يبدأ الفيلم من ذروة النجاح فوق حلبة الملاكمة. نرى نسيم حميد الذي يجسده أمير المصري بملابسه المزركشة يرقص ويدخل الحلبة بطريقته الاستعراضية المعهودة ومن خلال لقطة عكسية ينجح المشهد الافتتاحي في جذب الانتباه بشدة قبل أن يعود بنا الزمن من خلال تقنية الفلاش فورورد. عند بداية الفيلم قد يظن المشاهد أن البطل الوحيد هو نسيم حميد لكننا نكتشف تدريجيا أن مدربه يقاسمه الصراع والبطولة.
السيناريو
امتاز السيناريو بنقاط قوة لكنه وقع في بعض السلبيات جعلته الحلقة الأضعف بالفيلم مقارنة بالإخراج والتمثيل الرائعين. تميز السيناريو بسرعة الإيقاع واللعب بين الأزمنة من خلال الفلاش باك والفلاش فورورد في البداية لكن سرعان ما تصاعد الإيقاع بشكل سريع للغاية في الفصل الثاني لدرجة تجعل المشاهد يفقد مشهدا كاملًا إذا تشتت انتباهه لثوان. كانت البداية لطيفة ورقيقة شرحت عالم الشخصيات بدقة وسرعة وبدون افتعال أما النهاية فجاءت عاطفية وجميلة بداية من مشاهد الذروة حتى الختام وتكمن المشكلة الأساسية في الفصل الثاني أو النصف الأول منه تحديدا بسبب الإيقاع المتسارع.
تضمن الفيلم مشاهد أحدثت ضحكا كثيرا في قاعة السينما من خلال كوميديا الحوار والموقف عملت كنوع من التنفيس الدرامي لكن هذا الجزء لم يكن كافيا أبدا فكان الفيلم معبأ للغاية وكأن السيناريو يريد قول كل شيء في وقت واحد. لم يكن الحوار في أفضل حالاته لأنه جاء في شكل تقريري مباشر وافتقر لسمات الصياغة الدرامية التي تعتمد على النص المستتر ومع ذلك حافظ على قواعد بسيطة مثل التعبير عن خلفية المتحدث.
سار الفيلم في خطين رئيسيين وهما رحلة نسيم ورحلة بريندان وفقد السيناريو توازنه ومال قليلا لخط بريندان. رأيت العلاقة بمنظور رحلة بطل وليس علاقة أب وابن كما تداول العديد من النقاد الغربيين حيث كان إنجل يريد تحقيق أحلامه من خلال موهبة نسيم التي لم يمتلكها هو في شبابه،اذا نظرت لها من منظور علاقة الأب و الابن سوف تجد أن بريندان لديه أسرة كاملة وصالة رياضية مليئة بالأطفال يعتبرهم أبنائه لكن كانت حاجته لصناعة بطل وليس ابنا، عوضا عن عدم تحقيقه آماله حين كان لاعبا. توجه السيناريو لشخصية بريندان ليظهر كبطل في النهاية قد يعود لمكانة بيرس بروسنان لكن السيناريو ركز أيضا على أغلب المحطات الهامة بحياة نسيم مما أدى لحالة إشباع معرفي وتوثيقي لدى المشاهد، فعن جيلي لم نعرف يوما من هو نسيم حميد لكن اليوم علمنا من هو.
الإخراج
اعتمد المخرج روان آثال على الدراما النفسية لا الرياضية فقط ولم يرد تقديم فيلم ملاكمة تقليدي يركز على النزالات بل ركز على الديناميكية المعقدة بين التلميذ والمدرب. أبرز الإخراج التباين بين تواضع وبساطة بريندان الذي ظهر في كادرات هادئة ودافئة داخل صالة شيفيلد القديمة وبين صعود ونجومية نسيم المصورة بكادرات حركية سريعة وإضاءة مبهرة وزوايا تعكس الثقة المفرطة والغرور الفني.
