أجاز المعهد العالي للسينما رسالة الماجستير المقدمة من الباحث محمد رمضان حسين، بعنوان: "الأثر المتوقع لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي على إنتاج الفيلم السينمائي"، في دراسة تفتح ملفًا يتجاوز حدود صناعة السينما ليصل إلى سؤال يهم كل من يجلس أمام شاشة ويشاهد فيلمًا أو مسلسلًا: ماذا سيحدث عندما يصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على المشاركة في صناعة ما نشاهده؟

لم تعد المسألة مجرد خيال علمي. فالتكنولوجيا أصبحت قادرة على إنتاج صور وشخصيات ومشاهد وأصوات شديدة الواقعية، وهو ما يطرح أسئلة جديدة حول مستقبل الفيلم، وطريقة صناعته، ومن سيقوم بصناعته، وكم ستتكلف عملية الإنتاج.

وتحاول الدراسة الإجابة عن سؤال يبدو بسيطًا لكنه يخفي وراءه تغييرات ضخمة: هل سيظل الفيلم في المستقبل يحتاج إلى كل العناصر البشرية التي نعرفها اليوم، أم يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتولى عددًا متزايدًا من المهام التي يقوم بها حاليًا الكتاب والمصورون والمونتيرون ومصممو المؤثرات وغيرهم؟
وتبحث الرسالة في التحولات المتوقعة في مختلف مراحل صناعة الفيلم، من الفكرة والكتابة، إلى الصورة والصوت والمونتاج والمؤثرات البصرية، وصولًا إلى الإنتاج والتوزيع ووصول العمل إلى الجمهور.

لكن الأخطر ربما لا يتعلق بما يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعله، وإنما بما قد لا يستطيع المشاهد اكتشافه. فإذا شاهد الجمهور شخصية تبدو حقيقية، وتتحدث بصوت حقيقي، وتتحرك داخل مكان يبدو حقيقيًا، فهل يمكن أن يعرف أن هذه الشخصية أو هذا المكان لم يكن موجودًا أصلًا؟
ومن هنا تنتقل الدراسة إلى قضية تمس الجمهور مباشرة، وهي العلاقة بين المشاهد والصورة التي يراها، والتأثير النفسي المحتمل للمحتوى شديد الواقعية الذي يمكن إنتاجه باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

كما تفتح الرسالة ملفًا آخر شديد الحساسية: حقوق المبدعين. فمن يملك صورة أو صوتًا تم إنتاجه بواسطة الذكاء الاصطناعي؟ وماذا يحدث عندما تُستخدم ملامح أو أصوات أشخاص حقيقيين في إنتاج محتوى لم يشاركوا في صناعته؟

وتناقش الدراسة كذلك التأثير الاقتصادي المحتمل لهذه التقنيات. فإذا أصبح من الممكن تنفيذ بعض مراحل الإنتاج بتكلفة ووقت أقل، هل يؤدي ذلك إلى خفض تكلفة صناعة الأفلام وفتح الباب أمام صناع أفلام جدد؟ أم يؤدي في المقابل إلى اختفاء بعض الوظائف التقليدية داخل الصناعة؟

وتتوقف الرسالة عند تجربة فيلم The Frost باعتبارها نموذجًا تطبيقيًا يساعد على فهم الإمكانات الجديدة التي تتيحها تقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة الفيلم، وما تثيره في الوقت نفسه من أسئلة فنية وأخلاقية وقانونية.
ولا تكتفي الدراسة برصد التكنولوجيا، وإنما تبحث في شكل السينما التي قد تنتج عنها، وما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيظل أداة في يد المبدع، أم أن اتساع استخدامه قد يؤدي تدريجيًا إلى إعادة تعريف معنى «صناعة الفيلم» نفسها.
وأشرف على الرسالة عدد من الأساتذة من تخصصات مختلفة بالمعهد العالي للسينما، وهم: الأستاذ الدكتور ضياء الدين جابر، أستاذ الإنتاج السينمائي، وشارك في الإشراف الأستاذ الدكتور أشرف أحمد، أستاذ هندسة الصوت السينمائي، وناقش الرسالة الأستاذ الدكتور إبراهيم يوسف النشوقاتي، أستاذ الهندسة الكهروصوتية والذكاء الاصطناعي بالولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك الأستاذ الدكتور عادل يحيى، أستاذ الإخراج السينمائي.

وتخلص الدراسة إلى ضرورة الاستعداد لهذا التحول من خلال وضع أطر واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، بما يحقق الاستفادة من إمكاناته دون إهدار حقوق المبدعين أو القيمة الإنسانية والإبداعية للعمل السينمائي.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأكثر إثارة الذي تطرحه الدراسة هو: إذا أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على كتابة جزء من الفيلم، وصناعة صورته، وإنتاج أصواته ومؤثراته، فأين سيكون الإنسان عندما نصنع أفلام المستقبل؟