تحليل

مينا فريد يكتب: قانون الخدمة المدنية.. قبل أن نفقد الوطنية

(1)

كانت أم مصرية طيبة جميلة.. مبتسمة وممتنة لعطية الله .. بعينين مملؤتين بالحب جلست تلاعب رضيعها الصغير بألفاظ بلهاء مصرية معتادة “إنتي بلالا كوكي صغنن سمالله بيزو بيزو جميل حبيبة ماما إنتي”.. مشهد أمومي جميل لم يقطعه سوا دخولي – آسفا – للحصول على إمضاء حيث ظننت أن هذا المكان اسمه شئون الخريجين التابع لجامعة عريقة.

قلت محرجا من مقاطعاتها بعد إذنك كنت عاوز أوثق الشهادة دي…

نظرت لي بقرف حكومي معتاد من أمثالنا الطالبين لإمضاء.. ثم وضعت الطفل على المكتب أمامها وبعد أقل من ثانيتين قالت: الشهادة دي ما تنفعش يا استاذ تتوثق.. العميد إتغيّر والإمضا دي مش معترف بيها.

– وأنا ذنبي إيه في تغيير العميد؟

– الموضوع بسيط أطلب شهادة جديدة بإمضا جديدة ب خمسة وستين جنيه وتعالى أول الإسبوع إدفع في الخزنة.. وإرجع إسأل بعد إسبوع.. عشر أيام كده.

– حضرتك الشهادة دي سليمة ومنكم.. وانا مستعجل لظروف السفر.

– ماتعطلناش يا أستاذ هي دي اللوايح.

هنا تدخل الطفل الصغير ومد يده ليلهو بالشهادة.. فشدتها منه وقالت وهي تعطيني الورقة مشيرة للباب شرفت يا بني.. وعادت لتقول لطفلها “يا بيدو ده ورق الناس كخ… إنتي بلالا كوكي صغنن سمالله بيزو بيزو جميل حبيبة ماما إنتي بتلعب بورق عمو؟”

خرجت قبل أن أصاب بجلطة.

(2)

ستة ونصف مليون موظف حكومي.. هو عدد الموظفين على ذمة الحكومة المصرية.

مائتان وخمسة مليار جنيه مرتبات سنوية من ميزانية الدولة للموظفين في القطاع الحكومي.

بنسبة تقترب من الثلاثين في المئة من إجمالي إيرادات مصر.

” إنتي بلالا كوكي صغنن سمالله بيزو بيزو جميل حبيبة ماما إنتي .. ماما وزمايلها هيخربوا مصر..”

(3)

قصص الكسل الحكومي والفشل الصريح والواضح لا تعد ولا تحصى.. لكل منّا معاناة شخصية نجلس سويا لنحكيها في جلساتنا -على سبيل الكوميديا السوداء-.. الفساد الذي يختصرونه في الرشوة له أشكال كثيرة, منها أم بيدو و أمثالها.

كونك أم جيدة لا يعنيني كمواطن في شئ.. كل ما أريده هو إنهاء أوراقي و مصالحي..
لدينا عدد موظفين حكوميين أكثر من الصين التي صاحبة التعداد السكاني الملياري. و لا ننجز أي شئ.

(4)

محمود بدر النائب في البرلمان في لقاء تليفزيوني في يناير الماضي قال إنه كمحمود بدر كان مؤيد لقانون الخدمة المدنية الذي أقره السيد الرئيس ويراه هو الحل الوحيد للقضاء على الفساد .. ولكنه رفضه… سألوه لماذا رفضته؟ رد بكل ثقة: “عشان قابلت ناس كتير من اللي إنتخبوني رافضينه وأنا مش بمثل نفسي أنا بمثل الناس اللي إنتخبوني.. ومش عاوزين الإخوان يقولوا إن البرلمان ده يمثل الرئيس ولا يمثل الشعب.. و يستغلوا ده في الحشد ل 25 يناير”

” إنتي بلالا كوكي صغنن سمالله بيزو بيزو جميل حبيبة ماما إنتي .. النواب بيسألوا الناس إنتوا عاوزين تقبضوا من غير ما تشتغلوا ولا تقبضوا وتشتغلوا ومتوقع إجابة غير مش عاوزين القانون..! “

(5)

يا أهلنا وجيراننا من الموظفين الحكوميين .. الفاسدون منكم – ولا أتكلّم هنا عن المرتشين – يغمروننا باليأس.. اليأس من أي خير وأي تقدّم وأي نجاح.. مع كل تعطيل وكل إهمال و كل أيام من الإنتظارو كل فوت علينا بكره .. نفقد شيئا من حبنا وإنتماءنا للوطن.. جيلنا خرج من التعليم ليجاهد ويكافح ويتعلّم ويتلطّم بين مراكز الكورسات.. ليحصل على وظيفة حقيقية يقبض في مقابلها دخل حلال .. كل جنيه يكسبه يقدم في مقابلة أضعافه من العمل في القطاع الخاص. و أنتم تمارسون حياتكم العائلية والإجتماعية أثناء العمل الحكومي.. لتقبضوا رواتبكم من ضرايبنا وتحللون أموالكم- التي أحسبها حرام -بدائرة مفرغة إسمها “على أد فلوسهم.. لترد عليكم الحكومة: على أد شغلكم”
ومابين هذا وذاك.. نتدهور يوميا.. إقتصاديا و نفسيا و إجتماعيا و وطنيا..

لا تجعلونا نتقيأ حب الوطن في وجوهكم.. على مكاتبكم..و بسببكم.. لا نريد أي إستثناء.. لا نريد سوى أن ننجز أعمالنا وأوراقنا و كفى.

الحياة صعبة علينا جميعا.. متى نشعر ببعض حقا؟ متى تفكر في كمية القلق والضيق والتعطيل الذي ستسببه لمصري مثلك بسبب تكاسلك ؟

متى يعيد البرلمان النظر في أهم قانون مصري في العصر الحديث؟ متى يقدمون مصلحة الوطن على مصلحة الكسول والفاسد والضعيف والفاشل ..؟ متى؟

لمتابعة الكاتب عبر فيس بوك من هنـــا

اقرأ أيضًا :

مينا فريد يكتب :حظ أوفر المرة القادمة

مينا فريد يكتب : صحة المصريين .. قصة برنامج جديد لباسم يوسف

مينا فريد يكتب: لماذا يتعاطف المصريون مع إضراب الأطباء؟

مينا فريد يكتب: دفاعاً عن المواطن البرنس

مينا فريد يكتب : يؤيدون حجب متى المسكين و يقولون .. نتضامن مع إسلام بحيري 

مينا فريد يكتب : سنسمي هذا المقال هابي نيو يير

.

تابعونا علي الفيس بوك من هنا

تابعونا علي تويتر من هنا

كاتب

إعلام دوت كوم صوت الميديا العربية

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock