اتصلت في بدايتها بصحف مصرية مطلع القرن العشرين "سمرقند" و"أوينا".. فجر الصحافة الأوزبكية

د. أحمد موسى عبدالله

أستاذ اللغة العربية بأكاديمية أوزبكستان الدولية للدراسات الإسلامية جامعة اللغات العالمية بطشقند

انطلقت الصحافة الأوزبكية من عباءة الجديدية (jadedism) تلك الحركة الثقافية التنويرية التي حاولت التجديد والتوعية والتنوير، من دون الاصطدام بحكومة روسيا القيصرية، ورأت الحركة -بشكل عام- أن الإعلام المطبوع، ونشر الكتب التعليمية، والمسرح، والدراما، ونشر الأعمال الروائية أكثر الطرق فعالية للتأثير في المجتمع، وتبصير الناس بحقوقهم، والوصول إلى التجديد بطريق ناعم سلمي. وإذا ما رصدنا الفترة الزمنية التي نشطت فيها الحركة من 1905، لنا أن نتخيل في هذه الفترة الزمنية كانت هناك 166 صحيفة ومجلة ناطقة باللغة التترية.

في هذه الفترة الزمنية نشطت إلى حد كبير المطبعة والنشر والترجمة، هذه الفترة نفسها شهدت أول ترجمة لألف ليلة وليلة باللغة الأوزبكية 1914، طُبِعت في طشقند، وأضيفت إليها صور ومشاهد من القصة بأسلوب الطبعات الفارسية السابقة، وصُنع غلافها من قماش الأزهار المستخدم في التجليد وهو نوع نموذجي من الأقمشة المصنوعة في روسيا للبيع في تُرْكِستان. وغالبًا ما كانت تستخدم في تجليد الكتب. وهذه صورة للغلاف:


البداية الحقيقية كانت عام 1883 مع «ترجمان» التي أسسها رائد الحركة الجديدية في القرم التتري: إسماعيل غاسبرالي، أو غاسبرنيسكي كما كان يدعى بالروسية. وسرعان ما اكتسبت شعبية غير مسبوقة بين السكان الأتراك في الإمبراطورية الروسية، ولفترة طويلة، كانت الصحيفة الدورية الوحيدة في روسيا باللغة التركية، وأنشأ غاسبرالي خطا خاصا سمي باسمه Gasprinsky،


بعدها تطورت الصحافة النوعية والمتخصصة فظهرت مجلات الأطفال والشباب والنساء، وفي عام 1906 نشر غاسبرالي بلغته الأم أول مجلة فكاهية «Ha ha ha» وفي1907، كان غاسبرالي على اتصال مع صحيفة «النهضة» التي صدرت باللغة العربية في مصر، وإن كانت علاقته مع «النهضة» غير تحريرية، لكن حاول نشر فكرته عبر مجلة «الهلال» المصرية التي أسسها جرجي زيدان، وقامت فكرة غاسبرالي على وحدة اللغة والثقافة والعمل، يمكن القول: إن تأثيرا وتأثرا مباشرا وغير مباشر كان حاضرا بين رواد حركتي النهضة والجديدية في الشرق (جمال الدين الأفغاني – محمد عبده- رشيد رضا – إسماعيل غاسبرالي – محمود خوجة بهبودي).

كان محمود خوجة بهبودي (1875-1919) رائد الحركة الجديدية متصلا بغاسبرالي، وأطلق على غاسبرالي ألقاب: الأستاذ وناشر الأبجدية، خصوصا أن قضية اللغة المحلية كانت العبء الأكبر على كاهل الصحافة الجديدية. ويذكر بهبودي في مذكراته التي نشرها الحاج معين شكر الله بين عامي 1922–1923 في صحيفتي «صوت العمال/ Mednatkashlar ovozi» و«Zarafshan» التي قام بتحريرها: سولي كرسيموف، وأدماد علييف، ونعيم كريموف، وسيرجي دتسين أدميدوف، وشيرالي توردييف، يذكر بهبودي أن غاسبرالي كان يعمل هو وزوجته في تحرير «ترجمان» وتجميعها وإرسالها بالبريد وأحيانا بنفسه إلى المطبعة، كانت هناك صعاب ومتاعب كثيرة، لكنها جميعها هينة في طريق توعية المسلمين بالعالم.

