مراحل تحول يوسف السباعي من روائي لـ شهيد سياسي

يارا الفداوي

لقبه الكاتب نجيب محفوظ بـ”جبرتي العصر”، قيل عن أعماله إنها تتسم بالواقعية والرمزية، وُصف أسلوبه بأنه سليم، وقوي، ومتين، كان غزير الإنتاج؛ فقدم اثنين وعشرين مجموعة قصصية، والعشرات من الروايات، آخرها “العمر لحظة” عام 1973، تحولت العديد من رواياته إلى أفلام سينمائية؛ أهمها: “رد قلبي”، و”أرض النفاق”، و”نحن لا نزرع الشوك”؛ هو يوسف محمد محمد عبدالوهاب السباعي ، الذي تحل اليوم ذكرى اغتياله.

نرشح لك: “أساتذة” الأستاذ محمد حسنين هيكل

يستعرض “إعلام دوت أورج” فيما يلي مراحل حياة يوسف السباعي الأدبية ، وكيف تحول الأديب المصري من كاتب متميز اتسم بالحنكة والذكاء، إلى شهيد سياسي:

الأديب العسكري

بالرغم من بداياته الأدبية، وتأثر “السباعي” بوالده الكاتب والمترجم في صغره، حتى إنه ترك انطباعًا قويًا على أفكاره وثقافته كأديب فيما بعد، إلا أنه التحق بالكلية الحربية عام 1935، وتخرج في عام 1937، ومنذ ذلك الحين تولى العديد من المناصب في الكلية الحربية، وتدرج حتى وصل إلى رتبة عميد.

بدأ فارس الرومانسية منذ منتصف أربعينات القرن العشرين بالتركيز على الأدب والكتابة؛ فقام بنشر عدة مجموعات قصصية، ومن ثم في الخمسينات والستينات، أصدر العديد من الروايات التي كان من شأنها أن تصنع فارقًا في الأدب المصري، حيث إنه اتسم بأسلوب فريد ميزه عن أبناء جيله.

رائد الأمن الثقافي

لقبه الكاتب توفيق الحكيم بـ”رائد الأمن الثقافي”؛ حيث كان لـ”السباعي” دورًا هامًا وأساسيًا في إنشاء كل من “نادي القصة”، و”المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية”، و”جمعية الأدباء”، كما لقبه نجيب محفوظ بـ”جبرتي العصر”؛ وذلك بسبب تمكن يوسف السباعي بكتاباته الأدبية أن يسجل أحداث الثورة منذ قيامها وحتى نصر أكتوبر المجيد خلال أعماله: “رد قلبي”، و”ليل له آخر”، و”أقوى من الزمن”، و”العمر لحظة”، مما يثبت براعة “السباعي” ودقته في نقل ما يحدث على أرض الواقع، وتناوله لبعض عيوب المجتمع المصري موظفًا الرمز والسخرية في كتاباته.

السباعي وزيرًا للثقافة

تولى يوسف السباعي عدة مناصب هامة على مدار حياته؛ فقد شغل منصب مجلس إدارة وتحرير عدد من المجلات والصحف، منها: “روز اليوسف”، و”آخر ساعة”، و”دار الهلال”، بالإضافة إلى مؤسسة “الأهرام”، ومع تولي الرئيس محمد أنور السادات حكم مصر، عيّنَ “السباعي” وزيرًا للثقافة، وذلك في عام 1973، كما تم انتخابه نقيبًا للصحفيين المصريين عام 1977.

وزير الثقافة يؤيد معاهدة السلام

وبصفته وزير الثقافة المصري، ونقيب الصحفيين المصريين، فقد رافق “السباعي” الرئيس السادات خلال رحلته الشهيرة إلى القدس في نوفمبر 1977، معلنًا بذلك تأييده لمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل؛ حيث كان فارس الرومانسية مؤمنًا طيلة حياته بأن الأدب له دور كبير في التمهيد للسلام حول العالم، ولكن هذه الزيارة جعلت العديد من الدول العربية تقطع علاقاتها مع مصر احتجاجًا على تلك المعاهدة.

رحلة الاغتيال

بعد مرور حوالي ثلاثة أشهر من زيارته للقدس برفقة الرئيس السادات، قام يوسف السباعي بزيارة العاصمة القبرصية نيقوسيا، بالرغم من تحذير الكثيرين له بألا يذهب إلي هناك؛ بسبب أن قبرص كانت جزيرة مخترقة من أجهزة المخابرات الإنجليزية والموساد، إلا أنه ذهب بالفعل، وكان على رأس الوفد المصري المشارك في مؤتمر التضامن الأفرو-آسيوي، بصفته أمين عام منظمة التضامن الأفريقي الآسيوي.

في صباح الثامن عشر من شهر فبراير عام 1978، وتحديدًا في الحادية عشرة صباحًا، غادر “السباعي” غرفته بالفندق، ثم توقف أمام أحد منافذ بيع الكتب والجرائد ليتفقد المطبوعات، فقام متطرفان بإطلاق ثلاثة رصاصات سكنت في قلب “السباعي” لترديه قتيلاً، وعلى حد قول القاتلين؛ فتأتي تلك الحادثة المؤسفة على خلفية إعلان الأديب المصري تأييده للسلام بين مصر وإسرائيل.

من القاتل؟

تناقضت الأنباء بعد مقتله، فقيل إن القاتلين فلسطينيين، لكن اتضح فيما بعد أن أحدهما فلسطيني والآخر عراقي، وسرعان ما نفت منظمة التحرير الفلسطينية علاقتها بالحادث، بينما وجهت الصحافة المصرية أصابع الاتهام لها.

السادات ينعي صديقه

في صباح اليوم التالي، أرسل الرئيس السادات طائرة إلى قبرص بغرض القبض على القاتلين، وقال “السادات” عن فارس الرومانسية إنه كان صديقه بالفعل.

كيف تنبأ الروائي بـ موته؟

ويبدو أن “السباعي” قد تنبأ بوقوع تلك الحادثة خلال السطور الآتية من روايته “طائر بين المحيطين”، الصادرة عام 1971:

ماذا سيكون تأثير الموت علي؟

وعلى الآخرين؟ لا شيء..

ستنشر الصحافة نبأ موتي

كخبر مثير ليس لأني مت

بل لأن موتي سيقترن

بحادثة مثيرة

فبعد مرور أربعين عامًا، يظل يوسف السباعي فارسًا للرومانسية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بل وللسلام أيضًا الذي راح ضحيته، بأعماله التي أثرت في تاريخ مصر الأدبي والثقافي، والتراث الذي خلفه ورائه سيخلد على مدار التاريخ.