الجمهور ينتظره في "حكاية نرجس".. طريق حمزة العيلي من الشاشة لذاكرة المشاهد

مينا محب

منذ طرح برومو مسلسل "حكاية نرجس"، يترقب محبو الفنان حمزة العيلي ظهوره بشغف وفضول مضاعف، فالأمر هذه المرة لا يتعلق بدور جديد يُضاف إلى قائمة أدواره المتنوعة، بل بأول بطولة في مسيرته، وهي خطوة تنقل حضوره من لقطات لامعة داخل العمل إلى مسؤولية حمل الحكاية كاملة على كتفيه. هذه النقلة لا تختبر موهبته بقدر ما تختبر قدرته على الامتداد، وبناء شخصية تعيش وتتصاعد أمام المشاهد حلقة بعد أخرى، وهو تحدٍّ يبدو منسجمًا مع مسيرته التي قامت دائمًا على كسر التوقعات والهروب من التكرار.


لا تحتاج موهبة بحجم موهبة "العيلي" إلى مناسبة للكتابة عنها، لكن زاوية السطور المقبلة ستكون محاولة استكشاف أدوات حمزة العيلي كممثل للوقوف على سمات أدائه وفهم السر وراء تأثيره على من يجلسون أمام الشاشات، وكيف يستطيع أن يمنح كل شخصية بعدًا مختلفًا ويبني حضورًا متكاملًا يترك أثره في ذاكرة المشاهد.

أول مرة مسرح

بدأت علاقة العيلي بالتمثيل عبر النشاط المسرحي في كلية تربية رياضية التي التحق بها عام 2001، حيث وقف على خشبة المسرح للمرة الأولى وتبلورت موهبته. وبعد أن قضى عامًا في تلك الكلية، تركها ودخل كلية الحقوق وتخرج منها عام 2007، لكنه لم ينسَ حلم التمثيل، فواصل صقل أدواته بالالتحاق بمركز الإبداع الفني بدار الأوبرا المصرية.

وخلال فترة دراسته بالمركز، وقبل تخرجه من الدفعة الثانية عام 2011، طلّ علينا لأول مرة في مسرحية «قهوة سادة» التي قدمها هناك أثناء دراسته، وهكذا انطلق العيلي في مسيرته مستندًا إلى تجربة مبكرة ودراسة فنية متخصصة، المسرحية المتاحة مجانا على يوتيوب يمكن من خلاله رؤية العيلي في العديد من الشخصيات وكل منها تكشف جانبا مبكرا من الموهبة واسعة التفاصيل.

ومضات ليست عابرة

في أرشيفه الفني نجده بدأ بأدوار صغيرة في عدة أعمال مثل فيلم "إكس لارج" ومسلسلات "أهل كايرو"، "ابن حلال"، "ابن أصول"، و"الكبير أوي" الجزء الخامس. وكانت هذه بمثابة ومضات في تاريخه، لكنها لم تكن عابرة أو هامشية، بل أظهرت في بداياته ملامح إمكانات حقيقية وحضورًا لافتًا حتى في المساحات المحدودة، كما يتضح فيها إجادته تقديم الكوميديا والتراجيديا معًا، محافظًا على ميزان دقيق في أدائه. فتركت بصمة واضحة في ذهن المشاهد، وهو ما ساهم تدريجيًا في تمهيد الطريق له للانتقال إلى أدوار أكبر وأكثر تأثيرًا.

شخصية "زياد" في "شقة 6" عام 2021 نقطة تحول، لفت الأنظار بإيماءاته الدقيقة، انفعالاته القوية، ونبرة صوته المتقطعة التي بثّت توترًا مستترًا، بينما عززت ملامحه المشدودة وحركاته الدقيقة إحساس الغموض والرعب النفسي، وجعلت شخصيته المأزومة تظل عالقة في ذهن المشاهد، مؤكدًا قدرة "العيلي" على ترك أثر نفسي طويل عبر التحوّل الداخلي للشخصية.


