عمرو منير دهب يكتب: اثأر وسامح.. الفصل الرابع عشر من كتاب "افعل ولا تفعل الشيء نفسه"

أيهما أبعث على قدر أعمق من الارتياح والرضا: الانتقام أم العفو؟

تذهب أدبيات التنشئة وأخلاقيات التعامل الرسمية في مختلف الثقافات بصفة عامة إلى ترجيح كفة العفو في معرض الإجابة على السؤال أعلاه، فماذا عمّا نُسرّه في أنفسنا ونمارسه بشكل تلقائي عند اشتعال المواقف الحادة بتأثير ما نعتقد أنه ابتداءٌ بالاعتداء الغاشم من خصم لدود أو حتى فيما دون ذلك من المواقف البسيطة المستفزة؟

الأرجح أننا نميل إلى الانتقام بشكل تلقائي قبل أن يذكِّرنا أحدهم بأيٍ من بنود مواثيقنا الأخلاقية الحاضّة على العفو؛ وقلّما نتذكر تلك البنود من تلقاء أنفسنا عندما تكون المواقف بالغة الحدة أو حينما يكون الاستفزاز شديد الاستثارة والتنغيص بصرف البصر عن حدّة الموقف أو أهميته.

العفو أبعث على الارتياح بالنسبة للطرف الأقوى إذا كان شديد الإيمان بقيمة العفو وكانت عوائد العفو المعنوية – وربما المادية كذلك بصورة غير مباشرة – مجزية في محيط يقدّر تلك القيمة وموقف يعمّق ذلك التقدير؛ فالعفو المجّاني – ماديّاً أو معنويّاً – قلّما يكون مغرياً، ومن الصعب - بل المستحيل - أن يعفو أيّ من الناس دون مقابل معنوي (على الأقل) يتمثّل فيما تبشّر به مواثيق الأخلاق والأعراف موضع الامتثال بحسب كل مجتمع. في المقابل، يبرز الانتقام بوصفه بديلاً باعثاً على الرضا الفوري في غياب الرقابة الأخلاقية؛ ولكلٍّ مسوّغاته للانتقام، إذ ننظر إلى أنفسنا غالباً على أننا ضحايا اعتداءات بُودرنا بها من آخرين، أو على الأقل ضحايا محتمَلين لاعتداءات وشيكة تستوجب الهجوم الاستباقي درءاً لها قبل نشوبها.

إذا كانت الراحة التي يبعثها العفو تتطلّب مجهوداً لضبط النفس يتعاظم بتعاظم التحدّي الذي تتم مواجهته، فإن للانتقام لذّة فورية لا تتطلّب للظفر بها سوى الاستجابة بالموافقة على ردة الفعل الفطرية تجاه أي تعدٍّ - أو ما نخاله تعدّياً - من قبل الآخرين. غير أن عواقب الاندفاع إلى الانتقام قد تكون وخيمة إذا لم يحالف النجاح مساعي المنتقِم، فعوضاً عن اللذة العارمة تستولي حينها على طالب الانتقام الحسرة، وتتضاعف الحسرة بتوالي فشل محاولات الانتقام؛ وهذا فرق جوهري بين الانتقام والعفو لصالح الأخير، فالعفو لا تفشل مساعيه حتى إذا رفضه الطرف الآخر إلّا إذا كان من يبادر إلى المصالحة يتطلّع من ورائها إلى مقابل مادّي، أمّا عوائد العفو المعنوية كما تبشّر بها المواثيق الأخلاقية والأعراف فتظلّ جائزة شبه مضمونة لمن يبادر بالسماح؛ وعندما يتجاوز المبادرُ بالسماح الطمعَ المباشر في عوائد استثمارات العفو المعنوية - من بنوك الأعراف والمواثيق الأخلاقية – منصرفاً إلى ما يطغى من الطمأنينة على وجدانه نتيجة الابتعاد عن الانشغال بتفسير كل واردة وشاردة من سكنات الناس ولفتاتهم فإن عوائد العفو المعنوية تلك تتضاعف أضعفاً كثيرة بما لا يقاس بحال إلى أية لذة يمكن أن يورثها الانتقام مهما يكن باعثاً على التشفّي.

غير أن الانتقام ليس شرّاً كلًّه، تماماً مثلما أن العفو ليس خيراً في كل الأحوال؛ والانتقام لا يجب أن يكون دوماً انتقاماً ضارياً، كما أن العفو في المقابل ليس من المنطقي أن يكون عفواً مطلقاً في كل مقام. هذا، وعلى الرغم من أن ردّات الفعل لأيٍ منّا معلّقة إلى حدّ بعيد بما جُبل عليه من الطباع، فإن من الحكمة ألّا يخضع الواحد لقيود الصورة المثلى - أو حتى لقيود الصورة المنمّطة التي يحشر الآخرون انفعالاتِه في إطارها - وهو يستجيب لهذا الحدث أو ذاك.

أطلق لمشاعرك العنان لحظة تلقّي الصدمة الأولى لأي حدث، لكن لا تنجرف أبداً خلف تلك المشاعر بعدها قولاً أو فعلاً. قدِّر ما يستحقه الموقف ليس مفاضلة بين الانتقام والعفو وإنما بحساب طبيعة ومدى أيٍّ منهما بحسب ما تراه مستحقاً، فكلاهما أشكال ودرجات؛ وتذكّر أن كثيراً من الأحداث والناس يحرّضونك على اتخاذ المواقف – لتبرز كبطل في الثأر أو أيقونة في العفو - والحال لا يقتضي منك في كثير من الأحيان سوى أن تلتقط أنفاسك وتدع الحدث ينصرف في سلام.

للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])