باسم الجنوبي يكتب: بين المدرسة والبيت.. الطريق إلى تربية أطفال أسوياء

يستأنف الموسم الدراسي نشاطه بعد إجازة نصف العام، يعني أنه يبدأ من جديد رحلة تبدو أنها دراسية فقط لكنها لا تخفي كثيرًا وجهها التربوي والنفسي للوالدين قبل الأبناء، يظهر هذا الوجه بلا مواربة مع أول تحدي أو مشكلة دراسية بين الأبناء مع المدرسين أو الإدارة أو الأصدقاء أو الشارع أو حتى المنهج، هنا ينفع الوالدين ما أعدوه من فكر وسلوك وعاطفة تستلزمها هذه التحديات الفارقة ليست فقط في الرحلة الدراسية للأبناء بل طوال حياتهم.


وبما أن العلوم التربوية مستمرة التطور والتغير نظرًا لتغير الواقع، وجب تحديث ومزامنة المعرفة التربوية لتكون زادًا نافعًا لا عطبًا في رحلة بها من القداسة والخطورة والخصوصية كرحلة تربية الأبناء، من هنا تأتي أهمية كتاب "خماسيات بناء الشخصية: كيف تربين شخصية سوية بأسلوب رشيد"، الصادر ضمن سلسلة بوصلة التربية الواعية، للباحث والمُترجم والمُحاضر التربوي أحمد الرويني.

الكتب التربوية المؤثرة هي التي يكتشف القارىء بعد الانتهاء منها أنها ليست مجرد رسائل على الوالدين توصيلها إلى الأبناء، لكنها مدرسة إعداد تربوية متكاملة لإعادة الوالدين إلى فطرتهم وإعدادهم ليكونوا قادرين على حراسة فطرة أبنائهم. وهذا الكتاب يفعل ذلك ببراعة، لُيذكرنا بأننا عندما نُربي أولادنا فإننا نُربي أنفسنا معهم، كما تقول سوزان وايز باور "عندما بدأت تعليم أطفالي كنت أظن أنني أُغيّرهم، ما لم أتوقعه أن التغيير الأكبر كان يحدث داخلي".

يبدأ الكتاب بفكرة تربوية محورية شديدة الأهمية، وهي فكرة (تكريم الطفل كإنسان) خُلق بروح الله، هذا التكريم يستتبع الإحسان والتجويد في كل مراحل التربية قبل وبعد الولادة وحتى ما شاء الله ما استطاع الأهل والمجتمع إلى ذلك سبيل، ثم يتناول الكتاب آلية ذلك عبر بناء شخصية متكاملة للأبناء تشمل الجوانب (الفكرية، النفسية، الاجتماعية، الروحية، المادية..إلخ)، هذه الفكرة في التربية وحدها القادرة على بناء شخصية فرد ومجتمع يجيدون صناعة الحياة وتحقيق تنمية حقيقة كما يصفها شيخ التربويين العرب حامد عمار بقوله: "التنمية البشرية تتطلب تحقيق ذاتية الإنسان ومقومات إنسانيته، والإدراك المتكامل لكينونته وصيرورته وما يتطلبه ذلك من توفير احتياجاته البيولوجية والعقلية والوجدانية والاجتماعية والثقافية والروحية؛ من الطفولة حتى الكهولة واعتبار كل ذلك كلاً متواحدًا، لا يخضع للثنائيات أو التجزئة أو التفاضل".

كما يؤكد الكاتب على محورية دور الأم في تربية الأبناء باعتبارها صاحبة الحضن والحصن الأول للأبناء، وصاحبة التأثير في التكوين النفسي والتربوي والفعل المؤثر مدى العمر. كذلك يتناول الكاتب (البيت) كمؤسسة حقيقية تحتاج إلى إدارة، هذه الإدارة الخاصة تحتاج إلى أدوات .. وسائل ..مهام ..أهداف كبيرة وكثيرة يتحدث عنها بسلاسة بلا تهوين للانتقادات المستمرة حتى مع تجويدها ولا تهويل من حجم الضغوط التي يتلاقها البيت من داخله وخارجه، فينظر إلى تربية الأبناء باعتبارها المشروع الأول لمؤسسة البيت في المقام الأول ثم المجتمع ككل.

