مينا محب
الوقوف على المسرح يحتاج موهبة وقدرة على التحكم في التعبيرات والجسد، مع مهارة التقمص لإقناع المشاهد. لذلك كان المسرح «أبو الفنون»، حيث تُصقل المواهب ويُخرَّج فنانون على أعلى مستوى.
وعلى خشبته يتعلم الممثل التنوع: في الكوميديا يُضحك من القلب، وفي التراجيديا يصل بالمشاهد إلى «التطهير» عبر الخوف والشفقة، مع التحكم في مشاعر الجمهور. هذا يمنحه ثقلًا فنيًا ومرونة بين الأدوار: طيب، شرير معقد، أو كوميديا راقية بلا ابتذال.
ومن هنا، يمكن فهم مسار بعض الممثلين ليس كأدوات مساعدة، بل كنماذج تعيد تعريف الأداء.
وخير مثال الفنان حاتم صلاح، الذي جمع بين البساطة الظاهرية والعمق الخفي، وفرض حضوره بأسلوب يستحق التحليل.
ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار ان بدايته الحقيقية كانت بمسرحية «1980 وأنت طالع»، حيث نال شهرته بتعرّف الجمهور عليه. ومع أن الكوميديا ملعبه، أثبت قدرته على تقديم أدوار جدية دون أن يفقد بصمته. فهذا العام ظهر بوجهين متنافرين، مؤكدًا خبراته وقدرته على التنقل بين الأدوار المختلفة دون فقدان هويته الفنية.
الوجه الأول لوجه شخصية شداد في مسلسل «إفراج» كشف عن نقلة نوعية واضحة في مسيرة حاتم صلاح الفنية.
حيث نجح في كسر صورته النمطية ككوميديان خفيف الظل، وقدم شريرًا كاريزميًا مليئًا بالتناقضات: يبتسم وهو يخون، ويضحك وهو يؤامر، مما يجعل الجمهور يتعاطف معه أحيانًا ويكرهه في أحيان أخرى.
فاعْتَمِدْ أسلوبه على نبرة صوت هادئة تخفي تحتها خبثًا ومكرًا، ونظرة عين تحولت إلى لغة تعبيرية صامتة تحمل طبقات متعددة من الدلالات.ففي لحظات السيطرة والخداع بدت النظرة باردة مليئة بالدهاء والثقة المطلقة، بينما تحولت في مشاهد الصدام إلى نظرة حادة مشحونة بالمرارة والقهر.
أما لغة الجسد التي استخدمها فكانت بطيئة وثقيلة، مليئة بالثقل والسلطة، حيث عبرت الحركات المدروسة والوقفة المستقيمة عن سيطرة شداد المطلقة، بينما تحولت في لحظات الصدام والانهيار إلى توتر عضلي واضح وانحناء طفيف يكشف عن الضغط النفسي والغضب المكبوت.
كما اعتمد بثقة على قوة أدائه الداخلي وظهر بشكله الطبيعي بدون مكياج، فالشر هنا لا يحتاج قناعًا خارجيًا، بل ينبع من تعبيرات الوجه والعيون، مما جعل الشخصية أكثر واقعية ورعبًا لأن الوحش يأتي من وجه إنسان عادي يخفي شرًا قاتلًا.
وأبرز ما يميز حاتم صلاح في هذا الدور هو توظيفه الذكي للجمل التي تبدو كوميدية أو عاطفية، بينما تعبر تمامًا عن عكس ما يدور في أعماقه، مثل جملته الشهيرة (أنا مش عارف بحبك كده ليه يا أخي) التي كان يرددها ليتظاهر بحبه لعدوه، فتحولت إلى سلاح درامي قوي يعتمد على التناقض الدرامي والسخرية السوداء.

