سارة الشرقاوي تكتب: عن المجتمع الذي يصنع قاتليه.. قراءة في عرض "متولي وشفيقة"

سارة الشرقاوي

يمثل عرض متولي وشفيقة، من تأليف محمد علي إبراهيم وإخراج أمير اليمّاني، واحدة من التجارب المسرحية الأكثر جرأة وعمقاً في مسرح الطليعة بالعتبة؛ إذ يتجاوز كونه مجرد استعادة لسيرة شعبية، ليصبح عملية إعادة تفكيك للجذور السيكولوجية والسياسية للحكاية، بعيداً عن تنميطها الفلكلوري المعتاد. لقد اختار اليمّاني أن ينفذ إلى جوهر الأسطورة عبر معالجة تضع الإنسان في مركز الدراما قبل الحدث، وتجعل الداخل هو المحرك الأول للسلوك. وقد جاء دعم مدير مسرح الطليعة، المخرج سامح بسيوني، امتداداً لحرصه الدائم على تقديم عروض تمتلك رؤية فنية واعية وقادرة على قراءة التراث قراءة حداثية تتماشى مع طموحات المسرح التجريبي المعاصر.


​منذ اللحظة الأولى، يضع اليمّاني الجمهور داخل عقل متولي، لا داخل فضاء صعيدي جغرافي تقليدي. فالديكور الذي صممه محمد سعد جاء أقرب إلى تلافيف دماغ مضطرب؛ جدران مشققة، خطوط متشابكة، وفجوات ممتلئة بـ البلاليص التي تبدو مثل ذاكرة جافة لا تنسى. هذا التكوين ينسجم تماماً مع المدرسة التعبيرية التي اعتمدها المخرج، إذ يتحول المكان إلى مرآة للداخل النفسي، ويتشظى الزمن بحيث تختلط طبقات الذاكرة باللحظة الآنية. ومن هنا تظهر شفيقة في ثلاث مراحل عمرية جسدتها دالا حربي، منة اليمّاني، ويسرا المنسي كأنهن تجسيد لثلاث طبقات متراكمة من الألم الإنساني.


​ويتعمّق هذا الاتجاه التعبيري عبر حركة الكورس الذي صمم حركته محمد مانو؛ حيث لا يظهر كجوقة تقليدية تحكي، بل كهواجس حية تتحرك حول متولي بإيقاع متوتر. تتلاصق الأجساد بالجدران ثم تنفلت فجأة، كأنها صدى لخوف داخلي يسكن البطل ويقترب منه كلما حاول الهرب. هذه الحركة ليست مجرد زخرفة شكلية، بل تمثيل للحظة النفسية عندما تتحول الوساوس إلى كائنات مادية تتحرك داخل الجسد والروح.

​وتبلغ شفيقة لحظة انكشافها التراجيدي حين تقول عبارتها المؤلمة: "شفيقة ماتت من ياما والباقي منها في انتظارك". إنها جملة تعلن موتاً مبكّراً سببه الانتظار؛ انتظار يشبه عبث صمويل بيكيت في مسرحية في انتظار جودو، حيث يصبح الزمن قوة مدمرة. فشفيقة لم تمت يوم واجهت نصل متولي، بل يوم واجهت خطاب المجتمع الذي حاكمها وأدانها قبل أن ينطق أحد بالحقائق. الجملة تكشف أن موتها كان تراكمياً، نتاج ضغط اجتماعي خانق لا يترك مجالاً للنجاة أو التبرير.

​أما محمد فريد، فيجسد شخصية متولي بعمق سيكولوجي شديد؛ فهو لا يظهر كقاتل تقليدي، بل كإنسان هشّ هزمته الشائعة المسمومة قبل أن يهزم أحداً. وتتجلى ملامح الانكسار في صوته المرتبك ونظراته الخائفة، ليستسلم في النهاية لصوت الجماعة الغوغائي أكثر من صوت الذات.

وفي المقابل، يبرز أداء صلاح السيسي في دور الأب كصورة حادة لسلطة العرف الصارمة، بينما يقدم إسلام مصطفى شخصية ابن العم بوصفه الامتداد الذكوري الذي يحرس حدوداً أخلاقية لا يطبقها على نفسه أبداً. وتأتي تقى طه في دور بنت العم كمرآة كاشفة لتناقض متولي؛ فهو يسمح لنفسه بالحب ويحرّمه على أخته، مما يعمق الفجوة الأخلاقية داخله.

