يعد مسلسل عين سحرية عملي المفضل للنصف الأول من شهر رمضان، وذلك بفضل براعة عناصره الفنية المتكاملة؛ بدءا من رؤية المخرج السدير مسعود، مرورا بقلم السيناريست هشام هلال، وصولا إلى الأداء التمثيلي المتمكن والجو العام الساحر للمسلسل.
الكادر كلوحة تشكيلية
تتجلى عبقرية السدير مسعود في تقديم كادرات سينمائية مدروسة بعناية ودقة متناهية، تعكس عين مخرج يدرك تماما أدواته. لقد أثبت السدير حضوره القوي في هذا الموسم الرمضاني من خلال رؤية بصرية أضافت بعدا سينمائيا لدراما المسلسلات؛ فهو من نوعية المخرجين الذين تترك بصمتهم أثرا يغنيك عن قراءة أسمائهم على التترات، حيث ينساب كل كادر بجمالية تفوق سابقه.
براعة الحفاظ على النفس الطويل
برع المؤلف هشام هلال في الكتابة طوال الحلقات، معتدا برسم دقيق لعالم المسلسل وشخصياته. استخدام لقطة من نهاية الحلقة كخطاف (Hook) في بدايتها حقق جذبا مستمرا للمشاهد. خلق هشام هلال عالما غنيا يتقاطع فيه المتفرجون مع عوالم متداخلة ومحبوكة تثير فضولا متزايدا.
أكثر ما يميز العمل هو الثبات والاستمرارية في المستوى، على عكس مسلسلات أخرى تبدأ بقوة ثم تخبو، أو العكس؛ فقد وزع ثقل الحلقات بعدل وإنصاف. أما بناء الشخصيات المحورية، فقد كان لافتا، خاصة شخصية زكي التي كتبت بعناصر درامية مكتملة تسمح بإنتاج عمل مستقل لها على غرار شخصية "سول" في مسلسل Breaking Bad.
اعتمد الكاتب في بناء شخصية زكي على الغموض الذي ينكشف تدريجيا، حتى شخصية مثل شخصية الشاب حسن أعطاها أبعادا ثلاثية جعلت الشخصيات تبدو من لحم ودم، بمشاعرها وأمراضها النفسية ومخاوفها.لكن كان هناك بعض الفجوات في ثوب الإتقان منها المأخذ الوحيد على العمل في الافتقار أحيانا لحلول درامية أكثر إحكاما؛ مثل فكرة زرع كاميرا في مكتب محام هام بمكان مكشوف يُفترض أنه يخضع للتنظيف اليومي، وهي فجوة كانت تتطلب معالجة أكثر دقة. كما عاب البناء الدرامي تسطيح بعض الشخصيات، مثل توحة وأسماء؛ إذ بدا وكأنهما خلقا فقط ليؤديا دوري حبيبة البطل وصديق البطل دون ملامح لحياة خاصة أو أبعاد مستقلة. ويظهر ذلك في محل الحيوانات الذي يبدو دائما فارغا من الزبائن أو الإدارة، فضلاً عن شخصية توحة التي تفتقر لوجود أهل أو عمل واضح يمنحها واقعية أكبر.
ثلاثة أجيال تمثيلية تتكامل
اتسم الأداء التمثيلي بالتميز الشديد، بدءا من عمر الشريف في دور حسن المصاب بداء السرقة، وأحمد بيلا في دور توحة، مرورا بجنى الأشقر (الدكتورة أسماء)، وسما إبراهيم (نوال)، وصولاً إلى عصام عمر (عادل) وباسم سمرة (زكي).
باسم سمرة: قدم باسم سمرة دورا مميزا للغاية على عادته؛ إذ أتعجب حين أتذكر أن هذا هو الممثل ذاته الذي مثل في فيلم تيتة رهيبة دورا مغايرا. يمتلك باسم قدرة فائقة على التلون الدرامي الكامل دون الحاجة لتغيير شكله، وهي أداة لا يملكها إلا قلة قليلة من الممثلين العالميين. تعبر شخصيته في هذا العمل عن غموض يكتنفه خوف كبير، ويحركها وقود الانتقام والقلق؛ لذا أعتقد أننا سنشهد في الحلقات القادمة Plot Twist صادمة لعادل وتوحة وأسماء، ولنا نحن كمشاهدين من زكي.
عصام عمر: يتميز عصام عمر بالبساطة المتناهية في تأدية أدواره، مما يجعلك تشعر بأنها فصلت خصيصا له. ورغم اعتقادي بأنه لم يوفق في شخصية الملاكم في مسلسل "بطل العالم" نظرا لبراءة وجهه وتعبيراته حتى في لحظات الغضب، إلا أنني لا أستطيع تخيل ممثل آخر يؤدي دور عادل في عين سحرية. أما الكيمياء التي تجمعه بالفنانة سما إبراهيم فهي لا معادلة ناجحة؛ إذ تعد من أوفق عناصر العمل، وهي ليست براعة مخرج أو إبداع مؤلف، بل هي قبول رباني وتوافق استثنائي بين الشخصيات.
أحمد بيلا: أحد مواهب أكاديمية الفنون الذي أثبت أن هناك طاقات تمثيلية لم تنل فرصتها المستحقة بعد. قدم أداء يتسم بخفة الظل الطبيعية والقبول، مجسدا شخصية النفعي الذي لا تخلو روحه من الجدعنة المصرية الأصيلة.
يبدو المسلسل كفيلم سينمائي ممتد؛ فأحجام اللقطات والإضاءة بمزاج سينمائي احترافي. ومع ذلك، قد تكون الإضاءة -رغم جماليتها الفنية- غير مراعية تماما لظروف المشاهدة عبر شاشات اللابتوب أو الأجهزة القديمة، مما قد يصعب الرؤية أحيانا. وبالطبع، خلف هذا الإتقان تقف الشركة المتحدة كجهة داعمة لهذا العمل المتميز.
نرشح لك: رباب ممتاز: ظهرت في "عين سحرية" بدون مكياج.. و"المداح" تميمة حظ الممثلين