عمرو منير دهب يكتب: احرص على سمعتك ولا تكترث لها.. الفصل الثاني عشر من كتاب "افعل ولا تفعل الشيء نفسه"

سمعتك هي ما يريده الناس منك.

على قدر ما في هذا القول من استفزاز واضح كونه يشير صراحة إلى أننا نحرص على سمعتنا من أجل إرضاء الناس، فإننا عادةً – بافتراض الاتفاق على مضمون التعريف - نتجاوز ذلك الاستفزاز مهما يبلغ الواحد منّا من مراتب الاعتداد بالذات والاستقلال في النظر إلى الأمور وإلى نفسه من قبل؛ فانطلاقاً من العقد الاجتماعي المبرم ضمناً بين الناس في أي محيط، ليس غريباً أن يكون للآخرين ذلك التأثير العظيم علينا، وبذلك لن يغدو مستغرباً تماماً مراعاة رضا الناس فيما يتعلّق بالسمعة باعتبارها "حقوق" الآخرين ضمن العقد الاجتماعي.

غير أن السمعة عادةً تتجاوز حقوق الآخرين علينا في أي محيط إلى حيث تغدو عبأً يستوجب الكثير من النفاق للنهوض به، فليس كل ما يريده الآخرون نريده نحن أو على الأقل نرضى الانصياع له وإنْ على مضض؛ ومن هنا ينشأ النفاق في سلوكنا إزاء السمعة فنفعل أشياء لا نؤمن بها أو نوهم الآخرين بأننا نقوم بما يرضيهم ونحن نفعل العكس في الخفاء.

سمعتك في أي نطاق مهمة، فمِن دون السمعة الطيبة لن تستطيع تمرير شؤونك بسلاسة؛ غير أن ذلك لا يجب أن يشي بأن السمعة الطيبة في بساطة أن تعرف ما يريده الآخرون لتنصاع له وتنجز ما تريده من ثمّ. السمعة أشدّ مراوغة من أن تكون في تلك البساطة؛ وبعيداً عن نظريات المؤامرة التي لا تخلو من صدق وجودها وتحققها، تبرز اختبارات الحياة اليومية بوصفها التحدّي الأكبر أمام ترسيخك سمعة طيبة مهما يكن حظك من المرونة، وسيتضاعف التحدّي بطبيعة الحال إذا كان نصيبك من المرونة متواضعاً لأيٍّ من الأسباب.

كذلك، ليس من الحكمة أن تخال أنك إزاء اختبار السمعة تواجه قالباً مجتمعياً صلداً عليك أن تحشر نفسك فيه أو تسقط في الاختبار، فالسمعة قالب قابل للتشكيل، ولكن إعادة تشكيله تحتاج إلى إرادة وبراعة. الإيمان العميق بفكرة جديدة تسعى إلى تكريسها وتبنّيها والعمل بمثابرة وبراعة لتحقيق تلك الفكرة بنجاح لا يؤدي فقط إلى إعادة تشكيل قالب السمعة المتعلق بتلك الفكرة بل قد يفضي إلى صياغة قالب جديد يسعى الناس من بعدك إلى نشدانه.

في المقابل، من المهم أن تنتبه إلى أن سمعتك ليست كلّ شيء ولا هي أهمّ شيء في سياق عقدك الاجتماعي، ليس لأن السمعة غير مهمة لذاتها بل لأنك لا تستطيع التحكّم بها تحكّماً تامّاً؛ فقد يمنحك الآخرون على هذا الصعيد وذاك انطباعاً بالقبول والرضا وهم يضمرون إحساساً بالاستهجان والنفور أو على الأقل عدم الارتياح. لن ينفعك في تلك الحال سوى الثقة الراسخة بما تؤمن به وتعمل من أجله؛ وتقتضي تلك الثقة ألّا تُكثر الالتفات وراءك لتتأكد ممّا إذا كانت مواقف الناس حيالك قد تغيّرت لصالحك أم لا. السعي إلى تجسير الهوة بينك وبين الآخرين لا غضاضة منه ابتداءً ولكنه ليس غاية في ذاته، فالآخرون أيضاً عليهم السعي من جانبهم لتجسير الهوّة أحياناً، وكثيراً ما تقتضي الحال أن تظلّ الهوّة على ما هي عليه، فالعلاقة مع الآخرين في أي نطاق ليست في كل الأوقات اتفاقاً كاملاً أو مجملاً، والمهارة الاجتماعية والعملية تكمن أساساً في التعامل تحت ظلال الاختلاف، ولا ريب أن محكّات السمعة من أنماط الاختلاف التي تتطلّب مستوى رفيعاً من المثابرة والحكمة لمعالجتها.

قبول الآخرين مهم وثناؤهم يرجع بأثر رائع عليك يعينك على دفع عجلة حياتك بينهم بسلاسة؛ ولكن رضا الناس لا يصلح لأن تؤسس حياتك عليه، فالبنيان الذي يقوم على رضا الآخرين آيل للسقوط عند اختلال ذلك الرضا لأيٍّ من الأسباب.

رضا الناس غاية لا ينبغي أن تُدرَك، إذا افترضنا أن إدراكها ممكن من الناحية النظرية؛ فمن شأن ذلك الرضا إذا أصبح غايتك أن يجعلك في قبضة الآخرين تماماً، إذا رضوا عنك أفلحت وإنْ سخطوا عليك أصابت الخيبةُ مسعاك. الغاية الأجدر أن تتشبّث بنشدانها هي رضاك عن ذاتك في ضوء إيمانك العميق بما تسعى إليه وثقتك الراسخة في الذود عنه غيرَ متعمِّدٍ مشاحنةَ الآخرين وغير مُغفلٍ استبصارَ آرائهم وإقامةَ صلات طيبة بهم. ذلك هو السبيل إلى سمعة مثلى تحرص عليها ولا تكترث لها في آن معاً.

للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])