفسي فالأعمار بيد الله. أمر حاليًا بحالة من عدم الاتزان والحزن لفقدي لرفيقة عمري وأختى الإذاعية نادية صالح في نوڤمبر الماضي، كنا دائما نخرج سويًا ونتبضع معًا ومع إصابتها بالمرض لم أتخيل أنها سترحل وكان آخر اتصال تليفوني بيننا في اليوم السابق لوفاتها، وبرغم عدم بكائي إلاّ أنني ما زلت أشعر بالغصة حتى الآن مع كل اتصال من ابنها بابني هشام فهما أصدقاء.

 

نرشح لك: زيارة خاصة لمنزل شادية.. كواليس الاعتزال وأسرار السنوات الأخيرة

““ركن خاص بالتكريمات والجوائز””