شخصية حية في "رسالة الإمام"

الخبرة التي كوّنها في أدواره السابقة كانت الأساس الذي جعل دور حمزة العيلي في مسلسل "رسالة الإمام" (2023) يتجاوز مجرد الأداء إلى تجربة حية على الشاشة. كل كلمة ينطقها مشحونة بثقل اللغة العربية، وصوته الصاخب، الرخيم ذو النبرة العميقة يمنح الشخصية هيبة واضحة، بينما بنيته الجسمانية التي تتحرك بتناغم مع ملامحه الحادة تعطي حضورًا ملموسًا على المشهد. الحركات الدقيقة، الانفعالات المتقطعة، الصمت المدروس، كل هذه التفاصيل لا تبني الدور فحسب، بل ترسّخ وقار الشخصية وثباتها، فتظهر كقوة هادئة تفرض حضورها دون انفعال زائد، وتترك أثرًا ثابتًا في وعي المتفرج.

يُعتبر ظهوره كضيف شرف في مسلسل "خالد نور وولده نور خالد" 2024 إضافة لافتة لمسيرته، حيث قدّم شخصية "أشرف" الذي فقد اتزانه العقلي إثر حادث، في أداء يعتمد على كوميديا الموقف المشتقة من طبيعة الشخصية وعفوية تصرفاتها، مما يمنح الأداء خفة ظاهرية تخفي وراءها بناءً تمثيليًا دقيقًا يضيف بعدًا مختلفًا إلى تنوّع مسيرته.

درويش "النص"

أما في النص 2025، ظهر العيلي بأداء مذهل فاجأ الجمهور وجذب انتباهه بالكامل، حيث قدّم شخصية "درويش" بتفاصيلها المعقدة وعمقها الإنساني، وجعل المشاهد يعيش كل لحظة من توترها وألمها وجمالها. ما قدّمه ليس مجرد تمثيل، بل درس في الإتقان، فقد منح الشخصية روحًا من صبره، وصراخًا من مشاعره، وصدقًا من تفانيه. كل نظرة، كل حركة، كل صمت كان جزءًا من بناء الشخصية، مؤكدًا قدرته على تحويل الدور إلى تجربة حقيقية ومؤثرة أمام المشاهد.

ثم يأتي دوره في مسلسل "كارثة طبيعية" من خلال شخصية "شوقي"، التي لمع فيها بريقه بشكل لافت؛ فـ "شوقي"، رغم طابعه الكوميدي الذي يقترب أحيانًا من الهزل، يُثري البناء الدرامي ويضفي توازنًا على الإيقاع، ويعكس التضامن والصداقة، مؤكدًا قدرة حمزة العيلي على تحريك شخصيات ثانوية حية وملهمة تترك أثرًا نفسيًا واجتماعيًا ملموسًا.

مع استعراض رحلته وتنوّع أدواره، تتجلّى براعة حمزة العيلي في الانغماس الكامل داخل الشخصية، وقدرته على ضبط الإيقاع الداخلي للأداء وتوظيف حضوره الجسدي بدقة، ما يمنح كل دور عمقًا ومصداقية لا تُضاهى. وفي الكوميديا، يتحرك بعفوية داخل الموقف، ليخرج الضحك طبيعيًا من روح المشهد، تاركًا أثرًا ثابتًا يؤكد أن الفنان الحقيقي يزرع بصمته في الذاكرة.

يرسّخ "العيلي" إذن نموذجًا للممثل الذي يراهن على الحرفة والصدق، فيمنح كل ظهور قيمة فنية حقيقية، ويترك أثرًا يتجاوز لحظة المشاهدة إلى ذاكرة المتلقي، وهي مسيرة تستحق التقدير بقدر ما تعزز الثقة في خطواته القادمة وما تحمله من إضافات نوعية إلى رصيده الفني.

نرشح لك: كمال أبو رية.. طيب جدًا وكوميديان جدًا جدًا