مهند خيري يكتب: أرستقراطية متآكلة وأغنياء جدد.. تشريح الصراع الطبقي في فيلم "جوازة ولا جنازة"

الاستهلال وبناء الصراع

يبدأ الفيلم من حيث انتهى في استهلال سينمائي يعتمد تقنية الاسترجاع الفني ليرسم ملامح الحكاية منذ اللحظة الأولى حيث تبرز شخصيتا حسن وتمارا كقطبين متنافرين لم يجمعهما الحب بل جمعتهما المصالح والظروف وقد نجحت المخرجة في توظيف مشهد السيارة في البداية ليكون بمثابة غرس درامي ذكي سيحصد المشاهد ثماره وتداعياته لاحقا في تطور الأحداث اعتمد الفيلم في محركه الأساسي على تضاد الشخصيات القوي الذي ولد صراعات مستمرة وتصعيدا دراميا متواصلا جعل الأحداث في حالة غليان دائم.

فلسفة الصورة وهندسة الكادر

كان الإخراج هو العنصر الأقوى والأبرز في هذا العمل حيث تجلت براعة المخرجة أميرة دياب في اختيار الكادرات وتكوين الصورة برؤية بصرية ثاقبة تبشر بميلاد موهبة إخراجية فذة وقد لعب اختيار موقع التصوير دورا جوهريا في إضفاء حالة من الفرادة على العمل إذ قدمت المخرجة من خلال عينها الفلسطينية رؤية مغايرة للصحراء المصرية لم نعتدها في السينما المحلية من قبل فجاء التون العام للفيلم غنيا ومختلفا ليعكس عملا إخراجيا متقنا للغاية ولم تكتف المخرجة بتقديم صورة جميلة بل طوعت اللغة البصرية لتكون هي الراوي الأول للأحداث حيث استطاعت عبر توظيف الإضاءة الطبيعية وظلال الصحراء أن تخلق حالة من العزلة الشعورية تتماشى مع تخبط الشخصيات داخل هذا المكان الواحد وقد بدت الكادرات في كثير من الأحيان وكأنها لوحات تشكيلية مرسومة بعناية فائقة حيث تم استغلال العمق المكاني لإظهار الفجوة الواسعة بين الشخصيات وتنافرها الطبقي حتى في لحظات التقارب المكاني.

كما تجلت شجاعة المخرجة في كسر القوالب التقليدية لتصوير البيئة الصحراوية فابتعدت عن الكليشيهات البصرية المعتادة وقدمت بدلا منها جغرافيا سينمائية خاصة بها تتسم بالغموض والشاعرية في ذات الوقت مما منح الفيلم هوية بصرية مستقلة تجعل من الصعب نسيان تفاصيله بعد المشاهدة وهذا النوع من الإخراج هو ما نطلق عليه إخراج الرؤية الذي لا يكتفي بتنفيذ السيناريو بل يعيد صياغة العالم دراميا من خلال عدسة الكاميرا وتناغم الألوان التي سيطرت على الكادر ومنحت المشاهد تجربة حسية فريدة من نوعها.

التوازن بين الجمال البصري والعمق الشعوري

رغم جماليات الصورة إلا أن الفيلم عانى بعض الشئ من برود عاطفي خلق حاجزا بين المشاهد وأبطاله فلم نتمكن من التعاطف معهم أو ذوبان الفوارق بيننا وبينهم كما يحدث في الدراما القوية ولعل السبب وراء ذلك هو انشغال السيناريو بكثرة القصص الجانبية والحكايات الفرعية التي تسببت في تشتت التركيز وضياع فرصة التعمق في مشاعر الشخصيات الرئيسية وفهم أوجاعها الحقيقية.

النص وصراع الطبقات

أما السيناريو الذي يعد بمثابة شهادة الميلاد او الوفاة لأي عمل فني كما قال أصغر فرهادي فقد كان يحتاج بعض الشئ إلى ضبط في مستويات الحوار بالنظر إلى تركيبة الشخصيات نجد حسن يمثل الشاب الثلاثيني المنتمي لطبقة الأغنياء الجدد الذين صعدوا من بيئة شعبية إلى ثراء فاحش بينما تمارا تمثل بقايا الطبقة الأرستقراطية التي تآكلت ثروتها ولم يتبق لها سوى المظاهر مما دفعها للقبول بهذا الزواج لتأمين مستقبل ابنها هذا الانقلاب الطبقي المزدوج بين فقر يطمح للغنى وغنى يخشى الفقر كان مادة خصبة جدا لصناعة دراما ثرية لكن الحوار جاء مباشرا أكثر من اللازم حيث مالت الشخصيات للتصريح عن هويتها وطبقتها بدلا من ترك الأفعال وردود الأفعال ترسم هذه الملامح فكان من الأفضل أن ينسحب الحوار قليلا ليترك المساحة للتناقض الصارخ بين الشخصيات ليعبر عن نفسه.

تجسيد التنافر وتجليات الأداء

قدم الممثلون أداء لافتا ساهم في تجسيد هذا الصراع الطبقي بعمق حيث نجح شريف سلامة في تقمص شخصية حسن بكل تناقضاتها بين الجذور الشعبية والواقع المادي الجديد مبرزا محاولات الشخصية لفرض هيمنتها بسطوة المال وإن عابه أحيانا خروج ملامح الشخصية من إطارها الشعبي ليعود شريف بظهوره المعتاد الذي يتسم بالأناقة والترفع وفي المقابل قدمت نيللي كريم أداء متزنا للغاية في دور تمارا فاستطاعت التعبير عن صراع الكبرياء الطبقي في مواجهة الانكسار المادي وقد تجلى التناغم بينهما في قدرتهما على تجسيد حالة عدم الانسجام المطلوبة دراميا كما منح الممثلون المساعدون العمل زخما وحيوية رغم أن كثرة عددهم لم تكن تتناسب دائما مع طبيعة المكان الواحد الذي احتضن الأحداث على مدار سبعة أيام.

الرسائل الضمنية والكوميديا السوداء

ناقش الفيلم قضايا اجتماعية شائكة من خلال هذه الرحلة منها الفوارق الطبقية والثقافية والصدام الحتمي بين عائلتين من خلفيات متباينة كما سخر من الهوس المجتمعي بحفلات الزفاف الباذخة التي تتحول إلى عبء نفسي ومادي واجتماعي يسلط الفيلم الضوء أيضا على توغل الأهل في حياة الأبناء مما يعطل مسار العلاقات الطبيعية ويطرح المفارقة الصارخة بين أجواء الفرح وحضور الموت المفاجئ في قالب من الكوميديا السوداء التي تجبر الأبطال في النهاية على مواجهة ذواتهم وإعادة اكتشاف علاقاتهم في محاولة للتصالح مع النفس والآخر قبل المضي نحو حياة جديدة.

إن رحلة السبعة أيام في قلب الصحراء لم تكن مجرد طريق لحفل زفاف، بل كانت رحلة تعرية للنفوس والطبقات. جوازة ولا جنازة هو فيلم الرؤية التي تتجاوز السرد التقليدي، ورغم بعض المآخذ على مباشرة السيناريو، يبقى العمل صرخة بصرية ممتعة تدعونا للتصالح مع حقيقتنا قبل أن تبتلعنا رمال المظاهر الزائفة. هي سينما تحتفي بالصورة، وتؤكد أن الموهبة الحقيقية هي التي تستطيع أن تصنع من التنافر فنا لا ينسى.