​ويبلغ العرض ذروته الدرامية حين يخبر الأب متولي بأن الأبواب مفتوحة مستنداً إلى كلام الناس وفضائحهم، لكن حين يحاول كاتب الجواب الخروج يجد الأبواب مقفلة فعلياً، فيلتفت إلى الأب ساخراً: "بتقول الأبواب مفتوحة… وها هي الأبواب مقفلة". هذه المفارقة تعرّي آلية صناعة الاتهام من الفراغ، حيث تتحول الشائعة إلى حقيقة ملموسة بينما تظل الحقيقة الأصلية مغطاة ومسجونة خلف الأبواب المغلقة.


​في المقابل، يظهر دياب الذي أداه أحمد عودة كرمز لصراع سياسي اجتماعي ممتد؛ فكره دياب لمتولي منذ الطفولة لم يكن عداءً عابراً، بل تمرداً مكبوتاً تحول إلى رغبة انتقام وحشية عبر جسد شفيقة. هنا يبرز الرمز السياسي الأكثر عمقاً؛ فدياب ليس مجرد غريم شخصي، بل هو تجسيد للمجتمع الزائف والمنافق الذي يتستر خلف قناع الفضيلة ليمارس أبشع أنواع التشوية. إن دياب يمثل تلك القوى الخارجية المتربصة التي تستغل الثغرات والنزاعات الداخلية لتفتيت وحدة الأوطان. وفي هذا الإسقاط، يمكن قراءة متولي بوصفه رمزاً لـ مصر والدول العربية التي تنهكها الصراعات الجانبية وتأكلها الشرور المصنوعة بفعل فاعل، فتضيع قوتها وتتفتت وحدتها تحت وطأة الضغوط الخارجية التي تلبس ثوب العرف أو الحماية. إن متولي هنا هو الإنسان العربي الذي يُستدرج لمعارك وهمية تقضي على أغلى ما يملك، بينما يراقب دياب المجتمع الزائف والعوامل الخارجية هذا الانهيار بانتشاء، محولاً الأوطان إلى ساحات لتصفية الحسابات والسيطرة.


​وتكتمل رؤية هذه اللوحة البصرية من خلال أزياء غادة شلبي، التي جعلت الممثلين جزءاً لا يتجزأ من جدران الذاكرة الترابية، والموسيقى التي صممها أحمد نبيل كنبض داخلي يرافق توتر الشخصيات. أما المكياج، فقد كان نحتاً للزمن فوق الوجوه؛ إذ استطاعت وفاء مدبولي أن تجعل من السنتين فترة غياب متولي تبدوان كأنهما عقود من العذاب، وكأن الألم حفر أخاديداً في الأرواح قبل الوجوه، مما يعمق فكرة الموت التراكمي. كما جاء "فك ضفائر شفيقة" كإشارة بصرية صادمة تمثل هتك ستر الطفولة وبراءتها التي كان متولي يظن أنه يحرسها. بينما لعبت إضاءة إبراهيم الفرن دوراً محورياً في تعرية الصراع، بالاعتماد على الظلال الكثيفة والتباين بين الألوان الباردة للذاكرة والألوان الدافئة المتوهجة التي تسبق الانفجار، مما جعل الضوء شريكاً في توجيه وعي الجمهور نحو المأساة.


​تصل المسرحية ذروتها في مشهد النهاية، حيث تتدلى المرجيحة التي صنعها متولي لشفيقة في عمق المسرح كجرح مفتوح. يجتمع حولها متولي وشفيقة بهيئاتها الثلاث والكورس، فتتجسد المأساة كاملة: فقدان البراءة والحلم، وعجز الإنسان عن مواجهة هواجسه. ثم تُغلق العصيّان المشهد كآخر باب للخلاص، مع توهج الضوء الأصفر والأحمر كألسنة نار تشير إلى الاحتراق الداخلي الذي يصنعه الخوف. يمثل العرض نموذجاً لتكامل النص والإخراج والسينوغرافيا؛ فالنهاية ليست مجرد إغلاق لحكاية، بل هي إغلاق لإمكانات الوعي، وتأكيد على أن المأساة تكمن في مجتمع زائف صنع القاتل، وفي قوى خارجية تعبث بمصير الأوطان، ليغادر الجمهور متسائلاً: إلى أي مدى يستطيع الوطن مقاومة الشرور التي تُفرض عليه من الخارج لتأكله من الداخل؟