أصدر بهبودي أول صحيفة في أوزبكستان وهي: «سمرقند» في أبريل عام 1913، وعلى الرغم من تحيز بهبودي البالغ للغة القومية فقد صدرت «سمرقند» باللغتين الأردية والفارسية، وكانت تصدر مرتين أسبوعيا، تراوح عدد صفحاتها ما بين صفحتين إلى أربع صفحات، وتوقفت بعد 45 إصدارا بسبب نقص الموارد. وكانت قد صدرت من دون رأسمال، صدرت بوعود فقط، وإن كانت وعودا صادقة، وخصص مبلغ لتأسيس شركة تصدر «سمرقند» لكن المبلغ لم يكن كافيا، ولم تؤسس الشركة وتوقفت «سمرقند» عن الظهور، كتبت الصحافة الروسية: للأسف «سمرقند» الإسلامية في عطلة، وتمنت عودتها من جديد، كتبت «ترجمان وفاكت» تحث على العمل من أجل عودة «سمرقند».

لم يغمض لبهبودي جفن بعد توقف «سمرقند» فكانت البداية الحقيقية في 20 أغسطس من العام نفسه (1913 عام صدور سمرقند) مع إصدار مجلة «Oyna/ المرآة»، مجلة أسبوعية مصورة، وانتصر بهبودي هذه المرة للغة المحلية فأصدر مجلته الجديدة بالأوزبكية مع القليل من القصائد الفارسية، والمقالات والإعلانات الروسية، وكان القراء يراسلونه بضرورة النشر الكامل بالأوزبكية.

ظلت قضية اللغة المحور الأساسي الذي شغل بال بهبودي، وعلى الرغم من أنه كان ينادي المحررين بضرورة إتقان أربع لغات على الأقل، فإنه كان يرى الهوية في الحفاظ على اللغة الأم، وكان المجتمع وقتئذ متعدد اللغة، فكانت هناك لغات محلية كثيرة منتشرة من مثل: الأوزبكية والطاجيكية والفارسية والتركية، فقد كتب بهبودي في العدد الأول من «Oyna»: "نحتاج إلى أربع لغات، وليس لغتين" وهو الصحفي والمترجم والأديب الذي يحافظ على لغته المحلية، ويبحث عن عالمية التواصل، وكتب مقالا عنوانه: "مشكلة اللغة" نشره 1915 في «Oyna» الأعداد 11، 12، يتناول فيه الأمر نفسه، تطرق في مقالته "مشكلة اللغة" إلى فكرة تداخل اللغات، وكأنه يؤكد على حياة لغته في مدى تأثيرها وتأثرها باللغات الأخرى. وكانت اللغة الأوزبكية تكتب بأبجدية عربية حتى غيرها جوزيف ستالين عام 1928، والأوزبكية هي فرع من شجرة اللغات التركية، واللغات التركية كلها ترجع في أصولها إلى شجرة اللغات الألتائية، وتعود الأوزبكية لمجموعة اللغات التركية الشرقية أو الأويغورية التركية، ومن اللغات التي أثرت في الأوزبكية: الفارسية، الطاجيكية، العربية.

لقد عانت الصحافة التركمانية آنذاك -من وجهة نظر بهبودي- تعاني من أمرين، الأول: الانحراف عن اللغة القومية بعبارات وجمل من لغات أخرى، وكثيرا ما كان بهبودي يردد: "العديد من العبارات والجمل الفارسية غير مرحب بها" والثاني: شيوع اللهجة أو ما كان يسميه بهبودي (اللغة العثمانية) في لغة الصحافة آنذاك.

