في أولى تجاربه الدرامية.. جمال رمضان: "إثبات نسب" محاولة لفهم الإنسان قبل الحكم عليه

في تجربته الدرامية الأولى، يطرح الكاتب جمال رمضان سؤالًا شديد

القسوة: ماذا يحدث للإنسان حين يفقد فجأة كل ما يثبت وجوده؟

من خلال مسلسل "إثبات نسب"، يحاول رمضان أن يقترب من فكرة الهوية بوصفها حالة إنسانية لا مجرد وثيقة قانونية. حكاية تبدأ بخطف طفل، لكنها سرعان ما تتحول إلى مواجهة مع أسئلة أكبر عن الحقيقة واليقين والذاكرة.

في هذا الحوار يتحدث مؤلف العمل عن كواليس الكتابة، وعن علاقته بالشخصيات، وعن تجربته الأولى في الدراما التلفزيونية.

كيف جاءت فكرة "إثبات نسب"؟ وهل بدأت كقصة أم كفكرة فلسفية عن الحقيقة والذاكرة؟

كل قصة في رأيي تبدأ بسؤال. سؤال يطرحه الكاتب على نفسه قبل أن يطرحه على العالم. قد يكون سؤالًا بسيطًا، وقد يكون سؤالًا معقدًا أو وجوديًا. في "إثبات نسب" كان السؤال وجوديًا في جوهره؛ متعلقًا بالهوية وبالإحساس بالوجود نفسه، ذلك الإحساس الذي قد يتبدل تمامًا بتبدل الظروف.

من هنا بدأت الحكاية بحدث يبدو عاديًا للغاية: امرأة تستيقظ من نومها في هدوء كامل، لتجد نفسها فجأة أمام مفاجأة تقلب حياتها رأسًا على عقب. تخيّل أن تستيقظ لتكتشف أن الواقع الذي عشته طوال الوقت ربما لم يكن كما ظننته، وأن ما كنت تعتبره يقينًا أصبح موضع شك. في تلك اللحظة يبدأ الإنسان في طرح أسئلة قاسية على نفسه: هل يحاول أن يثبت للآخرين أنه كان على حق؟ أم أنه يحتاج أولًا أن يثبت الحقيقة لنفسه قبل أي أحد آخر؟

هل المسلسل يحكي عن حدث محدد أم أنه محاولة لتجسيد تجربة نفسية عامة؟

العمل ليس مقتبسًا من قصة حقيقية بالمعنى المباشر. أنا في الأساس لا أميل إلى الاقتباسات، ولا أحب أيضًا تلك الجملة الجاهزة التي تقول إن العمل مأخوذ من ملفات قضايا سرية أو ممنوعة من النشر. بالنسبة لي، الكتابة هي خيال قابل للتصديق. خيال يمنح المشاهد إحساسًا بأن ما يراه ربما لم يحدث فعلًا، لكنه كان من الممكن أن يحدث في حياته أو في حياة أي إنسان حوله. هذه المساحة بين الخيال والواقع هي التي تصنع، في رأيي، صدق التجربة الدرامية.

ما السؤال الأكبر الذي كنت ترغب في طرحه على المشاهد من خلال العمل؟

السؤال المركزي في العمل بسيط في صياغته لكنه شديد القسوة في مضمونه:

ماذا لو سُلب منك كل ما يعرّفك أمام الآخرين؟ كيف ستدافع عن نفسك وعن حقيقتك؟

في "إثبات نسب" تبدأ الحكاية بخطف طفل يصبح محور صراع كل الأطراف، وتنتهي بعودته إلى أمه. لكن القضية لا تتوقف عند هذه النقطة الظاهرة. السؤال الأعمق الذي يطرحه العمل هو: هل إثبات النسب مجرد ورقة قانونية، أم أنه اعتراف إنساني بالحقيقة؟

لهذا السبب لم يكن التركيز في العمل على الإجراءات القانونية أو مشاهد المحاكم، لأن القضية في جوهرها ليست قضية أوراق بقدر ما هي قضية يقين. فحين يصل الجميع إلى الحقيقة ويعترفون بها، تصبح الورقة مجرد خطوة إجرائية لاحقة، بينما تكون المعركة الحقيقية قد حُسمت بالفعل داخل ضمائر البشر.

