محمد الباز يكتب: الشيخ الغزالى ... عملية احتكار تفسير القرآن (القرآن في مصر 12)

نقلاً عن البوابة

كان لابد أن يكون هناك طريقا وسطا، بين ما قاله مصطفى محمود صاحب التفسير العصرى للقرآن وعائشة عبد الرحمن التى رفضت ما ذهب إليه الكاتب الطبيب، واعتبرته جرأة وانتهاكا لكتاب الله، بل ومؤامرة كبرى عليه وعلى الاسلام.

هنا يظهر الشيخ محمد الغزالى.

الداعية الذى لا تملك إلا احترامه، رغم تناقضاته الكثيرة، وتاريخه الطويل المتأرجح، وانتماءاته المتعددة، يكفى أن تعرف أن الرجل الذى كان يقدم نفسه نصيرا للحرية والتجديد فى الاسلام، وقف فى المحكمة ليبرئ قاتل فرج فودة، ويمنحه مبررا شرعيا للقتل، وأعتقد أن هذه زلة لن يغفرها له التاريخ أبدا.

محمد الغزالى كتب أيضا فى عدد الهلال التاريخى – ديسمبر 1970 – عن القرآن.

كان عنوان مقاله: هل يتناقض القرآن مع العلم؟

كانت البداية ساخنة أكثر مما ينبغى.

قال: لم يزعم أحد أن تفسير القرآن الكريم حكر على عصر من العصور، ولا وقف على طائفة من الناس، ولكن الذى قيل: أن الإخصائيين فى شأن ما هم الذين يسألون عنه ويتحدثون فيه، والأمر هنا لا يتطلب أكثر من الأهمية العلمية والإحاطة الواعية، ولما كان القرآن الكريم كتابا عربيا على درجة مرموقة من البلاغة فإن العوام لا يسوغ  لهم أن يعترضوا على شرحه.

يستكمل الغزالى: ولما كان قد استغرق القرآن فى تكامله بضعا وعشرين سنة، فإن تكوين حكم منه فى احدى القضايا المهمة لا يجوز لمن يجهل تواريخ نزول الآيات والسور، ولما كان صاحب الرسالة – وعليه نزل القرآن – قد بين الغوامض وفصل المجمل، وهو أحق الناس بتفسير ما نزل عليه، فانه لا يليق بمن يجهل حديث الرسول أن يتصدر لتفسير كتابه.

لدى الغزالى ما هو أكثر من ذلك، فحتى عند تمام المسوغات العلمية للتفسير، يبقى أمر آخر وهو أن الذكاء النظرى المجرد لا يرفع صاحبه إلى مستوى التفسير، فقد يكون المرء من الناحية العلمية متفوقا، ولكنه من الناحية الخلقية مريب تستولى على ضميره الشهوات، ويصرفه عن تقرير الحق هوى عاجل، فكيف يؤمن على كتاب الله، فإذا احتاط العلماء لمكانة الوحى، وجلال القرآن، ورأوا ألا يتعرض للتفسير إلا رجل يجمع إلى الفقه العالى تدينا رفيعا، وتقوى غالية وعبادة خاشعة، فهم لم يذهبوا بعيدا ولم يطلبوا شططا.

****

هل أخطأت عندما قلت أن الشيخ محمد الغزالى كان أرضا وسطا بين تطرفين؟

يبدو ذلك، فالرجل كان متطرفا طول الوقت فى آرائه، لكن الفارق بينه وبين الآخرين، أنه كان يصوغ كلماته بخيوط من حرير، فلا تشعر بخطرها إلا وهى تخنقك تماما.

****

تعالوا نؤجل الإجابة الكاملة على هذا السؤال، فلدى الشيخ الغزالى ما يقوله.

يقول: تفسير القرآن لا يطاق من جاهل بالدين واللغة، ولا يطاق كذلك من شخص آثم يرتكب الموبقات،، أو لين الذمة يبيع دينه بعرض من الدنيا، وربما ضممت إلى الشروط العلمية للتفسير شرطا آخر ينبع من طبيعة الشروط التى أشرنا إليها، ولابد منه فى عصرنا هذا، وهو الخبرة الحسنة بعلوم الكون والحياة، فالناظرون فى القرآن يعلمون علم اليقين أن الإيمان بالله بنى على التأمل العميق فى ملكوت السموات والأرض، وأن مشاهد الآيات تناولت بالوصف الرائع مشاهد الخليقة فى كل ناحية كى تلفت النظر عن طريقها إلى الخالق الكبير.

يعرف الغزالى أن ما يقوله يحتاج إلى دليل، فيضرب عليه أمثلة.

