أحمد عصمت يكتب: تأملات في اليوم العالمي لتدقيق المعلومات

يأتى اليوم والعالم صامت على تلوث بيئة المعلومات التي نعيش فيها. تلوثاً أدى إلى فقدان رغبة الجماهير في المعرفة وانغلاقهم في بؤر مضللة وفقاعات معلوماتية رخيصة ومجموعات مغلقة تردد الكلام ذاته دون تحقق أو مراجعة.

إن التعدي على المعلومات بإجتزائها واقتطاعها وتحويرها وإضافة ما ليس فيها هو إجتراء على الإنسان نفسه ويتساوى مع القتل الممنهج؛ فهو محاولة لتحييد الوجدان وإذهاب العقل والإخلال بقدرته على الفهم وبالتالي إتخاذ القرار.

ولعل التزييف العميق هو عنوان المرحلة؛ فالكذب لم يعد يكتفي بتحريف الكلمات أو التلاعب بالعناوين، بل صار يرتدي وجوهاً حقيقية وأصواتاً مألوفة في صور ومقاطع فيديو مُصنَّعة بالكامل بتقنيات الذكاء الاصطناعي، تُظهر أشخاصاً يقولون ما لم يقولوه ويفعلون ما لم يفعلوه أصلًا.

إننا نعيش زمنًا يمكن فيه اصطناع ذاكرة بصرية مزوَّرة، تُقوِّض الثقة في كل ما نراه ونسمعه، وتحوّل الشك من أداة صحية للتفكير النقدي إلى سحابة كثيفة من الارتياب العام بكل شيء.

الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق يثيران كثيرًا من الضجيج والهلع الأخلاقي، غير أنّ جوهر التهديد لا يكمُن في الأداة ذاتها بقدر ما يكمُن في الأدلة الزائفة أيًّا كانت وسيلة إنتاجها. على المدى القريب، يتركّز القلق الأكبر في تمرير تسجيلات صوتية مزيفة بتقنيات التزييف العميق دون أن تُكتشَف، خصوصًا في ظل قصور أدوات الكشف الحالية -أحياناً- عن ملاحقة تطور هذه التقنيات. هنا يظل النظام القضائي، وحق كل طرف في مساءلة أدلة الطرف الآخر والطعن فيها، خط الدفاع الأهم عن العدالة.

أمّا على المدى المتوسط، فيبرز خطر آخر لا يقلّ خطورة: الاكتفاء بالحلول التقنية وحدها، وتضخيم قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي على حل المشكلة، والاعتماد الكامل عليها، بينما الأطر البشرية والأخلاقية والإجرائية والتنظيمية الكفيلة بضمان تشغيل هذه الأدوات بعدل وشفافية لم تكتمل بعد.


في خضم هذا المشهد المربِك، يجيء اليوم العالمي لتدقيق المعلومات في الثاني من أبريل من كل عام، بوصفه تذكيرًا جماعيًا بأن الحقيقة ما زالت تستحق أن تُدافَع عنها، وأن مواجهة التضليل ليست ترفًا مهنيًا بل ضرورة ديمقراطية وأخلاقية. هذا اليوم، الذي أطلقته الشبكة الدولية اليوم العالمي لتدقيق المعلومات التابعة لمعهد بوينتر عام 2016، هو دعوة مفتوحة لكل من يعمل في الصحافة والتعليم والإعلام، ولكل مستخدم عادي، ليكون شريكًا في صون بيئة المعرفة لا متلقياً سلبياً في سوق الأكاذيب.

التحقق من المعلومات لم يعد مهمة حصرية لغرف الأخبار والمؤسسات الإعلامية والصحفية، بل أصبح مهارة حياتية؛ مثل القراءة والكتابة تمامًا. أن تتريث قبل المشاركة، أن تسأل عن المصدر، أن تبحث عن خبر آخر يؤكد أو ينفي، أن تُعمل عقلك قبل أن تضغط زر المشاركة وإعادة الإرسال؛ كل ذلك صار جزءاً من أخلاقيات المواطنة الرقمية، ومن الحد الأدنى من احترام الذات قبل احترام الآخرين.

في المقابل، تتحمل منصات التواصل الإجتماعى والحكومات والمؤسسات الإعلامية والتقابات مسؤولية مضاعفة: أن توفّر أدوات كشف التلاعب، وتزيد من شفافية خوارزمياتها، وتشرّع سياسات تردع الاستخدام الإجرامي للتزييف العميق دون أن تخنق حرية التعبير، وأن تستثمر بجدية في التربية الإعلامية والرقمية داخل المدارس والجامعات والتعلم غير الرسمي. فالمعركة مع التضليل لا تُربَح فقط بحذف المحتوى الزائف، بل ببناء عقول قادرة على مقاومته.

يشكل اليوم العالمي لتدقيق المعلومات لحظة لمساءلة أنفسنا: هل نُسهم -عن جهل أو تهاون- في تلويث الفضاء العام؟ أم نختار أن نكون جزءًا من دفاع هادئ ومستمر عن حق الناس في معلومات حقيقية؟ إن تحويل هذا اليوم إلى سلوك يومي يبدأ من قرار بسيط: ألا نسمح للكذب، مهما تجمّل بتقنيات متطورة ووجوه شهيرة، أن يمرعبرنا إلى الآخرين دون مقاومة.

نرشح لك: من يربح من "إدمانك الرقمي"؟.. أسبوع محاكمة السوشيال ميديا