هل كانت الأمومة محور التجربة النفسية منذ البداية أم تطورت الفكرة أثناء الكتابة؟

منذ البداية كان واضحًا أن الفكرة ترتكز على مشاعر الأمومة بكل ما تحمله من خوف وفقد وقلق. ليس فقط لأن هذا الجانب مؤثر دراميًا، بل لأنه يضع الحكاية في أقرب نقطة ممكنة من وجدان الناس. الأمومة تجربة إنسانية شديدة العمق، وعندما توضع في موضع التهديد أو الشك تصبح قادرة على كشف طبقات كثيرة من النفس البشرية.

أما التطور أثناء الكتابة فكان يتعلق أكثر بتفاصيل الأحداث ومنطقيتها وترابطها. أحيانًا، ومع نضج الشخصيات أثناء الكتابة، تبدأ هي نفسها في دفع القصة إلى اتجاهات جديدة، لكنها في النهاية تظل محافظة على جوهر الفكرة الأساسية.

كيف اخترت شخصياتك؟ وما سر اختيار نوال لتكون البطلة؟

نوال ليست شخصية استثنائية بالمعنى التقليدي للبطولة. هي تشبه كثيرًا من النساء اللواتي نعرفهن في حياتنا اليومية: في طيبتها، في بساطتها، وفي طموحها أيضًا. هذا القرب الإنساني هو ما يخلق رابطًا بينها وبين الجمهور. حين تمر شخصية عادية بتجربة استثنائية، يصبح وقع الصدمة أكثر تأثيرًا، لأن المشاهد يشعر بسهولة أن ما يحدث لها كان يمكن أن يحدث لأي شخص آخر.

هل الشخصيات مبنية على أشخاص واقعيين أم أنها خيالية بالكامل؟

في الحقيقة لا توجد شخصية درامية تنشأ من فراغ كامل. الشخصيات غالبًا ما تكون مزيجًا من نماذج إنسانية متعددة. قد تكون الشخصية الواحدة مركبة من أكثر من شخص حقيقي، أو من مواقف وتجارب مختلفة التقاها الكاتب في حياته. مثلما يمكن أن يجتمع الخير والشر داخل الإنسان نفسه، يمكن للشخصية الدرامية أيضًا أن تحمل أكثر من وجه وأكثر من طبقة.

ما التحدي الأكبر في كتابة شخصيات واقعية دون أن تصبح تقليدية؟

التحدي هو أن يشعر المشاهد أنه يعرف هذه الشخصية بالفعل، حتى لو لم يقابلها حرفيًا من قبل. أن يسمعها وهي تتكلم فيقول في نفسه: لقد رأيت هذا الإنسان في حياتي. هذا الإحساس بالألفة هو ما يمنح الشخصية صدقها.

كيف حافظت على التوازن بين التشويق الدرامي والتأمل النفسي؟

كنت حريصًا على أن يحمل كل مشهد سؤالًا. أحيانًا يكون سؤالًا بين الشخصيات نفسها، وأحيانًا يكون سؤالًا يطرحه المشاهد على نفسه. وفي الوقت نفسه كان لابد أن تبقى المفاجآت حاضرة للحفاظ على الإيقاع الدرامي، لأن التشويق لا يعني فقط معرفة ما سيحدث، بل أيضًا الشعور بأن كل إجابة تقود إلى سؤال جديد.

هل واجهت صعوبة في صياغة الحوارات؟

الصعوبة الأساسية في الحوار ليست في كتابته، بل في جعله يبدو طبيعيًا. يجب أن يشعر المشاهد أن الشخصية تتحدث بلغتها الخاصة، لا بلغة الكاتب. لذلك كان مهمًا الحفاظ على نبرة خاصة لكل شخصية، نبرة قد ترتفع أحيانًا لتخفي ضعفًا داخليًا أو هشاشة لا يريد صاحبها أن يكشفها.