فأنت تنظر إلى الآلة الدوارة ذات التروس المتراكبة، تتحرك كما أريد لها بسرعة ونظام، وتؤدى العمل المطلوب منها برتابة واحكام، فما تملك من نفسك إلا أن تشهد بحدة ذكاء من اخترعها، ومهارة اليد التى قدرتها ثم سيرتها… وننظر كذلك إلى ما بين أيدينا وما خلفنا وما فوقنا وما تحتنا، فما نملك أنفسنا من الشهادة لله، الذى أبرز ذلك كله من العد، بأنه خلق فسوى، وقدر فهدى، وكلما ازدادت معرفتنا لمادة الوجود وسره، وانكشفت لنا آياته وخباياه، أحسسنا أن عظمة المبدع الماجد فوق ما يطيقه وعينا المحدود، وأن التحية التى تقدم لهذا الإله الجليل هى الإعتراف بأن مظاهر وجوده بهرت كما يبهر السنا المتألق عيون الناظرين.

يعتبر الغزالى برحابة صدر أن درسا فى الطبيعة والكيمياء هو صلاة خاشعة، وأن السياحة فى علم الأفلاك تسبيح وتحميد، وأن جولة فى الحقول والحدائق أو جولة مثلها فى المصانع المائجة بالوقود والإنتاج هى صلة حسنة بالله، ذلك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

ما الذى يريد أن يصل إليه الشيخ الأزهرى من وراء ما يقوله؟

ببساطة يريد أن يقول: العلم المادى وسيلة فعالة إلى الإيمان بالله، وأن الاسلام ليس صديق هذا العلم فقط، بل حارسه ومنشئه، والجهل بهذه العلوم تهمة للدين ونقص فى التفكير، وعائق بلا ريب عن احسان التفسير، وإدراك حقائق الوحى الإلهى.

لدى الغزالى ما هو أهم لا يزال.

فهو يعتبر أن أى تهوين للدراسات المادية هو مشاقة واضحة لآيات النظر والتدبر الواردة فى القرآن  الكريم – وما أكثرها – ولا يغالى عندما يقول أن التهوين حكم بالإعدام على هذه الآيات، يأتى بعده حكم ساذج أو مستغفل أو بليد بين أرض وسماء حافلتين بالنور والقوة.

لما يقوله الشيخ المعمم مبررات بالطبع، فهو لا يرمينا بمطلقات.

يرى الغزالى أن الله الذى خلق العقل نوه به وأشاد بقيمته، وأن الله الذى أنزل الاسلام، وأتم به النعمة، جعل ملاك فقهه وقيام أمره على فعل ذلك العقل، وأن الله الذى أبدع هذا العالم لم يلق مفاتيح ابداعه للبلهاء والحمقى، وإنما ألقاها للعالمين الأذكياء، ولم يتسع تسخيرها للمفرطين العاجزين، وإنما أتاحها لأولى العزم الأقوياء، والتطابق بين الكون الممهد، وبين العقل الواعى كالتطابق بين الحق وغطاءه، فإن لم يستفق العقل، ويؤد رسالته، انفصمت العلائق بينه وبين هذا العالم، وبالتالى وهت صلته بالله، وانحسرت دون مداها.

ويسأل الغزالى: من أين تتأتى معرفة الله على وجه مستكمل جميل، إلا عن طريق امعان النظر فى ملكوت الله، ومطالعة روائعه بين الحين والحين، وإذا كان ذلك طريق ابتداء المعرفة، فهو كذلك طريق مضاعفتها.

*****

يمكن أن تقطع الطريق على الشيخ محمد الغزالى ببساطة.

فإذا كان التأمل فى مخلوقات الله يولد كل هذا الإيمان، وإذا كان العلماء الأقرب إلى أسرار الكون من خلال بحثهم المتواصل، فلماذا نرى من بينهم ملحدين، لا يقرون لله بشئ على الإطلاق؟

يلاحقنا هو، يقول: لا يصدنك عن هذا الحق أن هناك علماء بالكون يجهلون ربهم، فإن أسباب جهلهم أو جحدهم لا تبعث من هذه الدراسات، إن جحد كثير من الماديين لحقائق الدين يرجع إلى خفاء هذه الحقائق وسوء عرضها وحال رجالها والمنتسبين إليها، ولا يرجع إلى الدين ذاته.

الإجابة ليست كافية وربما ليست منطقية أيضا، لكنها على أية حال إجابة، يمكن أن تقنعك، أو يظل السؤال عالقا فى حلقك.