الفريد في هذا الكتاب هو وضعه لـ (التصور الهرمي للبناء التربوي الشامل للشخصية)، حيث تُبني الشخصية السوية، ثم الشخصية المُطمئنة، فالشخصية الفاعلة، وصولًا بالشخصية المُتفردة، ثم الوصول إلى الشخصية المُصلحة والمؤثرة.

يضمن هذا التقسيم ربط الإيمان بالهوية ويدمج النوايا مع القيم والسلوك في تطوير نمو شخصية هدفها الانجاز لا النجاة، والتغيير لا اللامبالاة. استخدم الكاتب رسائل ومحاور ذهبية لتحقيق ذلك أهمها: تعزيز الشعور بالكفاءة وتقدير الذات بالتجريب المستمر وليس فقط بالتشجيع الشفوي، أهمية التعرف على الهوية الذاتية للأبناء دون فرض تعسفي لهوية الآباء عليهم، كذلك دعم الشعور بالانتماء الآمن ليشعر الطفل بقبوله الاجتماعي ليتفاعل ويؤثر بحرية، تعزيز دافعية الأبناء وتشجيعهم على إيجاد أهدافهم والمساعدة الخفية في تحقيقها، أهمية تقدير حقهم في الخطأ البشري واحترامه عبر التعديل لا الإهانة وبالتوجيه لا رجم الشخصية.

يُنسب إلى الإمام علي بن أبي طالب قوله: " لا تربوا أبناءكم كما رباكم آباؤكم، فقد خُلقوا لزمان غير زمانكم"، هذا الزمن هو المستقبل، والكثير يتحدث عن تربية المستقبل بلا وضع معالم لها، لكن الكتاب هنا يختتم فصوله عن هذه الخطة وكيفية تطبيقها عبر اكساب الأبناء المهارات المعرفية والنقدية، المهارات الاجتماعية وكيفية إدارة المشاعر، المهارات الروحية والنفسية.

كما يُناقش صفات وسلوكيات الوالدين (خاصة الأم) المطلوبة والمرفوضة تربويًا لتحقيق هذه الخطة، محذرًا من أن تكون التربية في البيت تتسم بـ : العشوائية (تربية بلا بوصلة)، الانعزالية (تربية بلا جسر)، المثالية (تربية بلا رحمة)، الحب المشروط (تربية بلا أمان)، والسكوت البيتي والتعجُل التربوي والمقارنات والعصبية والتسيب والاستبداد الأسرى.

وهنا يؤكد الكاتب على إعادة النظر في سلوكيات ومعارف الوالدين ليكونوا قادرين على كسر دائرة الأخطاء والجرائم التربوية التي يمكن أن تكون حدثت لهم ويكرروها مع أبنائهم، وهذا ما تنقذنا منه التربية الواعية بتعليمها وتطبيقها كما يقول ماركيز: "إنها الطريق الوحيد الذي يمكن أن ينقذنا من تكرار أخطائنا التاريخية".

أخيرًا، قراءة هذا الكتاب وغيره من الكتب التربية الجادة هو دعوة لاستفادة بأقصى ما يمكن من المدرسة عبر تأهيل الوالدين لأنفسهم وأبنائهم، وحتى مع اخفاق المدرسة تربويًا تكون الأسرة هي المُصلح لما أفسدته الأولى ولا يحدث العكس، هذه المعارف هي دعوة لفك الارتباط مع ممارسات تربوية بالية لم تخلُ من القسوة أو العشوائية. فإذا أردنا حقًا أن يكون أبناؤنا (أسوياء)، فعلينا أن نمنحهم الجذور التي تعطيهم الثبات (الهوية والقيم)، والأجنحة التي تطلقهم في فضاء المستقبل (المهارات والوعي)؛ ليكونوا هم التغيير الذي يكسر دائرة الأخطاء التاريخية ويعدّهم لأيام أفضل من أيامنا.