هل هناك جملة أو مشهد عالق في ذاكرتك من العمل؟

هناك بعض الجمل التي شعرت أنها تلخص جانبًا من روح الشخصيات، مثل:

"المشكلة مش في التربية... المشكلة في الفلوس."

و"كان إيه لازمته بقى الورث؟ بدل ما يجمع... بقى بيفرق."

كيف كان التعاون مع المخرج أحمد محمد عبده؟

التعاون مع المخرج أحمد محمد عبده كان تجربة مهمة للغاية. هو شخص شديد الالتزام والمهنية، ولديه قدرة واضحة على قراءة النص وفهمه بصريًا. كنا دائمًا نتناقش حول أي إضافة أو تعديل، وكان الحوار بيننا قائمًا على الاحترام المتبادل للنص ولرؤية الإخراج.

ولا يمكنني هنا أن أنسى دور الأستاذ محمد ناير، الذي كان له فضل كبير في توجيهي منذ اللحظة الأولى لعرض الفكرة وحتى تسليم الحلقة الأخيرة.

ما الدور الذي لعبته الموسيقى التصويرية في العمل؟

الموسيقى عنصر أساسي في أي عمل درامي، وربما لا يقل أهمية عن أي عنصر آخر. هناك مقولة أحبها تقول إن الموسيقى الجيدة "تُحسّ ولا تُسمع". وهذا ما حاول الموسيقار شادي مؤنس تحقيقه في العمل؛ أن تكون الموسيقى جزءًا من الإحساس بالمشهد، لا مجرد خلفية له.

ما رأيك في أداء الفنانة درة وبقية فريق العمل؟

كل من شارك في العمل قدّم جهدًا كبيرًا، ومن الصعب الحديث عن كل الأدوار بالتفصيل. لكن يمكنني القول إنني حين رأيت الفنانة درة في دور نوال شعرت أن الشخصية وجدت تجسيدها الحقيقي. وكذلك الفنان محمود عبد المغني الذي منح شخصية عمرو حضورًا قويًا يشبه تمامًا ما كان مكتوبًا على الورق.

كما أضاف بقية النجوم، مثل نبيل عيسى وفتوح أحمد ونهال عنبر وغيرهم، عمقًا حقيقيًا للشخصيات، وهو ما جعل الحكاية أكثر حياة على الشاشة.

ما شعورك بعد ردود فعل الجمهور والنقاد على العمل؟

بصراحة، كانت ردود الفعل مفاجئة ومفرحة بالنسبة لي، خاصة من الأهل والأصدقاء. فرحتهم بالعمل كانت من أجمل اللحظات التي عشتها بعد عرضه. وفي الوقت نفسه، أرحب دائمًا بأي نقد موضوعي وبنّاء، لأن التجربة الأولى بالنسبة لي هي بداية طريق طويل للتعلم.

ما أصعب قرار واجهته أثناء الكتابة؟

الكتابة في جوهرها سلسلة من القرارات الصعبة. في كل لحظة يكون أمام الكاتب أكثر من طريق يمكن أن تسلكه القصة. وكل اختيار قد يقود إلى عالم مختلف. لهذا يقال دائمًا إن الكتابة هي "إعادة الكتابة". فالنص غالبًا يمر بمراحل عديدة من المراجعة قبل أن يصل إلى شكله النهائي.

ما أهم درس خرجت به من هذه التجربة؟

أهم درس تعلمته هو أن الدراما مسؤولية كبيرة. فهي ليست مجرد حكاية تُروى، بل تجربة إنسانية قد تترك أثرًا في وعي الناس. والحياة نفسها، في النهاية، سلسلة من التجارب، وكل تجربة تفتح لنا بابًا جديدًا لفهم أنفسنا والعالم من حولنا بشكل أعمق


نرشح لك: إشادات بأداء إياد نصار في "صحاب الأرض"