لن نركن هنا كثيرا، فهناك مساحة مهمة ينقلنا إليها الغزالى، عندما يقول أنه مع الحفاوة الواجبة بالعلم المادى فإن بعض الناس حاولوا لحماسة غالبة أو قصور عارض أن يفتعل صلات بين آيات القرآن الكريم ونظريات العلم الحديث، وهذا الانفعال يضر الدين ولا يفيده.

كان لابد أن يدلل على ما قاله، ربما لأنه يتناقض قليلا مع ما بدأ به مقاله.

يقول : سمع أحد هؤلاء بنظرية امتداد الكون، وأن العالم يتسع كما تتسع البالونة التى ينفخ فيها الأطفال، فهتف فى فرح: لقد قرر القرآن ذلك من قديم، قال تعالى:” والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون”، ولم أبتهج بهذا الكشف.

قال الغزالى لمحدثه : إن معنى الآية المستفاد من ألفاظها أن الخالق القدير لم يرهقه ابداع هذا الملكوت، ولا استنفد فيه طاقته، لقد خلقه دون أن يبذل فيه جهدا أو يحس تعبا، إنه واسع الغنى رحب الاقتدار.

فرد عليه: لكن لفظ الآية يقبل النظرية الجديدة.

عقب الغزالى: لتفرض أنه يقبلها، فلم نفسر القرآن بنظريات لما تثبت بعد؟ وما العمل إذ كشف علماء آخرون أن النظرية باطلة؟ لماذا نعرض القرآن للريبة بتحميله الفروض والأوهام؟

يخلص الغزالى من هذا كله إلى أن اقحام النظريات العلمية على التفسير شئ لا يتفق مع منطق العلم العام نفسه، فإن الحقائق لا تفسر إلا بالحقائق، والمسلمات الثابتة، أما تفسيرها بالظنون والتخامين فلا، ومن أجل ذلك لم يرحب بتفسير الآيات القرآنية على أساس نظرية ” التطور”، كما فعل مجتهدون  معاصرون.

يبنى الغزالى عدم ترحيبه هذا على أن هناك علماء فى ميادين الدراسات الكونية والطبيعية يرفضون هذه النظرية أو يرتابون فى مقدماتها ونتائجها، فلماذا يلوى أحدهم عنق آية أو آيات ليجعلها شواهد لداروين، وماذا يكون الموقف عندما تعصف مقررات أخرى بهذه النظرية، وتعرض فكرة جديدة عن أصل الحياة ووجود الأحياء.

هل من خلاصة أخيرة؟

بالطبع هناك خلاصة أخيرة تشى بحقيقة موقف الشيخ الأزهرى.

يقول الغزالى أخيرا: “من الممكن، بل من المستحب تفسير القرآن بالحقائق التى استقرت، والتى انتفى الجدل فى أصلها، ونحن نعرف أن الكون عمل الخالق، وأن القرآن قوله، وهيهات هيهات أن يتناقض قوله مع فعله، وليس ثمة تفاوت بين العلم والدين، فإن الله الحق هو مصدر الآثنين، وإذا لوحظ أن هناك اختلافا فليس بين علم ودين، بل بين دين وجهل أخذ سمة العلم، أو بين علم ولغو لبس سمت الدين، وسترى أن القرآن الكريم مستقيم كل الاستقامة  مع كل الكشوف التى يميط العلم عنها الستار، وذلك لا ريب من دلائل صدقه وآيات إعجازه.

****

ظاهر كلام الشيخ محمد الغزالى أنه لا يحجب تفسير القرآن ومحاولة فهمه عن أحد، يتحدث برفق، باحثا عن صيغ التوافق بين العلم والدين، بين القرآن والنظريات الحديثة، للدرجة التى تعتقد أنه يتسامح بأى تفسير عصرى لكتاب الله ويرحب به، لكن عندما تتأمل ما قاله قليلا، ستكتشف أنك أمام حالة إحتكار كاملة لتفسير القرآن، ولولا أن تحديد الشيخ لرجال الأزهر ومن يقدمون أنفسهم على أنهم علماء فى الدين بإعتبارهم المؤهلين للتفسير وحدهم، كان سيجلب عليه العتاب، لفعل ذلك على الفور.

إنه لا يعارض تفسير القرآن بما توصل إليه العلم، بشرط أن يكون ما توصل إليه هذا العلم قد استقر بشكل نهائى، وذلك صيانة للقرآن من السخرية والهزء به، فلو أن أحدهم نسب كشف علمى إلى القرآن، مؤكدا أن كتاب الله جاء به قبل أن يعرفه البشر، ثم جرى اكتشاف آخر، يبطل الكشف الأولى، فماذا سيكون موقف القرآن وقتها؟

الكلام مثالى بالطبع، لكنه غير واقعى، فلا شئ من العلم ثابت أو مستقر، فكل ما يتوصل له العلماء اليوم قابل للغيير، طالما أن البحث العلمى لا يتوقف أبدا، وعليه فالشيخ يمنح الرخصة ثم يسحبها على الفور، يرحب بتفسيرات علمية وحديثة وعصرية للقرآن، ثم يغلق الباب على الفور.

