مثلما نفعل إزاء كل متناقضَين، ومع الشك واليقين بصفة خاصة هذه المرة، نبدو أكثر ميلاً إلى أحد الطرفين بصورة مطلقة على حساب الآخر، سواء في كل موقف على حدة أو بصفة عامة رجوعاً إلى طبيعة كلٍّ منّا. يبدو أننا لا نحب أن نكلّف أنفسنا ما نحسّ بأن لا طاقة لنا به من مواجهة المواقف والبشر بآفاق منفتحة على الشك واليقين بحسب ما يقتضي السياق مع أي موقف وأي إنسان؛ أسهل من ذلك أن نستدعي ما في حوزتنا من الأنماط الجاهزة – شكّاً أو يقيناً – ونحشر فيها ما يمرّ علينا من المواقف ومن نقابلهم من البشر، إمّا بالنظر إلى تجاربنا السابقة معهم وإمّا استناداً إلى ما تمليه عليه انطباعاتنا الخالصة.
نبدو أمام متناقضين لهما خصوصيتهما الفريدة هذه المرّة، فإذا كان الشك أشكالاً ودرجات فإن اليقين - بطبيعة الكلمة - مطلق لا سبيل إلى تقييد إطلاقه إلّا عبر الزمان بجعله مقروناً بالمدة التي يظل خلالها سارياً في روع من يحظى به.
اليقين نادر، وهو خير في الحب عندما يصادف من يستحقّه، ومن يستحقّه؟ سؤال عريض لا يقين في إجابته إلّا رجوعاُ إلى أحكام الهوى المطلقة. أمّا اليقين في الأفكار والمعتقدات فهو نعمة كما يراه صاحب الفكرة أو المعتقد، ولا نقول بأنه نقمة على الذين يقفون ضد الفكرة أو المعتقد فحسب وإنما قد يكون نقمة على صاحبه أيضاً إذا حجب عنه كل ما سوى ما يعتنقه من الرؤى، والأرجح أن ذلك يحدث مع كل حالة تستحق أن تُوصف باليقين (الذي لا يتطرّق إليه الشك مطلقاً بطبيعة المراد من الكلمة). غير أن نقمة اليقين لا يشعر بها المتيقّن في الغالب، فما يحجبه عنه يقينُه من حكمة ونعمة الأفكار والمشاعر الأخرى لا يراه المتيقِّن حكمة ولا نعمة بل العكس، وتلك على ما يبدو مفارقة اليقين إزاء الخير/النعمة والشر/النقمة.
الشك ضرورة، وهو من قبلُ حالة لا مناص منها إلا إذا عمدنا إلى دفن رؤوسنا تحت رمال الحقيقة، أو على الأقل تحت رمال الواقع، وهوما نلجأ إليه لإراحة أنفسنا من عناء التفكير والقلق والحيرة.
أهمية الشك عظيمة لأنه يمتحن الأوهام التي يقذف بها في روعنا الآخرون - من المؤثرين في محيطنا القريب أو بصفة عامة – على أنها حقائق أو خير مطلق. وإذ لا شيء يمكن وصفه بالمطلق، فإن الهدف من امتحان الشك لما حولنا وما في روعنا ليس فضحَ وهْمِ المطلق قدْرَ ما هو اكتشاف احتمالات الحقيقة والخير التي تعجّ بها الأشياء الأخرى التي نستبعدها، سواء حولنا أو على مبعدة منّا.
الشك عظيم القيمة لأنه يمتحن قناعاتك ومشاعرك الراسخة فيدحض الفاسد منها، أو على الأقل يعيد تشكيل ما بالغت في ترسيخه على أنه حق لا ينفذ إليه باطل وخير لا يعرف الشر إليه سبيلا. وقد تكتشف أن ما خلته باطلاً هو الأحرى بأن تنظر إليه على أنه حق وأن ما ظننته شرّاً ينطوي على كثير من الخير؛ والحكمة البالغة هنا ألّا تغلق النوافذ والأبواب إزاء رياح النقد التي تجتاح أفكارك أو مشاعرك التي تبنّيتها نتيجة مراجعاتك لما سبقها، فإذا كانت تلك الأفكار والمشاعر المتبنّاة حديثاً صالحة ومفيدة ستصمد أمام أعتى موجات الرياح الناقدة لها بدورها، وإن لم تكن فهي حريّة بأن تتغير كما تغير ما سبقها بقدر ما يحثّك عليه ضميرك.
ليس من الحكمة أن نلوم أيّاً من الناس على أيٍّ من أشكال اليقين التي يتبنّاها؛ غير أن اليقين الأجدر بالتقدير هو اليقين بأن الأفكار والأشياء على اختلافها غير مستقرة بحال؛ اليقين بأن الحق والخير والجمال أمور نسبية ليس قياساً إلى الآخرين فحسب وإنما رجوعاً إلى أنفسنا وهي تتقلب من مقام إلى آخر ومن زمان إلى زمان.
يقال في الأدب إن التجريب رائع، لكن ليس من المفيد أن يستمر الأديب في تجريبه الأدبي العمر كله، فالاستقرار بعد فترة على منهج أدبي بعينه يتيح للأديب أن يبدع بما يرسم معالم شخصيته الأدبية فيترك أثراً واضحاً يلهم الآخرين ويمتعهم. باستعارة الصورة المصغّرة من عالم الأدب – بصرف البصر عن مدى دقتها وتكاملها - وإسقاطها على الرؤية الأشمل للوجود وتفاصيله، فإن الشك هو ما يورث الأفكار والرؤى الأصيلة، وهو أمر لا مناص منه على كل حال كما أسلفنا الإشارة؛ غير أن الاستقرار – ولو إلى حين – على يقين في أي سياق مسألة تبدو بدورها لا مناص منها، فالشك ليس غاية في ذاته تماماً مثلما أن اليقين لا يجب أن يكون غاية في ذاته نتغاضى من أجلها عن أنوار الشك وهي تسطع على جديد نتهيّب امتحاننا إزاءه. اهنأ باليقين إذن إذا ما دهمك في أي سياق وابنِ على أساسه، ومن الحكمة أن تضع في حسبانك أن ما تبنيه خلال ومضات يقينك ليس هيكلاً أبدياً، فبقاؤه مرهون بومضات من الشك الساطع ليس ثمة ما يضمن أنها لن تدهمك لاحقاً.
لن تتهيّب الشك ولن يسيطر عليك اليقين في أي سياق إذا كانت الحقيقة هي غايتك السامية من المبادئ والحِلْم هو حظك الجميل من الطباع؛ حاول فقط أن تستوعب الآخرين حين تتعالى أصواتهم من حولك بشك أو يقين في أي مقام، فما أدراك بإجابة السؤال: أيّنا على صواب؟
للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])