هدير عبد المنعم
تصدرت قضية "سفاح التجمع" الترند في مصر والوطن العربي حيث كانت القضية الأبرز في عام 2024، بسبب بشاعة أفعاله وتنكيله بضحاياه وأفعاله السادية معهم، وانتهت القضية بالحكم بالإعدام شنقا على المتهم.
هذا من الجانب القانوني، ولكن بعض القصص لها جوانب أخرى تستحق أن تروى، وهو ما دفع محمد صلاح العزب لخوض أولى تجاربه الإخراجية بجانب التأليف في فيلم "سفاح التجمع" بطولة الفنان أحمد الفيشاوي.
اعتمد محمد صلاح العزب في الكتابة والإخراج في بناء شخصية شريف الذي يجسد شخصيته أحمد الفيشاوي على الغموض الذي ينكشف تدريجيا، وحتى شخصيات الضحايا منحها أبعادا متعددة، حيث أظهر مشاعرهن وروى لنا على ألسنتهن ومن خلال مشاهد الفلاش باك من هن وما هي دوافعهن التي ساقتهن إلى فخ "سفاح التجمع"، ولم يكتفِ بمجرد تصويرهن كفتيات ليل بشكل سطحي، بل قدمهن كشخصيات لها دواخل وتفاصيل في سرد وصورة سلسة وقريبة من المشاهد، فلا يكاد يتعاطف مع ضحية حتى تأتي الضحية الأخرى بحكايتها الخاصة فينجذب لها في تتابع مشوق، فلم يجعل "العزب" الضحايا شخصيات هامشية، واكتفى بالتركيز على البطل، بل جعل كل واحدة بطلة حكايتها.
الانتقال السلس بين مراحل زمنية مختلفة لسرد الأحداث، اتضح في الانتقال بين ماضي البطل "شريف" وتطور شخصيته من الطفولة والمراهقة ثم الشباب وزواجه ثم علاقته بابنته، وارتكاب الجرائم وحتى كيفية القبض عليه والحكم عليه بالإعدام.
ولكن علاقة شريف بوالدته التي تجسد شخصيتها صابرين، لم تضح ملامحها بشكل كاف، فلم نرى منها سوا إشارات سطحية قليلة، رغم أهمية تفاصيل تلك العلاقة التي بدت كسبب أساسي في تركيب شخصية شريف ودفعه لارتكاب الجرائم، كما أن أداء صابرين الجيد في المشاهد القليلة التي ظهرت بها، يجعل المشاهد يرغب في معرفة تلك الشخصية بشكل متعمق وليس مجرد مرورا سريعا.
لم نعرف الكثير عن انتصار، رغم أنها شخصية محورية، حيث هي من كانت ترسل له الضحايا من فتيات الليل "جيسيكا حسام، مريم الجندي، آية سماحة، يسرا مسعودي"، ولم نعرف مصير ابنتها شمس الضائعة ولا تعرف عنها شيئا منذ فترة، وكانت على علاقة بشريف، ومع ذلك لم تشك انتصار به، ولم يتضح خلال الأحداث هل شمس من الضحايا أم لا، وهذا لأن الملف ترك مفتوحا، حيث لم يؤكد أو ينفي شريف ارتكابه جرائم أخرى سوى 3 ضحايا تمت مواجهته بهن، واتضح في أحد المشاهد أنه قتل العديد من الضحايا غيرهن، وقد يتم العثور على ضحايا أخريات قتلهن شريف حتى بعد إعدامه.
على الجانب الآخر، ظهر الاهتمام بتفاصيل عمليات القتل، فـ شريف يحرص على الآتي عند قتل الضحية:
- ارتداء روب أبيض.
- قناع وجه أبيض.
- بعد قتل الضحية، يضع لها أحمر شفاه.
- يمارس الجنس مع الضحية بعد وفاتها.
- تصوير نفسه وهو يضرب الضحية قبل القتل ثم وهو يمارس الجنس معها بعد القتل ولكن لا يصور لحظة الموت، حتى لا يحزن عندما يعود لمشاهدة تلك الفيديوهات.
- عمل تاتو في ساق الضحايا "Family comes first" والذي ظهر على ساق ابنته الصغيرة في نهاية الفيلم في إشارة إلى أنها هي أيضا من ضحاياه، حيث كان يرتكب جرائمه وهي معه في نفس المنزل، وكان يعتمد على عزل الصوت في غرفته، كما كان يضع لها منوم في العصير حتى تنام، التي جسدت شخصيتها الطفلة تمارا، والتي قدمت أداءً مميزا، حيث نجحت في تجسيد مشاعر الخوف خلال مشاهدها مع والدها.
- وضع الضحية في حقيبة سفر كبيرة.
- إلقاءها في مكان بعيد عن الكاميرات.
الحوار بين وكيل النيابة الذي يجسد شخصيته نور محمود وشريف الذي يجسد شخصيته أحمد الفيشاوي، جدير بالاهتمام، حيث جاء كاشف لدواخل الشخصية ودوافعها ومشاعرها تجاه الضحايا وأثناء ارتكاب الجرائم، وليست أسئلة صماء مجردة، كما جاء أداء نور محمود مميز، يجمع بين القوة والذكاء والتفاعل الحي، فيلفت انتباه المشاهد، حتى لو كان المشهد يجمعه مع السفاح الذي هو بطل الحكاية..
وعلى ذكر البطل وهو أحمد الفيشاوي، فقدم أداءً مميزا، ونجح في تقديم شخصية "سفاح" يتجول بين الناس كشخص عادي، بل يبدو مثقفا، ثريًا، مهذبًا في تعامله مع الآخرين ويتحدث الإنجليزية، أيضا، أبًا حنونًا، مع ابنته، وفي لحظة يتحول إلى قاتل متسلسل عنيف، خالي من أي مشاعر، وأمام وكيل النيابة، يجلس هاديء وواثق من نفسه وإجابته ثابتة، فكنا أمام "فيشاوي" متوازن، ومتحكم في إيقاع الأداء.
وبذلك يكون محمد صلاح العزب قدم في أولى تجاربه الإخراجية، كادرات سينمائية مدروسة بعناية ودقة متناهية، باستخدام أدواته بإتقان، وأثبت حضوره القوي من خلال رؤية بصرية أضافت للفيلم بعدا ثريا؛ ورسمت الشخصيات والأحداث بأسلوب مشوق وجذاب دون إقحام مشاهد خارجة وعنف منفر أو مبالغ به.