لم يخن الشيخ محمد الغزالى منهجه فيما قاله، على العكس تماما هو مخلص لكل ما آمن به، فرغم ما كان يبدو على الرجل من تواضع، إلا أنه كان يتعامل – رحمه الله – باستعلاء شديد مع كل من يخالفه فى الرأى والمعتقد، لكنه لم يكن يواجه بحدة، رغم أن مريديه ينسبون إليه وقائع كثيرة ليدللوا على أنه كان يواجه خصومه وبحدة، دون أن يخشى فى الحق لومة لائم.

لقد وضع شروطا يطرد بها الجميع عن ساحة تفسير القرآن، فحتى لو كانوا علماء، فلابد أن يتمتعوا بسمعة طيبة، وحكاية السمعة الطيبة هذه مطاطة جدا، مؤكد أن الشيخ يشير إلى الأداء الأخلاقى، لكن هذا ليس كل شئ، فأمثال رجال الشيخ الغزالى يأخذون على أصحاب الأفكار أى جنوح أو اجتهاد أو محاولة للخروج على المعتاد.

هل تريدون دليلا على ذلك.

بعد سنوات طويلة، ربما ثلاثين عاما ظهر فى مصر الدكتور رغلول النجار، عالم جولوجيا كما تم تقديمه، قدم تفسيرا علميا للقرآن، لم يفعل أكثر مما فعله مصطفى محمود، اختلف الأداء كثيرا، زادت حصيلة العلم لديه كثيرا، اختلاف التخصص أدى إلى اختلاف المداخل، لكن فى النهاية كان المنتج واحد.

اختلف استقبال  ما قدمه زغلول النجار تماما عن الاستقبال الذى استقبل به مصطفى محمود، وكأن مرحلة إلحاد الكاتب الطبيب لم تجعل المشايخ يتقبلونه أو يتقبلون ما قاله أبدا.

قصة زغلول النجار طويلة جدا، أعتقد أننا سنعود إليها بالتفصيل فى حينها، لكنى كنت أدلل فقط على حالة الإزدواجية التى يعانى منها المشايخ فى مصر، فليس مهما ما تقوله، بقدر ما هو مهم أن تكون حركتك تحت مظلتهم.

****

لم يقدم الشيخ الغزالى تفسيرا متكاملا للقرآن لكن كانت له محاولات عديدة، فقد أصدر كتب ” المحاور الخمسة للقرآن الكريم”، و” نظرات فى القرآن”، و”كيف نتعامل مع القرآن؟”… وهو الكتاب الذى أملاه على بعض أصدقاءه فى مرحلة مرضه، وأبدى فيه دهشة و تعجبا من تعامل المصريين مع القرآن الكريم.

من بين ما قاله فيه:” الأمة التى اجتباها الله تتعامل مع القرآن تعاملا لا يجوز السكوت عليه، كان الجاهليون الأقدمون يصمون آذانهم عن سماعه، ويتواصون بالشغب على مجالسه، ويعالنون بتكذيب صاحبه، حتى شكا إلى ربه هذا الكنود قائلا: ” يا رب إن قومى اتخذوا هذا القرآن مهجورا”.

أما المسلمون المتأخرون فهم يسمعون وقد يتأوهون أو يسكنون، ولكن العقول مخردة والحواس مبعثرة.

قام الشيخ الغزالى بتوصيف وضعية القرآن الآن بدقة شديدة، وألقى باللوم كله على الآخرين، فلم ينظروا إلى ما فعله هو ومن عملوا فى خدمة القرآن، حتى أوصلوا كتاب الله إلى هذه الحالة، لم يلتفت إلى أنهم حجبوا الآخرين، وانفردوا بالساحة، فتحول القرآن على أيديهم إلى كائن ساكن تماما، مع أنه فعليا كائن حى.

نرشح لك

محمد الباز يكتب: عائشة عبد الرحمن تكشف جناية مصطفى محمود على القرآن (القرآن في مصر 11)

بالساعة والدقيقة.. مواعيد مسلسلات رمضان 2016

شارك واختار .. ما هو المسلسل الكوميدي الذي تتابعه في رمضان؟ أضغط هنـــا

بنر الابلكيشن