اعتمد بهبودي سياسة تحريرية للنشر في «Oyna» يمكن وصف ملامحها على النحو التالي:

1- البعد عن التراكيب الصعبة والمعقدة والإطالة غير المبررة في كتابة المقالات، والبحث عن اللغة السهلة، لذلك يقول بهبودي مستنكرا: "اعتدنا على نشر عدد من الأعمال المعقدة".

2- يجب فهم المصطلحات جيدا قبل كتابتها.

3- المصطلحات الروسية والعربية والفارسية وغيرها تكتب بنص لغتها، ثم يُعاد شرحها بلغة النشر، كذلك الكلمات غير المفهومة أو الغامضة.

4- يجب أن يُصاغ الخطاب طبقا لمقتضيات القراء الموجه إليهم (مراعاة مقتضيات القراءة).

5- الابتعاد عن الصفات والألقاب التي قد تحتمل دلالة سيئة عند إلحاقها بالأسماء.

6- الابتعاد قدر الإمكان عن الألفاظ الفارسية القديمة والمنسية.

7- من غير المعقول كتابة عدد من الكلمات الروسية والفرنسية بالأحرف العربية، يمكن كتابتها بأحرفها مع عرض تفسير لها.

8- من الضروري كتابة الرسالة بطريقة واضحة وموجزة.

9- الانتقاء في الترجمة، والعمل على ترجمة أفضل الأعمال.

10-الاعتناء الشديد بضبط علامات الترقيم.

11-الابتعاد عن تشويه السمعة، والنيل من الآخرين باستخدام القلم. وإخفاء بعض الأسماء طبقا لقوانين النشر.

كان بهبودي منتجا للغاية، فقد نشر أكثر من 500 مقال في العديد من الصحف، وتعاقد مع إحدى الصحف لنشر يومياته ومشاهداته خلال رحلته إلى القدس، ومن ثم إلى مصر، كما نشر الكثير من الكتب والكتب التعليمية، وأسس دار نشر باسم «نشرياتلار بهبودي».

نشرت «Oyna» الثقافة والمسرح وقضايا اللغة والقضايا الاجتماعية والنقاشات المحلية، من ذلك نشرت على أجزاء متسلسلة كتيبا بعنوان مناظرات كان قد حرره الحاج معين، وكثيرا ما أسهمت «Oyna» في انتقاد سلوكيات محلية وتقاليد اجتماعية سيئة، كثيرا ما كتب بهبودي في نقد هذه السلوكيات وهذه التقاليد بغرض تصحيحها، فنراه كثيرا ما ينتقد الإنفاق الجنوني في حفلات الزفاف. فجاء بحالة نجار فقير أقام حفل زفاف دام أحد عشر يوما، وتكون النتيجة أن العروسين هما من يدفعان ثمن ذلك طيلة حياتهما، ويتحملان مديونيات لا طاقة لهما بها، ويعيشان حالة من البؤس والفقر مدى الحياة، ويبيعان كل ممتلكاتهما من أجل حفل زائف يتفاخرون به أياما معدودة.

نراه كذلك في العدد 18 من «Oyna» 1914 ينتقد سلوكا اجتماعيا في اختيار أسماء الأولاد والبنات وأسماء المحلات والماركات التجارية الغريبة وغير المفهومة، وينصح بعدم ترك الأسماء الإسلامية، ويدعم عددا من التتار يصفهم بالرائعين يستخدمون أسماء من مثل: (نبي الله – روح الله – شكر الله) وغير ذلك.

في النهاية من يتابع حركة النشر البهبودية -إن جاز تسميتها كذلك- فإنه يراه ناشرًا ملتزما بهموم أمة، وملتزما كذلك بما نسميه اليوم بأخلاقيات النشر، كانت لديه سياسة تحريرية خاصة، وكانت المطبعة والمدرسة، وكذلك المحرر والمعلم -من وجهة نظره-على درجة واحدة، تقع على كاهل كل منهم مسئولية عظمى تجاه تنوير الأمة.