زي النهاردة.. "وجع في القلب" يحرمنا من نجاح الموجي وخالد صالح

فاتن الوكيل

أزمة قلبية كفيلة بأن تُنهي حياة إنسان، تاركة خلفه أحباء في حالة دهشة، يتمنون لو أن العمر قد امتدت ولو قليلا، يتضاعف الألم إذا كان الموت قد اختار من لم يحصل على نصيب كافي من الدنيا، كان يستحقه، وهو ما نجده في حالة الفنانين الراحلين نجاح الموجي وخالد صالح.

“الموجي” و”صالح”، كلاهما توفى في الخمسين من العمر أو تجاوزها بعدة سنوات، وكلاهما رحل في أورج الشهرة الفنية، ولد الموجي في 1945، وتوفى في 25 سبتمبر عام 1998، راحلًا عن عمر 55 عاما، بينما ولد خالد صالح عام 1964، وتوفى 25 سبتمبر عام 2014، ومع هذا العمر القصير استطاع كل منهما أن يُحقق في وقت قياسي شهرة يستحقها، بالرغم من أنهما لم يُخرجا كل ما بداخلهما من جنون الفن وروعته.

الفنان نجاح الموجي، صاحب الملامح الشعبية التي تؤكد أن “هو الشعب” بحق، اسمه الحقيقي “عبد المعطي محمد الموجي” لكنه استعار اسم شقيقه “نجاح” الذي دائمًا ما كان يُشجعه ويدعمه في طريق الفن، وبالرغم من أن الدنيا حاولت أن تأخذه بعيدًا عن الفن، عندما ترك العمل المسرحي، ليُصبح رئيس لوحدة زفتى الاجتماعية، لكن هذا بالتأكيد لم يُشبع روحه، فعاد مرة أخرى إلى فرقة ثلاثي أضواء المسرح.

الموجي أو “الواد مزيكا”، كانت مسرحية “المتزوجون” بالنسبة لمشواره انطلاقة حقيقية، بعد فترة ليست قليلة من العمل المسرحي، لم يعتمد خلالها في إضحاك الجمهور على شكله، أو “تسريحة شعره الغربية” وفقط، كما يحدث الآن، من بعض الفنانين الذين يُهينون أنفسهم في سبيل الضحك، لكنه اعتمد على أداء مميز، يبدأ من نظرة العين، إلى الجمل التي سُجلت باسمه ولا ينساها المشاهد.

6353991015f92a3e2ed6c1c2473c79ef

امتلك الموجي رصيد كبير من الأعمال المسرحية، أغلبها ربما لا يعرفه الجمهور، مثل “سيرك يا دنيا” و”المهزلة”، و”الدور الرابع شقة 9″، و “خد الفلوس واجري”، و”عالم قطط”، حتى أن المسرح كان آخر من شهد موهبة الموجي قبل رحيله بأيام، عندما قدم مسرحية “موليد سيدي المرعب” مع رانيا فريد شوقي، عام 1998، وبينما كان ينوي تقديم موسم آخر منها، جاءت “أزمة قلبية” تحرمه من ذلك.

الموجي من الفنانين الذي لا يهمه أن يقدم العديد من الأعمال، إن كانت تشبه بعضها، ولم يحصر موهبته في لون واحد، حتى مع الغناء، الذي بالطبع هو أمر بعيد تماما عنه، عندما قرر أن يُقدم تجربة غنائية – ضمن سياق درامي كوميدي – كانت مميزة إلى أقصى درجة، حيث قدم أغنية “حكورة حكالنا حكاية”، من فيلم “شوارع من نار”، أما الأغنية الأخرى والأكثر شهرة، فهي “اتفضل من غير مطرود”، التي قدمها في فيلم “أيام الغضب”.

https://soundcloud.com/higherk/9io7s3b2ygzl

الوجه الكوميدي لنجاح الموجي، لم يمنع المخرجين من الاستعانة به في أفلام “تقيلة” وليست من أجل الضحك وفقط، مثل “الكيت كات”، الذي أدى فيه واحدًا من أشهر أدواره، “الهرم” تاجر المخدرات، بالإضافة إلى “أربعة في مهمة رسمية”، ومسلسل “بوابة الحلواني”، وفيلم “اغتصاب”، و”الحب فوق هضبة الهرم”.

