عماد أنور يكتب: 90 دقيقة حنين

اقتربت المباراة من نهايتها، وبين الرغبة في أن يطلق الحكم صافرة النهاية، أو استمرار الحالة التي نعيشها أطول فترة ممكنة، وقع أغلبنا في حيرة. العقل يؤكد أن الاكتفاء بالتعادل أمام منتخب قوي بحجم وقيمة المنتخب البلجيكي، بداية جيدة ومبشرة في أولى مباريات منتخبنا المصري في كأس العالم، أما القلب يريد العكس ويتمنى وقتها لو يصدر "فيفا" قراراً بإطالة مدة مباريات كرة القدم إلى ثلاث ساعات أو أكثر، بدلاً من 90 دقيقة!

ننتظر نحن المغتربون أي مباراة للمنتخب بلهفة وفرحة طفولية، هو يوم استثنائي نستعد له كأننا "نازلين إجازة"، مواعيد تحركاتنا لا تحددها عقارب الساعة، بل إن كل المقابلات والالتزامات حتى وجبات الطعام، تسير بتوقيت (قبل وبعد المباراة).

الوحدة تفسد متعة المشاهدة، والكرة تحب "اللمة" والصحبة ضرورية في محاولة لخلق أجواء عائلية، نجهز المشروبات والتسالي، ونجلس أمام شاشات التلفزيون لنسترجع مواقف مر عليها سنوات، ربما نستعيد لقطات من مباريات مثيلة شاهدناها يوماً ما مع أشخاص قريبين إلى قلوبنا لكنهم بعيدون عن أعيننا.

تحمل المباراة لنا شئ من رائحة مصر، تحرك داخلنا الحنين للذكريات وللأهل والأحباب، حالة شرود تقطعها تلك اللحظة التي تمر فيها الكاميرا على وجوه اللاعبين واحداً تلو الأخر أثناء أداء النشيد الوطني، نتلقاها كرسالة اطمئنان على أهالينا، الأجمل أن أهالينا وأصدقاءنا يشاركوننا نفس اللحظة، نتبادل الرسائل عبر "واتساب"، يدور بيننا حديث "عن بُعد" حول المباراة، وتبقى رموز "الإيموجي" وسيلتنا للتعبير عن مشاعرنا وانفعالاتنا.

كان الجو ملئ بالبهجة وقليل من القلق، يشاركنا التشجيع إخواننا الأردنيين والفلسطينيين والمغاربة والسودانيين، أما نحن فخورون بأداء منتخبنا المصري، ننفعل مع كل هجمة، يزيد حماسنا بمجرد أن نرى وجه المدرب حسام حسن على الشاشة، نشيد بجرأة "زيكو"، ونغضب من أنانية مرموش الزائدة عن الحد، ونصفق بحرارة للثبات الانفعالي لحارسنا مصطفى شوبير وهو يتصدى لتسديدات لاعبي بلجيكا.

اكتشفنا أيضاً أنه يتوجب علينا الاعتذار للمتألق محمد هاني بعد أن انتقدناه كثيراً وشككنا في قدراته، فقد قدم أداء استثنائيا ونجح ببراعة في إيقاف خطورة النجم البلجيكي "جيرمي دوكو" وتفوق عليه في أكثر من مواجهة، أما إذا استقرت الكاميرا على محمد صلاح، فلا كلام يكفي للتفاخر.

(شكلنا حلو في الملعب) هذا ما قلناه بعد أن تخلصنا من حالة الدهشة التي انتابتنا من جرأة المدير الفني للمنتخب في التشكيل وتبديل بعض المراكز، وكالعادة، قضينا أغلب الوقت في إبداء الاقتراحات حول تعديل طريقة اللعب. بعد مرور الوقت بدأنا نشعر أن المنتخب البلجيكي صيداً سهلاً ولابد من زيادة الفعالية الهجومية وهزيمته بهدفين أو ثلاثة.

فجأة وصلت الكرة إلى إمام عاشور، تلقاها من صلاح الذي نجح في جرّ مدافعي بلجيكا وإخلاء مساحة كافية للتسديد، فعلها عاشور وأحرز هدفاً من تسديدة صاروخية رائعة، احتفل عاشور بالهدف واحتفل بعضنا معه بالطريقة نفسها، أحدنا أفرط في الفرحة وظل يؤدي نفس الحركة لعدة مرات ذهاباً وإياباً، كان يؤديها أيضاً عند كل هجمة لمنتخب مصر كنوع من استعراض القوة.

تسير المباراة، وبرغم أننا ننتظر الفوز الذي سنتحدث عنه لأيام، إلا أن أكثر ما يسعدنا هو حالة الحنين التي نعيشها ونتمنى ألا تنتهي. 90 دقيقة نشعر معها إننا عدنا إلى بيوتنا وكسرنا قسوة الغربة. علماء النفس يفسرون هذه الحالة بأنها المساحة الزمنية التي ينسى فيها المغترب المسؤوليات والضغوطات، وهي أيضاً نوع من أنواع الدفاع النفسي، حيث أن الإنسان في بيئة جديدة يحتاج دائمًا إلى نقاط ارتكاز مألوفة تشعره بالأمان، وتأتي كرة القدم، بأجوائها الحماسية وتفاصيلها الجذابة، وأصوات المعلقين التي تشبه موسيقى تصويرية لتكون هي هذا الأمان.

انتهت المباراة بالتعادل بهدف لكل فريق، كنا أقرب للفوز، وكانت أمامنا فرصة لزيادة جرعة السعادة، ولأن تشجيع المغترب يحمل دائماً طابعاً عاطفياً، فالفوز ليس مجرد ثلاث نقاط، بل جرعة من الفخر يواجه بها أية مشاعر سلبية.

لم نبرح أماكننا وظللنا نشاهد لقطات ما بعد المباراة، هي لحظات تعيدنا إلى حضن الوطن، لا نريد لتلك اللحظات أن تنتهي حتى لا نعود إلى الوحدة وحديث يومي مع النفس، وتساؤلات كثيرة حول موعد الرجوع ولقاء الأحبة، لكن ما باليد حيلة، جاءت الرسالة عبر "واتساب" لتعيدني إلى الواقع، كتبها أبني وتبعها بـ "إيموجي" القلب الأحمر: "تصبح على خير يا بابا".