إذا لم يكن ثمة حرج في أن نكذب ولا نكذب كما رأينا في مقال سابق، فمن باب أولى ألّا يكون ثمة حرج في أن نبالغ ولا نبالغ؛ ومجدداً تحدّينا أمام المتناقضة هذه المرة يبدو كامناً في تسويغ المبالغة لا العكس.
ولنبدأ أيضاً هذه المرة بالأسهل: لا تبالغ، فـ"الموضوعية" تبدو خياراً معقولاً ومقبولاً بصفة عامة بالنظر إلى مختلف القيم، المثالية بطبيعة الحال؛ وامتحان الموضوعية (أو على الأقل الاتّزان في التعبير والسلوك) يتجلّى كذلك عند اصطدامها بأرض الواقع، وهو اصطدام مدوٍّ لا ريب؛ ومثلما أشرنا آخر المقال السابق فإن مهارة التعامل مع ما يغدو "في حوزتنا من الخبرة لإنزال أفكارنا السامية إلى الأرض بسلام" مسألة بالغة الأهمية ونحن إزاء كل متناقضة من متناقضات الحياة.
الموضوعية الخالصة، بما لا يقتصر على الاتّزان الظاهري في التعبير والسلوك وإنما بما يفيد الحياد في تقييم الأمور وفي السلوك المترتب على ذلك التقييم قبل إطلاق الأحكام، الموضوعية الخالصة – بذلك الاعتبار – مسألة غير ممكنة شأن كل مطلق من الأفكار والأفعال؛ وعليه فإننا مع "لا تبالغ" أمام تحدّ عظيم أيضاً، فنحن نكاد نكون مفطورين على المبالغة في كل ما يعنينا ويمسّ مصالحنا أو مشاعرنا العميقة مساساً مباشراً. لا حرج إذن في أن نبالغ في مثل تلك المواقف، شريطة أن تكون المبالغة ردّة فعل لا تستمرّ طويلاً فتعيق نظرتنا الصافية للمسألة وتؤثّر خصماً على مصالحنا ومشاعرنا على نقيض ما نضمره – أو نصرّح به – من النوايا في معرض مبالغتنا.
لا تبالغ إجمالاً لأنك مع المبالغة أشدّ عرضة للندم – بدرجة أو أخرى – بعد انقشاع الصدمة الأولى للمؤثر الذي دفعك إلى المبالغة، فالأغلب أنك ستتبيّن أنه مهما يكن الانفعال قد بدا لك حينها مستحقاً فإن قدراً أكبر من الاقتصاد في مشاعرك وردّة فعلك كان من شأنه أن يجعلك في موقف أفضل بعدها، سواء بالنظر إلى الطاقة الزائدة التي بدّدتها سدى أو بتقييم ما يمكن أن يكون قد نشب من خسائر معنوية ومادية - نتيجة انفعالك الزائد – فبات لزاماً عليك تداركُه لاحقاً مع نفسك وفي مواجهة الآخرين. الانفعال الزائد تنفيس، ولكن من الحكمة أن تتأكد وأنت تمارس ذلك التنفيس من أنه لن يجرّ عليك لاحقاً ما يجعلك أشدّ احتقاناً بالألم والندم وأقلّ قدرة على تفريغ ما بداخلك من الضيق؛ والتحدّي العظيم في هذا المقام هو أن تتذكّر تلك العبرة وتحسن السيطرة على نفسك في اللحظات الأولى عندما يدهمك أيٌّ من المؤثرات التي تحسن استفزازك في أيّ نطاق.
ولكن، دون أن نبالغ سنبدو جميعاً كالآلات التي تتحرّك بانضباط وإحكام، لا أقول فقط بما يخلو من المشاعر وإنما – من قبل – بما لا يستفز في النفس نزعات التجديد والإبداع فيفجرها تفجيراً.
لا تنزعج عندما تجد نفسك تبالغ من حين إلى آخر، فالمبالغة تعبير عن الدهشة التي هي دلالة انفعالك الصحّي مع الحياة من حولك. عندما تكفّ عن المبالغة/الدهشة تبدو كمن بات يعرف كلّ شيء عن الحياة ويظن أنه ليس هناك المزيد؛ الأدهى أن يكون الزاهد في المبالغة/الاندهاش على دراية بأن هناك الكثير في الحياة مما لم يقتحمه بعد لكنه لم يعد بحاجة إلى المزيد.
بالغ ولا تبالغ إذن ولا داعي للقلق في الحالين إلّا إذا استبدّ بك أحد الفعلين استبداداً طاغياً على حساب نقيضه. لا أريد أن أندفع فأبادر ناصحاً بتبنّي "الموازنة" التقليدية في هذه الحال، إذ لا أرى الموازنة – بمعنى المناصفة/التوسّط كما في القصد الشائع عادة وكما نوّهنا مراراً من قبل – هي الحل الأمثل، فالممازجة أولى من المناصفة؛ الممازجة بمعنى أن يحسب كل واحد نسبة كلٍّ من النقيضين إلى الآخَر ويعتمدها بحسب ما يراه مناسباً لطبيعته وغايته، سواء في موقف بعينه أو بصفة عامة في استجاباته على مختلف المقامات.
والحال كتلك، لن يكون ثمة إذن ما يدعو إلى القلق حتى عندما يستبدّ بك فعلٌ على حساب نقيضه ما دمت متصالحاً مع ذلك الاستبداد وقادراً على إدارة عواقبه – الوخيمة في الغالب – إزاء نفسك وفي مواجهة الآخرين. ومع المبالغة تحديداً، من الجميل أن تتذكّر وأنت تفرط في انفعالك أن الإبداع إنما هو استجابة بالمبالغة تجاه ما يراه الآخرون طبيعياً أو يعجزون عن مجاراته بما يستحق من ردّات الفعل الخارجة عن المألوف.
للتواصل مع الكاتب عبر الإيميل التالي: ([email protected])