تحدى الإخراج في تصوير أسلوب نسيم غير التقليدي المعتمد على الرقص والمراوغة فاستخدم تصميما حركيا دقيقا لجعل المشاهد يشعر بجمال وخطورة الأسلوب معا مع استخدام لقطات قريبة للتركيز على تعابير وجه أمير المصري لإظهار حالته الذهنية داخل الحلبة. نجح الإخراج في نقلنا لمدينة شيفيلد في الثمانينيات والتسعينيات عبر لوحة ألوان واقعية وباردة للمدينة الصناعية تتناقض مع ألوان دخول نسيم الأسطوري للحلبات. كما ركز الإخراج على خلفية نسيم اليمنية واحتواء المدرب الأيرلندي له مما جعل صراع وحب المعلم والتلميذ هو المحرك الأساسي للقصة.
تجسيد الشخصيات وصراع الأجيال
برع أمير المصري في تجسيد شخصية نسيم حامد من غرور وتعال وسرعة بدنية وكان الاختيار الأنسب للدور حيث قدم تحولا جسديا ونفسيا كاملا وأتقن اللغة الجسدية والرقص في الحلبة ببراعة. أدى أمير دور البطل التراجيدي كما ينبغي متمثلا في لحظة السقوط حين يمتلئ بالغرور، كما حدث في مأساة أوديب. يثبت أمير المصري في Giant أنه وصل إلى مرحلة من النضج الفني تجعله قادرا على الوقوف ندا لند أمام عملاق بحجم بيرس بروسنان. فقدرته على إدارة الصمت في المشاهد المشتركة، واستخدامه للغة العيون للتعبير عن الانكسار الخفي خلف قناع القوة، جعلت من أدائه مباراة تمثيلية لا تقل إثارة عن النزالات الرياضية. أما بيرس بروسنان فقد خلع عباءة جيمس بوند ليقدم أداء هو الأفضل في مسيرته بدور الأب الروحي حيث جسد بريندان بهدوء ورصانة وكان يمثل المرساة والثبات مقابل انفجار طاقة أمير المصري. كما كان اختيار الأطفال لتجسيد مرحلة الطفولة عبقريا حيث نقلوا بذرة الموهبة والشغب الفطري وأظهروا كيف بدأت الرحلة بصرامة ممزوجة بالحب.
سحر المكان ولغة الزوايا
كانت صالة وينكو بانك هي قلب الفيلم النابض حيث ركز الديكور على إعادة بناء قاعة الكنيسة القديمة بواقعية مفرطة وظهرت الجدران متهالكة لتعكس فلسفة بريندان في صناعة الأبطال من لا شيء. استخدم الديكور لغة بصرية للتعبير عن رحلة الصعود من الفقر إلى الغنى ففي البداية غلب الطابع الصناعي البارد على شيفيلد ومع الشهرة تحول الديكور إلى الفخامة والإضاءة الساطعة. كما تم اختيار مواقع تصوير حقيقية تحتفظ بمعمار تلك الحقبة لتعزيز الهوية البصرية الصادقة وصممت الحلبات كمسارح تبرز حركة أمير المصري بقدسية خاصة.
التناغم البصري وهندسة الزمن
اعتمد المونتاج على التزامن الإيقاعي ليتناسب مع حركة نسيم الراقصة مما جعل النزالات تبدو كعرض فني مع استخدام المونتاج السريع لإظهار سرعة رد الفعل. استخدم المونتاج أسلوب القطع المتوازي لإظهار الفجوة بين عالم بريندان الهادئ وصخب حياة نسيم مما بنى توترا دراميا ملموسا أدى لانفصالهما. كما لم يستخدم العرض البطيء لمجرد التجميل بل كان أداة لشرح عبقرية المدرب وكيفية قراءة نسيم لحركات خصمه مما منح المشاهد فرصة لاستيعاب التفاصيل.
في النهاية إذا قارنا بين الفيلم والحقيقة فقد لا يرضي الجميع لكن بالنظر إليه كعمل سينمائي فهو فيلم مكتمل العوامل يمنح الأمل في الحياة ويجعل المشاهد يتوحد مع الشخصية رغم عدم انتمائه لعالم الملاكمة. ومن رأيي أن هذا الفيلم سيحقق نجاحا جماهيريا صاخبا وسينقل بطلنا أمير المصري إلى مرحلة جديدة تماما من النجاحات العالمية.