وهذا يأخذني للاعتقاد بأن أداء حاتم يقترب في بعض جوانبه من نمط (الشر الهادئ) الذي جسده العملاق محمود المليجي في أفلامه الكلاسيكية، خاصة في استخدام النظرات والصمت كأدوات تعبيرية قوية، وفي تحويل الجاذبية الظاهرية (الابتسامة والخفة) إلى مصدر توتر درامي، إذ يجمع شداد بين كاريزما المليجي ودهاء الشرير المعاصر الذي يثير التعاطف أحيانًا رغم جرائمه.
بعد هذا الوجه الذي كشف عن قدرته على تجسيد الشر المتخفي خلف الهدوء، يأتي الوجه الثاني : الذي يتجلى بوضوح في فيلم برشامة حيث عاد حاتم صلاح إلي منطقته الأكثر ألفة، أي الكوميديا ليجسد شخصية "حجاج" السجين الخارج لأداء الامتحان.
وداخل اللجنه تنبع كوميديا حاتم صلاح من المفارقة بين طبيعة «حجاج» العنيفة وخشونة طباعه من جهة، ورغبته الصادقة في تحسين حياته والنجاح في الامتحان من جهة أخرى.
فكل تصرف يقوم به داخل اللجنة، سواء في محاولاته الذكية للتعامل مع زملائه أو مواجهته للفوضى من حوله، يتحول إلى مصدر للضحك، ليس عبر المبالغة أو الأداء المفتعل، بل من صدق الشخصية وطبيعة الموقف العبثية.
وهنا اعتمد حاتم صلاح على ردود أفعال طبيعية، وتوقيت محكم، وقدرة على استخراج الكوميديا من التناقضات الاجتماعية المحيطة بالشخصية، ليحوّل «حجاج» إلى شخصية تراجيدية كوميدية تجذب تعاطف الجمهور وتجعله جزءًا من الصراع، وليس مجرد عنصر ساخر عابر.
يبرز هذا العمق أكثر في التصادم الحاد مع الطالب المتفوق الذي يسعى لتحسين مجموعه ويتمسك بنزاهة الامتحان، حيث يصبح (حجاج) رمزًا للبراجماتية الخشنة في مواجهة المبادئ الصارمة، فتنتج كوميديا ذكية قائمة على التضاد بين الواقع الفوضوي والمواقف الإنسانية الساخرة.

بهذا الأداء، يثبت حاتم صلاح مرة أخرى أن خفة دمه الطبيعية لا تعني سطحية، بل يمكن أن تُدار بوعي وذكاء لتخلق شخصية عميقة، متكاملة، تمزج بين الكوميديا والدراما في آن واحد، مما يجعل (حجاج) أحد أبرز العناصر التي سرقت الأضواء في عمل جماعي متماسك وقوي.
ومع كل ما سبق، لا يُفهم من ذلك أن تجربة حاتم صلاح في «إفراج» و«برشامة» تمثل نقلة مفاجئة أو أولى محاولاته الجادة. بالعكس، سبق له أن أظهر تنوعه في أعمال سابقة مثل «أخواتي» التي حملت كوميديا سوداء عميقة، و«الصفارة» التي اعتمدت على الكوميديا الخفيفة. إلا أن ما يميز هذا العام هو قدرته الفذة على تجسيد وجهين متضادين تمامًا في زمن واحد: الشر الهادئ المرعب في التراجيديا، والكوميديا الراقية المبنية على التناقضات الإنسانية.
وهنا يكمن سر ثقله الفني: (الازدواجية التكاملية) – الجمع بين نقيضين داخل مشوار واحد، دون أن يطغى أحدهما. إنه «ممثل الظل والضوء» الذي يتحرك في المنطقة الرمادية بين الخير والشر، بين الضحكة والدمعة. بهذا يعيد تعريف العلاقة بين الممثل وشخصياته، ليصبح «المسرح المصغر» الذي تتجسد عليه التناقضات الإنسانية. وهذا، باختصار، هو الفرق بين ممثل خفيف وممثل ثقيل.