وعلى جانب آخر، وذكرى رحيل أقرب، نجد أن الفنان خالد صالح، جاءت وفاته صادمة، بالرغم من أنها لم تكن مفاجئة، بعد أن ظهر المرض على ملامحه، ورقد في المستشفى عدة أيام، بالإضافة إلى أنه كان يُعاني من مرض القلب منذ شبابه، لكن الطاقة التي كانت يُرسلها صالح لنا، لم تكن توحي بهذا على الإطلاق، وهو ما أعطى الأمل لمحبيه في إمكانية الشفاء.

حصل خالد صالح على النجاح الفني الذي يستحقه متأخرًا، واستطاع في فترة قصيرة أن يكون بطل العشرات من الأعمال السينمائية والدرامية، حتى أن انطلاقته لم تكن متواضعة، مثلما يحدث مع أغلب الفنانين، لكنه تمكن من خطف الأنظار عندما أدى دور القاضي في فيلم “محامي خلع”، الذي لك يكن أول أدواره بالطبع، لكنه نبّه المخرجين إلى أن هذا الفنان “مش سهل” ولديه الكثير ليقدمه.

 

يُحسب لخالد صالح أنه أحد أبطال ما يمكننا تسميته بـ”التمثيل الطبيعي” غير المتكلف، سواء في أدوار الشر أو الكوميديا، أو الأدوار الاجتماعية التي قدمها، عرف كيف يكون الشخصية دون ادعاء، كما لو أنه كان يعرف بأن العمر قصير، فلم يقدم أدوارًا مكررة، بل كانت كل منها ذات نكهة مختلفة، ومن المجالات التي اشترك فيها، دبلجة أفلام الكارتون الأجنية، فلا ينسى أحد صوته في شخصية السمكة “جيل” بفيلم “البحث عن نيمو”.

gill

“عايزة ورد يا إبراهيم”، لم تكن هذه الجملة المقتبسة من فيلم “أحلى الأوقات”، مجرد جملة حوارية قالتها زوجة لزوجها، بعد أن سلبتهم مشاغل الحياة، والجري على لقمة العيش، التفاصيل الرومانسية، لكنها تحولت إلى مرجع للفتيات، يتداولن هذه الجملة في صورة “كوميكس” بسخرية مرة، وحسرة على أحوالهن مرات، حتى أن الفنانة هند صبري عندما نعته، استخدمت هذه الجملة.

https://www.youtube.com/watch?v=jpUFO5Iy9U0

 

خالد صالح من الفنانين الذين انتقلت بعض أدوارهم إلى “موبايلات المشجعين”، وهو ما حدث عقب دوره في مسلسل “تاجر السعادة”، الذي صدر عام 2009، وأدى خلاله دور “مصباح”، في هذا المسلسل، صور صالح مشهدًا ظهر فيه وسط مشجعي نادي الزمالك، حيث قام بتأليف أغنية قصيرة أشعل بها المدرجات، ولكن سرعان ما انتقلت الأغنية من شاشة التلفزيون إلى هواتف محبي الأبيض.

 

الموجي وصالح، كانا بالفعل حالات ليست نادرة بوفاتها المفاجأة، بقدر ما كانت مؤثرة وفريدة فنيًا وإنسانيًا، فكثيرًا ما نرى فنان يخطفه الموت في عز شهرته، وهو ما يلقي بالحزن ليست على الوسط الفني فقط، بل لمن يتدبر أن العمر قصير ولن يبقى منه إلا الأعمال الباقية الصالحة.