عمرو منير دهب يكتب: تذكَّرْ وانْسَ.. الفصل الخامس عشر من كتاب "افعل ولا تفعل الشيء نفسه"

هل من المفيد أن نتذكّر كل شيء في كل الأوقات؟ في الواقع، نحن ابتداءً لا نستطيع أن نفعل ذلك.

النسيان بصفة عامة نوعان: ننسى لأننا لا نستطيع استرجاع حدث بعينه من ذاكرتنا، وننسى لأنه ليس في وسعنا استحضار وتمثّل جميع الأحداث التي تحتلّ الذاكرة في آن معاً وإنما نركّز فقط على ما نتعامل معه الآن.

لا يبدو التذكّر بحاجة إلى تذكير بخصوص فوائده، لذلك نحن في معظم الأحيان نتحدّث عن فوائد النسيان، وكأنما نعزّي أنفسنا عندما نفشل في تذكّر شيء ما أو حينما يستفحل سوء الذاكرة لدينا بدرجة مزعجة. ولكن النسيان بالفعل لا يخلو من فوائد جمّة، تماماً مثلما أن الذاكرة الجيدة (ليست الحديدية بالضرورة) لا تخلو من فوائد عظيمة.

عندما نتذكّر أيّ شيء فإن ذلك يقتضي منّا التصرّف حياله بشكل أو آخر، ما يعني أنّ تذكّر أمور عديدة يتطلّب اتخاذ مواقف كثيرة، وتذكّر أمور بالغة الكثرة يستوجب استجابات بالغة الكثرة، وهذا مكمن الإزعاج في التذكّر، أو – للدقة – مكمن الإزعاج في حدّة التذكّر. غير أنه من المهم الانتباه إلى أن الأمر منوط بطبيعة صاحب الذاكرة، ولأن كل إنسان ميسّر لما خلق له فإن صاحب الذاكرة المشتعلة يستمتع بالاستجابة لنيران ذاكرته المتّقدة، وصاحب الذاكرة الخامدة يستريح إلى سكونها في الغالب.

بذلك، تبرز مشكلة الذاكرة على الأرجح عندما يصيبها التغيّر فتخمد نيرانها بعد أن كانت مشتعلة بطبيعتها أو تلتهب بعد أن ظلّت ساكنة لأمد طويل؛ وإذا كانت الحالة الأولى واردة بشدة ومزعجة كونها تحدث ضمن كثير من التغيّرات التي لا تروق الإنسان وهو يرى قواه تخور كلما تقدم به العمر، فإن الحالة الثانية نادرة لكنها ليست مزعجة بل مثيرة ومبهجة وداعية إلى تباهي صاحبها في الغالب.

الحكم لصالح الذاكرة القوية أو الأخرى الأقل حدّة غير دقيق دون النظر إلى كل حالة وملابساتها على حدة. يبدو كلٌّ منّا بحاجة إلى أن يتذكّر بوضوح وإلى أن ينسى تماماً – أو على الأقل إلى حين – في الوقت نفسه.

في "طريق الحكمة السريع" رأينا أننا "عندما ننسى نضفي على قلوبنا التفاؤل، وعندما نتذكر نسبغ على عقولنا الحقيقة"، فالتذكّر يبدو أكثر ارتباطاً بمواجهة الحقيقة التي نفرّ منها إلى النسيان الذي يبدو بدوره أشدّ اقتراناً بتسكين وتلطيف مشاعرنا من سطوة الحقائق القاسية. ولكن ذلك الحكم لا ينبغي أيضاً أن يؤخذ على إطلاقه، فكثيراً ما يتبادل التذكّر والنسيان الأدوار، فيغدو نسيان تجاربنا الذاتية الملهمة سبباً في الشعور بالإحباط عندما نقف إزاء تحدٍّ جديد، ويكون استحضار الذكريات الجميلة دافعاً لنا إلى المُضي قدماً في الحياة بثقة وتفاؤل بصرف النظر عن مدى إدراكنا للحقائق التي تحيط بنا.

اتصالاً للحديث عن المفارقة المتقلّبة بين ما يمكن أن يجرّه التذكّر والنسيان على الإنسان في مختلف المقامات، يبدو التذكّر مرتبطاً بالانتقام في حين أن النسيان أظهر اتصالاً بالعفو. ولكن – كما أشرنا مراراً - ليس من الحكمة إرسال الأحكام المطلقة والتسرّع من ثمّ في رسم معالم الخير وتحديد صورة الشرّ في ضوء ذلك، فتذكّر أفضال الناس – على سبيل المثال – من شأنه أن يفضي الى المبادرة بالعفو عند الاختصام، ونسيان تلك الأفضال – في مقام الاختصام ذاته – مما قد يعمّق النزوع إلى الانتقام.

وإذا كان فضل التذكّر/الحفظ في العلوم والآداب على اختلافها واضحاً وعظيماً، فإن من أفضال النسيان المنسية في الإبداع الأصيل كما يقول البعض – لا سيما في الفنون والآداب – أنه يجنّب الوقوع في شراك التقليد لما هو محفوظ وحاضر في الذاكرة. ولكن الحذر في الحكم واجب هنا أيضاً، فالأرجح أن النسيان أقرب إلى أن يكون مُوقعاً في شراك التقليد لأن المبدع الناسي لن يفطن إلى ما قلّده؛ فتذكّر النموذج الملهم أدعى إلى أن ينأى بالمبدع عن صور التقليد المباشرة.

كلا النسيان والتذكّر إذن ليس مزيّة في ذاته ولا نقيصة في المقابل. من الصعب إصدار الأوامر أو حتى إسداء النصائح إلى أيٍّ من الناس بأهمية أن يشحذ ذاكرته في مقامات بعينها وبضرورة أن ينسى كثيراً من المواقف في المقابل. ذاكرتنا على ما يبدو أكثر دراية بمصلحتنا؛ ثق في حظ ذاكرتك من التذكّر والنسيان ولا تحمّلها فوق طاقتها أو تعنّف نفسك، فالمهم هو أن تتكيّف مع المقدرتين المتقابلتين مهما يكن نصيبك من كلٍّ منهما. إذا رُزقت ذاكرة حديدية استفد منها وحاول أن تتناسى ما ينغّص عليك، وإذا كان حظك ذاكرة مهترئة فاقتنص نعمة التغافل الفطري وحاول أن تتذكّر الأمور بالغة الأهمية على الأقل. تجنّب اللهاث خلف المقدرة التي فاتتك واسْعَ جهدك إلى استكشاف جوانب الحياة الأكثر ملاءمة وتصالحاً مع المقدرة التي تمتلكها، فلكلٍّ من التذكّر والنسيان من المزايا ما ليس في حوزة الآخر.

للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])