مينا محب
يُعد مسلسل "مولانا" من الأعمال الدرامية التي نجحت منذ حلقاتها الأولى في إثارة اهتمام الجمهور والنقاد على حد سواء، عبر طرح موضوع تتقاطع فيه الأبعاد الاجتماعية مع الدينية والسياسية، في وقت تتجه فيه بعض الأعمال إلى مقاربات سطحية لمثل هذه القضايا.
وعلى خلاف ذلك، يقترب العمل من مساحة أكثر تعقيدًا، عبر تفكيك العلاقة بين الصورة والجوهر، وبين الواقع المفروض على الفرد وحقيقته الداخلية؛ إذ لا يقدّم المسلسل حكاية وعظية بقدر ما يطرح تجربة درامية تتعامل مع واقع حي، متشابك مع السلطة والخوف والأمل.
ويظهر هذا التعقيد مع انطلاقة المسلسل من حدث صادم يؤسس لمساره السردي: جريمة تقع في الزمن الحاضر، يعقبها هروب مباشر يقود البطل (جابر) إلى انتحال هوية جديدة داخل مجتمع مختلف ينتظر "الولي المبروك" الذي يقود أهل ضيعة العادلية للتخلص من قبضة الميلشيا، التي تسيطر على أراضي المنطقة بحجة منع التهريب والتسلل لكونها منطقة حدودية.. وهكذا يتحول جابر تدريجيًا من رجل هارب إلى رمز اجتماعي، حين يستقبله أهل القرية باعتباره "مولانا" المنتظر.
لا يتعامل السيناريو في "مولانا" مع الحدث الرئيسي بوصفه مجرد نقطة انطلاق، بل يحوّله إلى مركز جذب تدور حوله شبكة من القوى الاجتماعية المتعارضة؛ فالبناء الدرامي يتأسس على وضع الشخصية داخل منظومة مضطربة تحكمها سلطة الأمر الواقع وانتظار جماعي للتغيير، ما يجعل كل تحرك لها جزءًا من معادلة أوسع تتجاوز دوافعها الفردية.
وتقوم كتابة المشاهد على مبدأ التراكم، حيث لا تُدفع الوقائع إلى الأمام عبر المصادفة، بل عبر احتكاك مستمر بين الرغبة في تثبيت المكانة والضغوط المحيطة بها، بما يحافظ على منطق السببية داخل العالم الدرامي.
هذا البناء يعتمد على تصاعد بطيء ومدروس، لا على الصدمات المفاجئة، ما يتيح للشخصيات مساحة نفسية واضحة ويجعل التحولات منطقية وليست قفزات درامية مصطنعة.
ومن خلال هذا التدرج، يطرح المسلسل سؤاله الجوهري حول كيفية تشكّل الرموز داخل المجتمع، وما إذا كانت القداسة صفة ذاتية أم منحة جماعية؛ إذ لا يُقدَّم الدين هنا كخطاب مباشر، بل كمنظومة من التوقعات الاجتماعية التي تضغط على الفرد وتعيد تشكيله بقدر ما تمنحه موقعه داخل الجماعة.
الإيقاع قد يبدو هادئًا، لكنه يخدم طبيعة العمل الفكرية، حيث الصراع الحقيقي يحدث داخل الشخصيات لا في محيطها فقط.
شخصيات "مولانا" تتحرك وفق دوافع واضحة تتشكل تحت ضغط المجتمع والأحداث، ما يجعل كل تصرف جزءًا من صراع أكبر؛ البطل مأزوم، لا يعرف أين يهرب أو ما يجب أن يفعل، فتقوده الأحداث تدريجيًا عبر شخصيات تظهر في لحظات حاسمة، ومع تصاعد الأحداث ووصولها إلى الذروة، يجد نفسه مضطرًا لانتحال هوية "سليم"، ليس كوسيلة للهروب فحسب، بل كبداية لصراع داخلي حول إمكانية أن يتحول الكذب إلى فعل إنقاذ.
وفي المقابل، تتعامل شخصيات مثل "شهلا" و"جورية" مع الأسطورة كمشروع جماعي، عبر استغلال "جابر" بدلا من فضحه فيتحول الانتحال من جريمة فردية إلى أداة لحل الاشكالية وإعادة التوازن، مانحًا الممثلين مساحة لتجسيد التوتر الأخلاقي الكامن داخل الشخصيات.
وعلى مستوى الأداء التمثيلي، فالكل يلعب دوره بسلاسة لخدمة الحدث الدرامي، فالممثلون يبرعون في استخدام أدواتهم الفنية، ووجود الممثلة المخضرمة "منى واصف"، بتاريخها الطويل وخبرتها الكبيرة، يعطي الطاقم شعورًا بالاطمئنان ويُرشدهم لتقديم أفضل أداء.
غير أن العبء الأكبر يقع على بطل العمل (تيم حسن)، الذي يتحكم في شخصية جابر ببراعة؛ أداؤه الحركي يتغير حسب الموقف، وهدوء طبعه يمنحه الحكمة للتصرف في أصعب الظروف، بينما يجسد أيضًا طبقات متداخلة من التوتر والذنب والرغبة في النجاة، ما يجعل كل تحول درامي ملموسًا وواقعيًا على الشاشة.
حوّل سامر البرقاوي نص "مولانا" المركب إلى تجربة بصرية نابضة، حيث كل إطار يحكي صراعًا داخليًا ويؤكد إيقاع الأحداث؛ الكاميرا عنده لا تلتقط الحركة فحسب، بل تترجم التوتر والذنب والرهبة الصامتة للشخصيات، بينما الإضاءة وزوايا التصوير تكثف الصراع بين الفرد والجماعة، والصمت يمتد ليجعل المشاهد يشعر بثقل كل لحظة.
أيضًا تصاعد الأحداث يبدو طبيعيًا، بلا صدمات مفاجئة، لتصبح الرؤية الدرامية على الشاشة انعكاسًا حيًا ودقيقًا للبناء المكتوب على الورق.
كما أن العناصر السمعية والبصرية تضبط تصاعد الأحداث دراميًا؛ حيث تتحرك الكاميرا بدقة لتتبع الشخصيات في الضيعة، فتبرز لحظات توترهم وحيرتهم وانكشاف أسرارهم تدريجيًا، لتضع المشاهد في قلب الأحداث.
الضوء والظل لا يزينان فحسب، بل يكشفان الصراعات الداخلية ويحددان مواقع القوة والضعف، بينما تعانق الموسيقى التصاعدية المشهد برفق، مانحة مساحة لتأويله دون إملاء شعور جاهز. أما المونتاج فيجمع هذه العناصر بانسيابية، ليصبح كل إطار امتدادًا عضويًا للبناء الدرامي، متناغمًا مع النص والأداء، ملموسًا في ثقل القرارات وعمق المواجهات.
بعد استعراض تلك العناصر يمكن القول إن العمل له رؤية فلسفية فهو ليس مجرد حكاية عن رجل انتحل شخصية آخر، بل يحكي عن الإنسان حين يجد نفسه في موضع لم يختره بالكامل وتغلق في وجه كل الأبواب، فلا يجد سبيلًا إلا ارتداء قناع، فيصبح هذا القناع وسيلة للبقاء، ومع كل لحظة ارتداء له تنبثق أسطورة في المجتمع، حين يحتاج الناس أن يصدقوا شيئًا، حتى لو لم يكونوا متأكدين من حقيقته.