من يربح من "إدمانك الرقمي"؟.. أسبوع محاكمة السوشيال ميديا

أسماء مندور

يبدو أن الجدل حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد مقتصرًا على الدراسات والتحذيرات، بل دخل مرحلة جديدة تتمثل في الأحكام القضائية الملزمة.

فخلال أسبوع واحد فقط، تلقت شركات التكنولوجيا الكبرى ضربتين قانونيتين مختلفتين في طبيعتهما، لكنهما تلتقيان في نتيجة واحدة وهي التشكيك في نموذج عمل قائم على جذب انتباه المستخدمين، خصوصًا الأطفال، بأي ثمن.

وبينما ركز أحد الحكمين على فشل حماية القُصّر، كشف الآخر ما هو أعمق، من خلال تصميم منصات قد يدفع نحو "إدمان الاستخدام القهري".

أحكام ملزمة

في القضية الأضخم من حيث القيمة، ألزمت محكمة أمريكية شركة ميتا Meta بغرامة نحو 375 مليون دولار، بعد إدانتها بتضليل المستخدمين بشأن أمان منصاتها، إذ رأت المحكمة أن الشركة لم توفر بيئة آمنة للأطفال، بل سمحت بوجود ثغرات مكّنت مجرمين من استغلال القُصّر، في ظل غياب إجراءات حماية كافية.

ووفقًا لتحليل صحيفة الجارديان، فإن هذا الحكم لا يتناول "الإدمان" بشكل مباشر، لكنه يضرب في صميم مسؤولية المنصة عن سلامة المستخدمين، ويؤكد أن شركات التكنولوجيا لم تعد قادرة على الاحتماء خلف فكرة أنها "مجرد وسيط محايد".

إدانة آليات التصميم

على الجانب الآخر، جاءت القضية الثانية، رغم تعويضها الأقل حوالي 6 ملايين دولار، أكثر خطورة من حيث التأثير القانوني، حيث حمّلت هيئة المحلفين في هذه القضية، التي رفعتها شابة عانت من الاكتئاب وإيذاء النفس، منصات مثل إنستجرام ويوتيوب مسؤولية تصميم خصائص تعزز الاستخدام القهري.

اللافت هنا أن الحكم لم يركز على المحتوى، بل على آليات تصميم المنصات مثل التمرير اللانهائي، والتشغيل التلقائي، وأنظمة التوصية المتمثلة في ما يُعرف بـ "الخوارزميات"، وهو ما يمثل تحولًا جذريًا في طريقة محاسبة هذه الشركات.

هندسة الإدمان

يُشبّه محللون في الجارديان هذه المرحلة بما حدث مع شركات التبغ في التسعينيات، حين أُجبرت على الاعتراف بأضرار منتجاتها ودفع تعويضات ضخمة.

لكن الفارق هنا أن شركات التكنولوجيا استفادت لأعوام طويلة من قوانين تحميها من المسؤولية عن المحتوى الذي ينشره المستخدمون، بحجة أنها مجرد أداة للتواصل البشري في عصر يتجه بوتيرة متسارعة نحو "الرقمنة الكاملة".

وفي حين أن بعض الأحكام الأخيرة، تعتبر محدودة نسبيًا من حيث القيمة المالية، إلا أن صحيفة لوس أنجلوس تايمز وصفتها بأنها "مبادرة قانونية" قد تُستخدم في آلاف القضايا المشابهة ضد شركات التكنولوجيا، وتفتح بابًا جديدًا لاعتبار المنصة نفسها منتجًا "ضارًا".

وهذا التحول يعني أن المشكلة لم تعد في "ما يُعرض"، بل في "كيف يُعرض"، أي في تصميم تجربة المستخدم التي تُبقيه متصلًا لأطول وقت ممكن.

ضغوط عالمية

بالتوازي مع المسار القضائي، تتجه حكومات عدة لفرض قيود على استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك تحديد الأعمار أو تقليص الخصائص التي تشجع على الاستخدام المفرط.

في خطوة وصفتها شبكة BBC بأنها تضع نموذج الربح هذا، القائم على "إطالة الاستخدام" تحت ضغط متزايد، حيث تعتمد هذه الشركات على إبقاء المستخدمين أطول فترة ممكنة لزيادة العائدات الإعلانية.

في المقابل، لا يزال الجدل قائمًا حول توصيف هذه الظاهرة، هل نحن أمام إدمان حقيقي، أم مجرد استخدام مفرط؟ لكن حتى مع هذا الخلاف، تتفق أغلبية الآراء على أن بعض الفئات، خاصة الأطفال، أكثر عرضة للتأثر بهذه الأنظمة.

وختامًا، بينما تستعد هذه الشركات لمعركة قانونية طويلة عبر الاستئناف، يبدو أن السؤال لم يعد هل ستُحاسب،

بل إلى أي مدى يمكن أن تغيّر هذه الأحكام شكل السوشيال ميديا كما نعرفها؟