عمرو منير دهب يكتب: اركض ولا تركض

"لن يغيِّر شيئاً أبداً ذلك الركضُ اللاهث وراء أمنياتك في هذه الدنيا، لكنني أنصحك بأن تركض". هكذا أشرقت منذ سنوات طويلة لمحة من فكرة "افعل ولا تفعل الشيء نفسه" عبر "طريق الحكمة السريع"؛ والأدق أن هذا الاقتباس من كتاب "طريق الحكمة السريع" - الذي شرعتُ في تدوين أفكاره منذ نحو ثلاثة عقود - لا يعرض فقط لمحة من فكرة كتاب "افعل ولا تفعل الشيء نفسه" وإنما يبدو كما لو كان تلخيصاً رائعاً للفكرة المحورية للكتاب الذي يدعونا إلى التصالح مع متناقضات الحياة ويحض على ممارستها بضمير مستريح.

نركض خلف أمنياتنا وتطلّعاتنا في الحياة، ونركض بصورة موازية هرباً من إخفاقاتنا ومخاوفنا؛ وفي الحالين ينطبق قانون/منطق "افعل ولا تفعل الشيء نفسه"؛ فسواء ركضنا أم لم نركض سيقع أمرٌ كان لا محالة واقعاً، وهذه بديهية بحكم القناعة بما كُتب سلفاً من سيناريوهات حياتنا بكل تفاصيلها؛ بيد أن ما يبدو غريباً لنا على اختلاف التجارب أن ما يحدث كثيراً ما يكون غير ما سعينا من أجله، بل نقيض ما خطّطنا له، وكأننا لم نتخذ الوجهة التي سلكناها وإنما مشينا عكس الاتجاه المزمع تماماً.

لو أن النتيجة ثابتة بحيث نحصل على عكس ما نتطلّع إليه باستمرار لكان الأمر هيّناً: نخطط لنقيض ما نرجوه من أجل الحصول على ما نتطلع إليه. ولكن الأقدار أشدّ مراوغة من ذلك، فإذا صحّ أنّ ما نتمنّاه بشدّة ونخطط له يأتينا نقيضُه دوماً - أو على الأقل في كثير من الأحيان - فإن شرط الأقدار على هذا الصعيد يبدو كما لو كان معلّقاً بصدق نوايانا فيما نتطلّع إليه كي يتحقق عكسه، بحيث تبدو الفكرة كامنة في ما نشتهيه حقاً لا ما نتظاهر باشتهائه؛ وإذا كان بالإمكان في كثير من الأحيان أن يتحايل بعضنا على الآخر فليس من المنطق ولا الحكمة أن يدفعنا ذلك إلى أن نخال أنّ في وسعنا التحايل على القدَر.

والحال كتلك، يبدو السكون/الركون خياراً مغرياً إذا كان اتجاه الحركة كثيراً ما يفضي إلى نتيجة/غاية في الاتجاه المعاكس وكان التمويه في سلوك الاتجاه المنشود للحصول على النتيجة المشتهاة غير ممكن مع القدَر. ولكن مهما يكن، لا يجب أن نتوقّف عن الحركة، بل لا يجب أن نكفّ عن التخطيط ابتداءً، فالسكون لن يفضي إلى الحصول على ما نتمنّاه، إذا افترضنا جدلاً إمكانية أن نظلّ ساكنين ونحن نتطلّع إلى غاية ما؛ والواقع أن الحركة في أي اتجاه تجلب لنا نتيجة من قبيل ما يمكن الإفادة منها حتى إذا كانت غير/عكس ما كنّا نتطلّع إليه، في حين أن السكون يجلب على الأرجح مزيداً من السكون في أفضل الأحوال، ذلك أن الأسوأ كثيراً ما يحدث فيفضي السكون إلى التقهقر.

أن نركض، إذن، هو خيارنا بصرف النظر عن الاتجاه؛ والكف عن الركض يغدو أمراً لا مناص منه عندما تُقيَّد حركتُنا لأيٍّ من الأسباب؛ ولكن لا حرج من الكف عن الركض بإرادتنا (أو ما نخاله إرادتنا) عندما لا نرى دافعاً إلى الحركة في أيٍّ من الاتجاهات؛ عندها لا بأس بأن نلتقط أنفاسنا إلى حين، شريطة ألّا يطول ذلك الحين، بحيث نواصل ممارسة الحركة فور أن نتبيّن الاتجاه الذي يدعونا إليه فنعود من ثم إلى معالجة مفارقة التأرجح بين ما نصبو إليه ونندفع نحوه وبين ما نحصل عليه نهاية المطاف.

تصبح مفارقة "اركض ولا تركض" أكثر منطقيةً واستساغةً إذا تخيّلنا أن جميع الموجودات تبدو كما لو كانت تتحرك في محيط دائرة واحدة؛ فإذا لم تستطع أن تلحق بهدف ما تركض نحوه أبطئ سرعتك في الركض وانشغل بهدف آخر، ستدرك بعد حين أن هدفك الذي انشغلت عنه أصبح وراءك وغدا بعدها كما لو كان هو الذي يركض خلفك.

للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])