أحمد رزق الله يكتب: هل تغلب تغيّر المناخ السينمائي على توم كروز في Digger؟

قد يكون من النادر أن تجد اسم الممثل "توم كروز" ضمن قائمة أي من عشاق السينما لأفضل الممثلين في الثلاثين أو الأربعين سنة الأخيرة، وذلك رغم نجاحه في الحفاظ على اسمه منذ بداية ظهوره وحتى اليوم ضمن النجوم الأكثر لمعانًا وشهرة في هوليوود.

الكثيرون -وأنا منهم- لا يفوتون فرصة مشاهدة أعماله الجديدة عند خروجها للنور رغم معرفتنا بأن هذا العمل الجديد سيكون في الأغلب مجرد وسيلة مسلية لقضاء ساعتين من الوقت ليس أكثر (وهو شيء لو تعلمون لطيف وهام خاصةً في الأيام الصعبة التي يمر بها هذا العالم).

إلا أن قليلين يعطون كروز قيمته الحقيقية ليس كصانع لملاحم سينمائية ولكن كعنصر فاعل ومؤثر في صناعة مرت ولازالت تمر بمنعطفات خطيرة عالميًا منذ عدة سنوات.

وأحد هؤلاء كان المخرج صاحب السطوة الهوليودية ستيفن سبيلبرج الذي وصف كروز وفيلمه Top Gun: Maverick عند خروجه للنور في عام 2022 بأنه أنقذ صناعة السينما المعتمدة على العرض في القاعات السينمائية حيث نجح هذا الفيلم عند عرضه في إعادة الجمهور مرة أخرى إلى عادة الذهاب إلى قاعات العرض لمشاهدة الأفلام في الأجواء الكلاسيكية المعتادة بعد فترة من الفتور في هذه العلاقة بعد جائحة كورونا وانتشار المنصات المنزلية التي تسابقت على نقل تجربة المشاهدة السينمائية إلى غرف المعيشة.

لكن يبدو أن كروز رغم نجاحه في مواجهة عاصفة تغير المناخ السينمائي هذه ومساهمته في إعادة دفة الصناعة ولو مؤقتًا إلى طريقها الصحيح إلا أنه بوغت مؤخرًا برياح عاتية غير مفهومة وغير متوقعة قذفت به وبفيلمه الأخير Digger بعيدًا عما كان يأمل صناعه.

نحن أمام فيلم ضخم الميزانية سيقته حملة إعلانية كبيرة وغير معتادة لم تعتمد فقط على الترويج للمنتج السينمائي فقط بل كان هناك اعتماد موازي إن لم يكن أكبر على الترويج لنجم العمل والاحتفاء بمسيرته الغنية بالأفلام المتنوعة كما لو كان هذا الفيلم الأخير مباراة تكريمية أو اختتامية لمسيرة كروز السينمائية.

ارتفع سقف التوقعات كثيرًا وتوقع الجميع مع انطلاق عرض Digger أن نشهد فيلمًا يحطم الإيرادات السابقة لأفلام كروز وخاصةً وأنه هذه المرة يتعاون مع مخرج بحجم المكسيكي أليخاندرو إنياريتو الذي حققت أغلب أعماله نجاحات فنية وتجارية هامة في جميع الأسواق.

منذ الأيام الأولى لعرض Digger كان واضحًا أنه خيب ظن الكثيرين ممن كانوا ينتظرونه وربما خيب توقعات مموليه ومنتجيه ممن كانوا يأملون تحقيقه لحد أدنى من الإيرادات تغطي تكلفته. توقع الكثيرون فيما يبدو أن يشاهدوا فيلمًا خفيفًا يقدم من خلاله كروز شخصية كوميدية مغايرة لأغلب ما قدمه من أدوار جادة وأكشن ورومانسية من قبل فوجدوا أنفسهم أمام عمل يمزج الجاد بالساخر.

فيلم يتناول ظاهرة التغير المناخي وأضرار السياسات غير المسئولة لقادة العالم فيصدم المشاهدين بالكارثة التي ستحل بالعالم قريبًا والتي سنصبح جميعًا ضحايا لها. هل شعر الجمهور بالخديعة عندما لم يجدوا بقاعات العرض ما تم وعدهم به (أو ما ظنوا أنهم وعدوا به)؟ أم أن العالم يمر بكوارث ومصائب كافية وضعت الجميع في حالة من رفض تقبل مشاهدة النهاية الكارثية المحتومة على شاشة كبيرة؟

قد يكون موعد طرح فيلم كروز ليس الأمثل في ظل ما يشهده العالم من توترات إلا أنه من المؤكد في رأيي أنه من نوعية الأفلام التي ستبقى صالحة للعرض لسنوات وسنوات (سواء نجا العالم من النهاية التي يحذر منها Digger أو أصابه فعلاً ما نشاهده في آخر مشاهد العمل من مصير مأساوي) وسيبقى شهادة لن تمحى عن غباء السياسات الرأس المالية اليمينية وأصحابها وعن الدمار الذي تسبب به فساد أصحاب رؤوس الأموال والسلطة.

فيلم "Digger" صناعه نجحوا بمهارة أن يخلقوا عالمًا عبثيًا خياليًا ولكنه شديد القرب من العبث الذي نشهده يوميًا، ورسموا شخصيات كاريكاتورية مستوحاة بوضوح من شخصيات أصبحت تطل علينا وتتحكم بمصيرنا بشكل مزعج في واقعنا الحياتي.

جعلوا مننا خلال ساعتين وعشر دقائق زمن الفيلم شاهدين على نهاية عالمنا وحولونا إلى مجرد متفرجين مستسلمين ومتابعين لمسرحية نهاية العالم ورغم ذلك نضحك على هذا المصير القاتم الذي يتجه إليه العالم بسبب سياسات استخراج النفط المتطرفة التي أدت إلى انهيار التوازن البيئي وقرب نهاية الكرة الأرضية.

وفي النهاية وبعد تلك الرحلة المزعجة (إزعاجًا ممتعُا) وبعد إشباعنا بالتشفي مما آلت إليه أحوال من دمروا الكوكب، تركونا نخرج من هذا العالم في حالة من الرعب على مصائرنا في هذا العالم الذي قارب على الانهيار وبين حالة من الانبهار باللوحة السينمائية التي قدموها لنا عبر هذا الفيلم العبقري.