عمرو منير دهب بكتب: احكم على الناس ولا تحكم عليهم.. الفصل الثالث عشر من كتاب "افعل ولا تفعل الشيء نفسه"

من يقاوم إغراء الحكم على الناس؟

الحكم على الآخرين بالغ التأصُّل في نفوس البشر، بحيث يتخطّى مجرد كونه فعلاً مغرياً ليبرز كما لو كان ردّة فعل تلقائية تحتاج إلى تدريب مكثّف لكبت جماحها.

ولكن قبل التدرُّب على كبت جماح شهوة الحكم على الناس ينبغي أن تكون ثمة قناعة عميقة بأهمية ترك الآخرين وشؤونهم الخاصة ما لم تتعدّ على شؤوننا، قناعة بالتماس العذر للناس عندما تثير أفعالهم انزعاجنا أو دهشتنا ونحن لا نعلم ما وراء تلك الأفعال من الدوافع؛ ومن الجدير بالانتباه أن الغاية من الوقوف على دوافع الناس ليست الإيمان بأهميتها وجدواها قدر ما هي استيعاب الصورة الكاملة لما يحيط بالآخرين وما هم منغمسون فيه مما يحرضهم على هذا الفعل وذاك بحيث ندرك أننا كنّا على الأرجح سنفعل مثلهم لو وُضعنا مكانهم.

ولكن هل الحكم على الناس دوماً فعل مشين؟ في الواقع يستحق حكمنا على من حولنا ذلك الوصف عندما يصبح عادة نمارسها تجاه أفعال الآخرين فنتوجّه إليهم بآرائنا فيما يتعلّق بكل ما لا يروقنا مما يصدر عنهم من أفعال أو أقوال؛ أمّا أن نحتفظ في قرارة أنفسنا برأي حول هذا الفعل أو ذلك القول لأحدهم فهي فعلة تستحقّ وصفاً أخفّ من الإشانة.

ليس ممكناً أن نتجنّب تماماً الاستجابة لما يقوم به أو يقوله الآخرون؛ مَن يطلب ذلك ينشد المستحيل، سواءٌ توجّه بالطلب على سبيل النصيحة إلى غيره أو حاول هو نفسه الامتثال لذلك السلوك الموغل في المثاليّة. ولكن حتى الاستجابات التي نضمرها في أنفسنا تجاه أفعال وأقوال غيرنا تصبح مزعجة وغير مرغوب فيها إذا استحكمت وصارت عادة بحيث لا نترك واردة ولا شاردة مما يقوم به ويقوله الناس دون أن نصدر حكماً قاطعاً يشغل حيّزاً من مشاعرنا التي من الحكمة أن تظل على أقصى ما يتسنّى من الحياد تجاه ما يقع من شؤون الناس التي لا تعنينا؛ والامتحان الأكبر بالنسبة لنا هو ذلك المتعلّق بقدرتنا على ضبط النفس بتحرّي أقصى درجات الحياد في الانفعال تجاه الإسراع إلى الحكم على الآخرين فيما يعنينا من أقوالهم وأفعالهم.

النصيحة بالحكم على الفعل/القول وليس على صاحبه نصيحة رائعة ولكنها صعبة التحقق إلى مدى بعيد. كم مرّة تسنّى لنا أن ننزعج من الفعل دون أن ينتابنا الضيق من فاعله؟ حتى عندما نفلح – بأي قدر - في أن نتخيّل أنفسنا مكان من نعتقد أنه أساء إلينا لا يسعنا تجاوز الشعور بالضيق من الإساءة مهما تكن قناعتنا بالظروف القاهرة التي حدته إلى ذلك السلوك.

لا غضاضة إذن في أن نرخي لأنفسنا الزمام من حين إلى آخر فنمارس غواية الحكم على الآخرين دون أن ينتابنا تأنيب الضمير؛ ولكن علينا التأكّد من أن حكمنا على الناس لا ينقلب إلى عادة، وأننا نحتفظ بما نطلقه من أحكام لذواتنا ولا نُغِير به على الناس بما يطيح بعلاقة ثقة من أي مستوى بيننا وبينهم ولو كانت علاقة عابرة. الأهم مطلقاً في هذا السياق هو أن نترك الأبواب والنوافذ مشرعة لتغيير أحكامنا التي لم نستطع مقاومة إغراء إطلاقها - مهما تبدُ بسيطة – على سلوك الآخرين أو عليهم شخصيّاً؛ وفي هذا يبدو من يعمد باستمرار إلى تعديل أحكامه على الآخرين في ضوء ما يعنّ له من مؤثرات في الحكم - كانت خافية عليه من قبل - أفضل من ذلك الذي يحتفظ في بواطنه بأحكام قاسية على من حوله ولا يصرّح بها فقط خشية أن يُرمى بتهمة الحكم على الآخرين.

من المهم أن نبادر فلا ندع الصُّدَف وحدها تكشف لنا من الدوافع والمؤثرات ما يحدو بنا إلى تغيير أحكامنا التي تعجّلنا إلى إطلاقها على الناس؛ الأهم أن تصبح المبادرة إلى نبش تلك الدوافع والمؤثرات عادة بالنسبة لنا؛ وجميل أن ندرك أن تلك العادة تعود علينا بالنفع أكثر مما تعود به على أولئك الذين جلدناهم بسياط أحكامنا المستعجَلة.

للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])